ماذا تفعل شهرزاد علي بحيرة جنيف؟!

حجم الخط
0

سؤال روائي جديد لجميل عطية إبراهيم

القاهرة ـ “القدس العربي” – من محمود قرني:

يمكننا اختصار الكثير من الألم الإنساني الذي تضج به رواية الكاتب جميل عطية إبراهيم شهرزاد علي بحيرة جنيف في تلك الجملة المؤثرة التي يطلقها الكاتب ـ الراوي في حواره مع الأمير الخليجي ميتراس الذي يكره شهرزاد ويرد بعنف تكشف الرواية عن أسبابه عندما يقول شهرزاد يجب أن تموت، لا مكان لشهرزاد في غابة العولمة.

والجملة علي بساطتها وتقريريتها إلا أنها تكشف عن قسوة المفارقة بين الحلم الأثيري الذي تشكلت حوله عوالم ألف ليلة باعتبارها حاضنة الخيال العربي والشرقي، وبين الواقع الذي تمتلك أدوات انتاجه المعرفية قوة غاشمة وجارحة لذلك الحلم الذي لا زال يتسربل بالكثير من الرومانسية، لا سيما في محاولته التعلق والتشبث بتلابيب الماضي.

فالرواية الجديدة لجميل عطية الصادرة عن سلسلة روايات الهلال تكتمل بها دائرة لا نعرف لها محيطا نهائيا، بعد تلك الثلاثية التي تتألم بالعالم الجديد، ما بعد الحداثي، في صيغته المعولمة، فقد أصدر جميل عطية إبراهيم رواياته خزانة الكلام، نخلة علي الحافة، و المسألة الهمجية حول تبدد الحلم الإنساني في عالم أفضل علي خلفية تلك الأطماع الاستعمارية التي تتلبس في لحظات مختلفة، لبوسا جديدة، وتظل صورتها الزئبقية عالقة بالأذهان.

وقد استطاعت الرواية بناء عالم متخيل تقوم أركانه علي المفارقة التي تجمع العديد من المتناقضات، حيث لا يمكننا أن ننطلق إلي عوالم شهرزاد دون أن تنطلق من حمار نجع البطوطة مسقط رأس الراوي حيث تمرغ الحمار في التراب حتي ارتوي ثم طار وتعلق بصاري المديرية وهات يا نهيق.

ويحاول الكاتب أن ينقل عالمه بمرجعيته الثقافية المختلفة حيث يعيش الآن في جنيف، وهي حيلة تستهدف إقامة ذلك العالم المفارقة التي تكتسب الرواية شرعيتها من تبايناته، فحيث تقيم ثورة العلم والعقل وتجلياتهما الإمبريالية التوسعية والاستيطانية، أصبحت تقوم ـ كذلك ـ عوالم الحنين إلي الماضي وأساطير اليومين السابع والثامن من تاريخ البشرية، لا سيما الرقم 7 الذي يحيا بمرجعية عربية شبه مقدسة.

ولا تقوم مفارقات العالم الروائي في رواية شهرزاد علي بحيرة جنيف علي إضفاء الكثير من الأجواء الاسطورية علي السرد الروائي، بل يبدو تنامي العالم الروائي معتمدا لعناصر أكثر شمولا.

فلغة الرواية، استمرار للغة الكاتب وجيل الستينيات في أظهر كتابه، حيث تتميز اللغة بالبساطة وتتأتي بلاغتها من إشراق الحرث وغرائبيته، لذلك فهي لغة سردية بامتياز تتمسك بحركية الحدث وتطوير النموذج المحكي وانتقالته، بما يؤكد ـ بشكل دائم ـ علي راهنية الحدث، لا سيما إذا كان مبتعثا من الماضي السحيق، وتصل بساطة اللغة في بعض الأحيان إلي الكثير من الهزل وتعمد أحيانا إلي الإضحاك الذي يؤكد علي تباينات الوعي الإنساني بتأكيد ذلك الشقاق بين عقلين وحضارتين وكأن ثمة تأكيداً وابتعاثاً قسرياً للهويات الضائعة والمجروحة.

وتلعب اللغة في الرواية ـ إلي جانب ذلك ـ دورا شديد التكثيف والاختصار أدي إلي الكثير من وجاهة السبك وإحكام الجملة الروائية دون أية ترهلات، وإن وقعت تلك اللغة ـ للأسباب ذاتها ـ في التسطيح والخفة وبعض الركاكة في الكثير من الأحيان، وتتماثل تلك المفاهيم حول طرديات اللغة والاحتفاء بالسرد مع الوعي الستيني لدي الكثير من كتاب ذلك الجيل: صنع الله إبراهيم، إبراهيم أصلان، محمد البساطي، حيث يتبدي الوعي بدور اللغة أدائيا محضا، ومن ثم لا بد من إقصاء البلاغة بكافة صورها، ويتأسس ذلك الوعي علي أن التوترات الشعرية في اللغة الروائية من شأنها تقليص حركة الزمن ونفيها أحيانا، اللغة الشعرية تراكم خيالا مرجعيته البلاغة، واللغة السردية تراكم زمنا مرجعيته الحركة والانتقال، ويبدو التراكم الشعري نوعيا واستصفائيا، أما التراكم السردي فيبدو كميا يعمل عادة في طريق الوصول من البدايات إلي النهايات، وربما هذه الأسباب في مجموعها هي التي تجعل الرواية أقرب إلي الوعي الحداثي من الشعر مهما تمرد علي أشكاله القديمة، ومهما اقترح من أشكال جديدة.

بالإضافة إلي عنصر اللغة فقد اعتمد الكاتب الروائي جميل عطية إبراهيم علي صناعة عالم يكتنفه الكثير من الغموض والسحرية، عبر شخوص تمثل الواقع مثل صديقته كريستينا التي تعمل في مقر الأمم المتحدة في جنيف وتتبادل مع الراوي الكثير من التعليقات المريرة والمتسائلة حول تلك القرارات العبثية التي تتسرب إليه قبل اتخاذها داخل أروقة المنظمة، وصراعات الدول الكبري حول مثل هذه القرارات، وهو ما يكشف الكثير من عبثية الموقف السياسي المعلن لتلك الدول والموقف الذي يتم تدبيره في الكواليس، وفي النهاية تتشكل تلك الصورة القبيحة والقاسية لذلك الخطاب الاستعماري الجديد.

يقول الراوي في أحد تلك الصور المكثفة لتجليات ذلك الخطاب: في البراري والغابات، رائحة بول الأسد سند ملكية الأرض وما عليها وما في جوفها، يؤكد الأسد موطنه بعلامات البول التي يرثها حول مساحة تتراوح بين عشرين كيلو مترا وثلاثين كيلو مترا، في جيبي صور لعملية ترسيم الحدود عند الأسود.

علي هذا النحو يحاول الكاتب في حواره مع كريستينا أن يكشف عن أخلاقيات الغابة البشرية ويمهد لها في بقية الرواية.

كذلك تبرز شخصية شهرزاد التي يبتعثها الروائي من تاريخها البغدادي السحيق، لكنها تبدو بطلة تفقد أهم معايير البطولة، فلم تظهر في الرواية ليعيد علي أسماعنا حكايتها الطريفة مع الملك شهريار، بل تبدو وقد تبددت ذاكرتها، يقول الراوي في حوار معها:

إحك يا شهرزادـ تمنعتـ التفتت الي صاحبها الرجال، قالت: زدنا فهما يا سيدي، حدثنا عن الأرض الحرام قبل صياح الديك، وأردفت بالانجليزية the Freezone ما حكاية الأرض الحرام؟ شوقتني وصمتت، شهرزاد لها ألف حكاية وحكاية، هل توقفت عن ولادة الحكايات وأصبحت تتسولها من الدجالين في آخر الزمان؟

ـ صمت شهرزاد مصيبة، نكبة وحلت بالعالم العربي.

عيب يا شهرزادتبدو أيضا شخصية الأميرة دنيازاد الشقيقة التي تقدمها الرواية علي أنها تعيش تحت المياه بين فرنسا وسويسرا وهي عالمة فلزات وتملك أسرارا كونية خطيرة حول الصناعات النووية والكيميائية، وقد أتي خلفها من الخليج ذلك الأمير العجيب ميتراس الذي يحلم بأن يخلص العالم من نفاياته فيما خلف الفضاء، في العدم، انه يبحث عن درب التبانة، وهو رجل يعتقد أنه محصن ضد الموت، وأن قوة المال يمكنها أن تشتري حضارة بكاملها، لذلك فهو في سويسرا بحثا عن الأميرة دنيا زاد لخطفها والاستئثار بعقلها وإمكاناتها العلمية الخطيرة، في إشارة ليست خافية علي الراوي الذي يريد الكشف عن بطش الجهل والمال معا، وتتبدي تلك الكراهية المفعمة بالكثير من التساؤلات من قبل الراوي تجاه الأمير ميتراس في أكثر من صورة لا سيما عندما يرفض الراوي التعاون معه علي أي نحو، بعد أن طلب ميتراس سيناريو فيلم يلعب فيه دور البطل المطلق، وتنتجه هوليوود ليتحول ـ بما له ـ إلي بطل عالمي.

ورغم موت ميتراس في نهاية الرواية قبل أن يبلغ مأربه، إلا أنه يفاجئ الراوي بعدد من الطرود الضخمة التي أرسلها كهدية وقد ضمت عددا هائلا من السناجب وجذوع الأشجار، إلا أنه يهديها لحديقة الحيوان بعد أن كبدته مرتبه لمدة ستة أشهر، ويعتبر الأمر آخر مزحة سخيفة للأمير الميت الذي لسنا علي يقين من موته فعليا.

أيضا تتبدي صورة الأمير شهريار الملك الذي خرج من قمقمه للتو، بينما هو متهم بقتل سبع فتيات في حال عري كامل داخل إحدي الفيلات الجميلة في سويسرا، وتؤكد التحريات المباحثية أن شهريار هو مؤجر الفيلا، لتتأكد لدي الكافة تلك الصورة غير الفاهمة لحضارة بكاملها، فيقول الراوي في ص 42: ألف ليلة وليلة لا تزال بعيدة عن فهم المشترقين، مناهج البنيوية والحداثة ما بعد الحداثة لا تدرك الطلسم ولا تتوقف عند تفجر الحدث القدري أو المصنوع، هذه بضاعتنا، في مقابل عدم القدرة علي التماهي مع الآخر تبدو كريستينا شبحا جديدا وهي تبلغ الراوي بأن الدول الخمس الكبري رفضت إدانة إسرائيل، ويقول هنا ـ عقب هذه الجملة ـ قلت في عجلة: الجاموسة بدأت تروي، ونحي التليفون عني، بعد قليل رن التليفون في جيبي، جاءني صوته، صوت بورخيس العميق، قال: شهريار بريء، لا تصدقهم، هم كذبة.

أما الأمر المثير فإن شهرزاد التي جاءت من برج بابل، صارت لغة حديثها باللاتينية، وهي اللغة التي لا يفهم منها الراوي شيئا، وربما أمام هذا الاغتراب يضطر الراوي إلي اتخاذ موقف عنيف من الحضارة الأوروبية، ويلجأ لحمار نجع البطوطة مسقط رأسه ويقول: إحياء أسطورة حمار نجع البطوطة مهمتي في الأعوام القادمة إذا فارقني منشار الزمان وترك لي فسحة من الوقت، ترتيب أوراق جدي الشيخ أو علامة رسالتي وقد سجل لنا تفاصيل الحكاية، وشجار العمدة مع الحمار.

والرواية في الإجمال تلخص تلك الشُقة بين التي تبدأ في ذلك الحوار مع سمو الأمير ميتراس الذي يمقت الشعر والشعراء ويعلن عن ذلك، وفي المقابل يؤكد الراوي أن حكايات شهرزاد أخطر من الشعر والماركسية، ثم يقول صراع الحضارات بين الشرق والغرب أساسه حكايات شهرزاد؟ هذه جرثومة الماضي والمستقبل.

وداخل هذا التلاطم والتداخل في الأزمنة والشخوص تتشكل رواية شهرزاد علي بحيرة جنيف في سحرية تتناسب مع ذلك التناقض المرعب الذي يعيشه الإنسان المعاصر لا سيما إنسان تلك الحضارات السحيقة والغابرة التي حولتها العولمة الي نموذج فلكلوري يستحق الرثاء والسخرية في أحسن الأحوال.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية