عزت القمحاوي
الوجود القوي لما بات يعرف في العالم بـ المافيا الوردية يعكس القوة التي يتمتع بها المثليون في التأثير علي القرار السياسي والاقتصادي بالعالم كله. وفي الوقت نفسه يعكس السبب الذي كان وراء نشوء وارتقاء هذه المافيا، وكل مافيا أو تنظيم سري: النبذ. النبذ سواء كان حقيقياً أو متخيلاً هو السبب الأساسي وراء تكوين كل مافيا ومحفل سري، تطلعاً إلي الانتقام من النابذين، أو علي الأقل إقرار حقوق المنبوذين. وقد نجح المثليون في فرض وجودهم كجماعة مؤثرة ومهابة. وأصبح علينا الآن التفتيش في فُرشهم لمعرفة أسرار العديد من قرارات الحرب والسلم وصفقات البناء والترميم، بينما كان الكلاسيكيون من أنصار التفسير الجنسي للتاريخ ينصحون بالتفتيش في أسرة الملكات والعشيقات والسراري. وعلي الرغم من نيل المثليين لكثير من حقوقهم في العالم الغربي، إلا أن هذه الحقوق تبقي مجرد حقوق قانونية وفكرية، أي أن الدولة تعترف بشكل رسمي، والمواطن يعترف باستدلال عقلي ومنطقي (استناداً إلي الحق في الاختلاف) لكن يبقي تحت هذا الاعتراف العلني عدم الاستساغة الوجدانية، وسرية الازدراء الأمر الذي يُبقي علي سيكلوجية المنبوذ ـ الخطرة ـ لدي المثليين. علي أن هذا القدر من الاعتراف الغربي يفيد في التقليل من مخاطر أصحاب الياقات الوردية علي أدائهم الرسمي في المناصب، بينما لم يزل الأمر مختلفاً في الشرق، فالنبذ الاجتماعي لم يزل قوياً في السر والعلن. ومن المعروف أن رجال المباحث الجنائية يحتفظون بقوائم دقيقة للشواذ الذين يكونون أول من تتجه إليهم أنظار المحققين عندما تعرض عليهم جرائم القتل الغامضة. وكما يطالب الأسوياء منا بديمقراطية الغرب من دون أن ندفع ضريبة الدم التي دفعتها الشعوب الغربية في ثوراتها، فإن الشواذ الشرقيين أيضاً يريدون اعتراف المجتمع بهم من دون أي نضال للاعتراف بحقوقهم! في الغرب يتظاهر المثليون ويكتبون ويتحدثون في وسائل الإعلام المختلفة، ويتصرفون في كل هذا برجولة كجماعة متضامنة تضم الغني والفقير منهم، حتي من يصل منهم إلي منصب رسمي يعلن عن ميوله كنوع من الإشهار والمساعدة للمهمشين من زملاء اللون، بينما يواصل المثليون عندنا الانطواء، ومن يصل منهم إلي مكان في حجر السلطة يتعامل معه بذهنية إجرامية. من شدة النبذ الاجتماعي لا يشعر المسؤول الشاذ بالترقي الذي يخرجه من قوائم ضابط المباحث الجنائية؛ فيمضي في توزيع ما تحت يديه من مغانم بينه وبين خلصائه بذهنية التشكيل العصابي السري، مستقبلاً الرأي المعارض بلدد في الخصومة، وطيش وافتقاد صواب عند الرد. ولامانع عند المسؤول الوردي من استخدام كل الأسلحة المشروعة وغير المشروعة، ومنها استغلال المثليين الفقراء في تشويه الخصوم وإطلاق الاتهامات ضدهم، وليس هناك ما يثير الشفقة بقدر ما يثيرها هؤلاء الذين يُدعون إلي القتال ـ بالسخرة من دون أجر أو بأجر زهيد ـ ولا يدعون إلي المنادمة! ومن النافل القول بأن المثلي المسؤول لايمضي في استنزاف المنصب، إلا بفضل أرضية الفساد الجاهزة والموجودة، والتي تشعره بالأمان؛ فالفساد الشرقي ـ حتي من دون المثلية ـ نوع من الشذوذ، إذ لايكتفي الفاسد الشرقي بشقة فاخرة أو بضعة ملايين (أقصي نسبة فساد أوروبية باستثناء إيطاليا بلد المافيا) وإنما يراكم المليارات عشرة وراء عشرة، من دون أن يهنأ بنوم مريح، مرعوباً من مصادفة تطيح به من فوق ظهر الأسد! أليس هذا شذوذاً؟! أن يواصل الإنسان تكديس الأموال فيوفر الأمان المادي لأجيال بعيدة لن تمت له بصلة قرابة، بينما يفتقد هو نفسه الأمان أو الوقت اللازم لاستمتاعه بهذه الثروة؟! في هذه النقطة بالتحديد فإن المسؤولين المثليين عندنا أكثر سوءاً من الفاسدين العاديين، إذ يستمتعون بما يسرقون: بدلات أنيقة، عطورغالية، قصور فاخرة مؤثثة بذوق. انتبه نجيب محفوظ منذ نصف قرن بالتمام والكمال إبداعياً إلي ظاهرة الفساد الوردي، ففي السكرية، يقيم رضوان (ابن ياسين من زنوبة صبية العالمة) علاقة مع وزير مثلي، ويمارس الفتي الوسيم بقوة السيطرة علي الوزير كل أنواع الفساد واستغلال النفوذ! والأدب ابن مجتمعه ومرآته، علي كل حال، ورؤية الأدب العربي للمثليين شديدة الارتباط بالنبذ وبالتالي بعالم الفساد والجريمة، من رضوان ووزيره في السكرية إلي المعلم كرشة في زقاق المدق إلي حاتم في عمارة يعقوبيان، علي الرغم من أن التراث العربي كان أكثر تسامحاً مع عشق ذات النوع، وخصصت كتب الإيروتيكية العربية مثل الروض العاطر و نزهة الألباب فصولاً في علامات وسمات المثليين، واستمر الأمر كذلك أزماناً طويلة حتي أن الشيخ حسن العطار الذي تولي مشيخة الأزهر (1830 ـ 1834) كتب شعراً في التشبيب بضباط الحملة الفرنسية! وبينما يتجه الأدب العربي إلي مزيد من النبذ، نجد العكس في كتابة العالم من حولنا، والفرق يمكن أن نلحظه في المسافة بين مارسيل بروست وجان جينيه: لدي الأول اعتبر النقاد جيلبرت معشوقة البطل ذكراً متخفياً، بينما يحتفل جينيه برجاله كما تحتفل امرأة برجالها. علي أن الأمور لاتمضي في خط مستقيم دائماً، ولايمكن التحكم في الإبداع بتعميم اتجاه أوحد؛ فإلي جانب الكتاب المقاتلين بنصهم من أجل حقوق الشواذ، أو أولئك الذين لايرون في المثلية عيباً، يواصل كتاب آخرون احترام عقيدة التخفي، مفضلين السير في الطرق الالتفافية. ولايمكن أن نفهم السعار الجنسي، أو استعذاب الإهانة لدي العاشقة الإسبانية في الوله التركي لأنطونيو غالا، من دون أن نضع في اعتبارنا أنها قناع لذكر يعشق ذكراً. ومن أبدع ما أنتجته عقيدة التخفي في الكتابة عن الجنس المثلي، مذكرات اعترافات قناع للياباني المنتحر ـ كالعادة ـ يوكيو ميشيما؛ فهي العمل الأكثر حزناً وألماً وإحساساً بالنبذ.