صوفيا توتيا في عزلتها:

حجم الخط
0

تضع علي مائدة واحدة مزيجا من الصور والنصوصفاروق يوسف

1 “انها لا تمزح أبدا”. هذا ما يقوله نقاد الفن عن الفنانة صوفيا توتيا التي تقيم معرضا غريبا من نوعه في قاعة (ليليا فالش) وهي واحدة من اكثر القاعات طليعية وتمردا علي القواعد الفنية المتاحة في العاصمة السويدية. أشرطة طويلة ورفيعة من الصور والنصوص تتابع وتتقاطع جيئة وذهابا علي الجدران شكلت الجزء الأكبر من المعرض. وهو ما أعتبر نوعا من التحول في سيرة هذه الفنانة التي كانت دائما تميل الي الاتجاه التقليلي. ذلك لانها في كل ما انجزته سواء في الرسم أو من خلال فني الفيديو و الفوتو وفي انشاءاتها المختصرة لم تكن تستعمل من الالوان إلا الأسود والأبيض، اما باقي الالوان فهي تعينها علي الفصل بين السطوح المختزلة خشية تداخلها. ولكن ما معني هذا الانتقال الصادم الي الفن المفاهيمين حيث يحتل النص المكتوب حيزا كبيرا من خيال الصورة؟ يجمع نقاد الفن علي أن هذه الفنانة، وهي التي عرضت اعمالها طوال عقد التسعينات في نيويورك وبرلين، اصبحت بيسر جزء من مشهد الفن الصعب في بلدها وفي العالم. لقد صار امرا مألوفا ان يري المرء مقولات مستلة من هيغل وكابلر وانشتاين وسواهم من فلاسفة وعلماء في معارضها، وهي التي تقول”يجب ان نفكر في الوقت نفسه بالارث الثقافي والمنجزات العلمية معا” في معرضها الحالي (عزلة) تمزج التفكير العقلي بالتأمل الروحي، الوقائع التاريخية بآخر اكتشافات فيزياء الذرة. صوفيا توتيا تكافح من اجل ان تبتكر اسلوبا يكون الفن من خلاله محاول لفهم جوهر العالم وتغيير رسالته معا. وكما هو متوقع فان النتيجة التي ينتهي اليها جهد من هذا النوع لا تبتعد كثيرا عن السياسة (بخطابها المباشر لكن من دون شعارات صاخبة). وهو ما يضفي علي فن توتيا نوعا من الصرامة المقتضبة، الامر الذي دفع النقاد الي تشبيه ايقاع فنها بالصمت الخطير الذي يسعي الي ان يكون مفزعا. فن هو اشبه بالخلاصات الصادمة التي تحذف كل ما يعيق عريها الجارح عن الظهور. تعيد توتيا كل واقعة تاريخية الي اصولها المختبرية، ليتصل العمل الفني بمعني يهبه هوية معاصرة. في رحلتها الاخيرة الي بوينس ايرس (الرحلة التي هيأت لتوتيا مادة معرضها الذي نحن بصدده) التقطت صوفيا صورا لبشر عاديين، لكنها في الوقت نفسه اكتسبت هناك مشاعر مؤلمة قوية أغنت حساسيتها الجمالية النافرة. من ذلك المزيج الحسي والروحي صنعت معرضا، حاولت من خلاله أن تصف نوعا من العزلة تغذيها السياسة بالشقاء الذي لا ينتهي.2تقول صوفيا توتيا (المولودة عام 1964) باطمئنان العارف: “في امكانك ان تقرأ النصوص التي امامك وفي امكانك أيضا أن لا تقرأ فالنتيجة واحدة. لن تصل بك النصوص الي فهم مغزي لا يمكن ان تفهمه بصريا”. لقد جلبت معها من الصور ما يكفي للتأمل غير أن ذلك التأمل يظل ناقصا ما لم يتصل بالشحنة السياسية (ذات المغزي الانساني) التي امتلأ بها جسد الفنانة وهي تبحث عن ضالتها بين ازقة وساحات وبيوت العاصمة الارجنتينية، وبشكل محدد في وجوه البشر المستفهمة هناك. ما لا تقوله الصور لا يمكن الاهتداء اليه في النصوص إلا إذا استلهمنا في النظر اليها الحالة النفسية التي انتهت اليها الفنانة وهي ترعي حساسية الفقد لدي الناس العاديين الذين التقتهم بالصدفة هناك. أشياء كثيرة يكون التاريخ عاجزا عن اختبار عناصرها، اما الفن فانه يجد امامه الابواب مفتوحة للوصول الي خفايا تلك العناصر. ما يقوله الفن هو أكثر عمقا من أي معني يبحث عنه المؤرخون. هناك سبل للنفاذ الي الحقيقة يشترك المزاج والذائقة والرؤيا في تخيلها تكون أكثر مهارة من الوثيقة المجردة. ولكن صوفيا تمتلك ارشيفا ضخما من الاصوات والصور والحكايات والاشارات تستعمله في معالجة مشكلات المجتمع والوقائع التاريخية، لكن عن طريق أسلوبها المبهم والصعب. فهي لا تفكر بعينيها مثلما يفعل سواها من الفنانين. في لقاء تلفزيوني تحدثت الفنانة بشكل مؤثر عن تلك الخارطة التي لا تراها وهي تتحرك بين الوقائع إلا بعيني خيالها. لكن هل تصنع هذه العلاقة معني ما للعمل الفني؟ لا يمهد الفن لتاريخ معين، لكنه علي الاقل ييسر اتصال النفس بالنفس ويمكن ان نحصل علي معني في الصدق والهوية الواقعية التي يحققها مثل هكذا اتصال. استعملت توتيا موادا تتطابق مع خبرتها الواقعية ومع الموضوع الذي يقع نصفه في الخيال. 3كالكثيرين في زماننا انتهت صوفيا توتيا من الصورة، في صفتها اطارا محكما يضم بين حدوده حكاية مصورة من نوع ما. صار الصنيع الفني يعيش حياته خارج كل اطار مقنن، غير أنه صار في الوقت نفسه يستجيب أكثر من ذي قبل الي الممكن والواقعي من التقنيات، وهي تقنيات تبدو لاول وهلة غرائبية وغير مستساغة، ولكن المتلقي حين يقبل عليها مدفوعا بفضول التعرف اولا لابد أن يشعر بانها تحرره من صفته، متلق سلبي لتشركه في تحمل مسؤولية ما ينتج عنها من أفكار خطيرة وميسرة. فن صوفيا توتيا يضع متلقيه في منطقة تلزمه تياراتها الهوائية علي الحفاظ علي توازنه الذهني والعاطفي، العقلي والصوري، فيلجأ الي استعمال حواسه كلها، لا حاسة البصر وحدها، من أجل أن يتاكد من وجوده. يخرج المرء من معرض هذه الفنانة ممتلأ بتلك الشحنة الغامضة التي جلبتها الفنانة من الارجنتين، وهي مزيج من الشعور بالمرارة والغضب والمسؤولية والكرامة. كسواه من معارض الفن المفاهيمي فان اعمال هذا المعرض لا يمكن اقتناؤها إلا من قبل عدد قليل من المتاحف في العالم، غير أنها تترك أثرا في الحساسية الانسانية لمن يراها لا يمكن أن يتلاشي، وهنا يكمن المعني المؤكد الذي تبحث عنه صوفيا توتيا. ہ شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية