د. لويس حبيقة
ما يشهده لبنان اليوم اخطر مما عاشه خلال حرب تموز الماضية. فهو امتداد او تكملة للحرب اللبنانية التي بدات في سنة 1975 او قبلها وتوقفت مع اتفاق الطائف دون ان تزول اسبابها الحقيقية ودوافعها السياسية الرئيسية. يعيش لبنان واقعيا منذ اتفاق الطائف فيما بين الحرب والسلم لاسباب داخلية واقليمية ودولية. بسبب سؤ الاداء السياسي والفساد الاداري والاخلاقي، لم يعرف لبنان منذ اتفاق الطائف الا سنوات قليلة متتالية من الديموقراطية والسلم والنمو والبحبوحة والازدهار. كلما ارتاح اللبنانيون لفترة ما، تجددت الحرب الداخلية بشكل او آخر لتعيدنا نفسيا واقتصاديا الي الوراء. لا شك ان وجود الحروب المتتالية في لبنان باشكالها المختلفة كان مناسبا ومفيدا جدا للدول الاقليمية والغربية، وبالتالي لم يتم السعي الجدي الي ايقافها. ان تحول المجتمع الدولي تجاه لبنان بين ليلة وضحاها من قابل لوضعه تحت الوصاية السورية الي عكس ذلك ساهم ايضا في اشعال حروب جديدة لم يكن لبنان مستعدا لها. كان اللبنانيون دائما ضحايا المصالح الخارجية المتغيرة بسرعة، وذلك في غياب مسؤولين سياسيين لبنانيين يتمتعون بالاخلاق ويعون حجم المشكلة وطرق المعالجة.
لا بد من القول انه بالرغم من كل الظروف المعاكسة، حاول الرئيس الشهيد رفيق الحريري عبر العديد من الحكومات التي تراسها ان يعيد الاقتصاد اللبناني الي نادي الاقتصاديات الحديثة والسليمة. حاول وضع لبنان من جديد علي خاريطة الاستثمارات الدولية. كان هنالك العديد من الانجازات الاستثمارية والمؤسساتية الكبري، الا اننا لم نشعر يوما اننا دخلنا في هذا النادي النخبوي. كلما تقدمنا اقتصاديا وسياسيا، كان هنالك من يدفعنا الي الوراء والي المزيد من الخلافات والتشنجات. ساهم انقسام اللبنانيين في اعطاء فرص كبري لكل من شاء الحاق الضرر بلبنان واقتصاده.
كانت حرب 2006 اعتداء اسرائيليا مكلفا علي الاقتصاد اللبناني ومستقبله. خسر لبنان 6 نقاط من النمو والاف فرص العمل التي انتقلت الي الخارج. خسر لبنان الاف الشباب والشابات الذين تعبوا من العيش في ظروف متقلبة بل خطرة. توقفت الحرب الاسرائيلية مؤقتا بفضل جهود الامم المتحدة بالتعاون مع الدول العربية والصديقة والحكومة اللبنانية، فكان القرار 1701 الذي لم يطبق بعد. اما ما يجري اليوم، فهي حرب في الداخل ذات ابعاد اقليمية تنزف الاقتصاد اللبناني الذي لم يتعاف بعد من ركود 2006. الحرب في شمال لبنان والمتفجرات في الاشرفية وفردان تسببان خسائر كبري مادية وبشرية ونفسية للافراد والشركات وللاقتصاد عموما. يمكن القول ان خسارة سنتين متتاليتين من النمو لاقتصاد صغير وناشئ، بالاضافة الي الدمار والقتل والهجرة، تؤثر ليس فقط علي الحاضر بل علي مستقبل لبنان وحيوية اقتصاده.
يرتكز الاقتصاد اللبناني منذ عقود علي قطاع الخدمات، بما فيها السياحة، ليس فقط لينمو وانما ليستمر. اهملت الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ 1943 عن قصد او غير قصد القطاعين الزراعي والصناعي. نجح بعض الصناعيين وبعض المزارعين في الانتاج والتسويق رغما عن الدولة وليس بفضلها. لا يمكن للاقتصاد اللبناني، بهيكليته الحالية، ان ينتج في ظروف حرب بل يحتاج الي الهدؤ كي يسوق خدماته وسلعه الجيدة. لن ياتي السواح الي دولة تنزف من الحروب والارهاب والتفجيرات القاتلة. كان الاقتصاد اللبناني يعيش مؤخرا علي امل حصول موسم سياحي ناجح يعيد الي المؤسسات بعض الحيوية التي فقدتها منذ الصيف الماضي. جاءت الظروف منذ ايام لتقتل الامل في حصول موسم زاهر يخفف من النزف المالي والبشري الكبير.
لا يمكن اذا لاقتصاد مبني علي الخدمات الحديثة ان يستمر في ظروف حرب. لا بد من التفكير في هيكلية اقتصادية اخري تناسب الظروف السياسية والاقليمية المتوترة والمستمرة. تشير الوقائع والمعلومات الي استمرار الظروف الحالية القاتمة لمدة غير قصيرة. شئنا ام ابينا اوضاعنا الداخلية مرتبطة ليس فقط بالطوائف والمذاهب والمناطقية وغيرها، وانما بمشاكل المنطقة الدقيقة والمزمنة. نحن في قلب هذه المشاكل المرتبطة ايضا بسلاح المقاومة ومشروع توطين الفلسطينيين في لبنان. ان حل موضوع السلاح معقد وحتما غير متوافر اليوم. التوطين مرفوض من غالبية اللبنانيين لانه لا يمكن للبنان ان يدفع فاتورة انشاء الكيان الاسرائيلي. فكيف نعيش اذا بينما تبقي الاوضاع الداخلية والخارجية علي ما هي عليه؟ ما هو الحل؟ هل نستطيع تحويل هيكلية الاقتصاد اللبناني من اقتصاد سلم الي حرب؟ وما هي ابعاد هذا التحول؟ وهل يمكننا تحمل نتائجه الثقيلة علي المجتمع؟ هل نستطيع جعل الاقتصاد اللبناني اكثر مناعة في وجه الحروب المستمرة بشكل او آخر علي ارضنا منذ اكثر من 30 سنة؟
اولا: لا يمكن لاقتصاد حر ان يتعايش لفترة طويلة مع ظروف الحرب. اقتصاد السوق هو اقتصاد الحرية، اي اقتصاد المستهلك والسائح الذي يشتري ما يريد ويقرر بشكل غير مباشر نوعية وكمية الانتاج والاستيراد. لا بد لحرية الاسواق اللبنانية من ان تتاثر سلبا باستمرارية حرب كالتي نعيشها اليوم.
ثانيا: لا شك ان الحريات تتاثر سلبا في اوقات الحرب، والامثلة كبيرة في اوروبا والولايات المتحدة وجميع الدول النامية والناشئة. هل نحن مستعدون في لبنان للتخلي عن بعض هذه الحريات لتامين استمرار المجتمع في ظروف حرب؟ هل نستطيع حماية حرياتنا التي نعتز بها ونفوز في نفس الوقت في الحروب المفروضة علينا؟ اذا شئنا احداث بعض التعديلات في الحريات الممارسة، فما هي وكيف والي اي حدود؟
ثالثا: هنالك تكلفة كبيرة للحروب. من يمولها خاصة وان ابعاد حروبنا خارجية بل اقليمية بامتياز. ما زلنا ضحايا التاثيرات الخارجية في غياب المناعة الاجتماعية والسياسية الداخلية التي استنزفت في حروب الثلاثين سنة وما فوق. اذا كانت الحروب قدرنا، فمن يمول النشاط العسكري والامني المتزايد والضروري في غياب موازنات مقرة بل في وجود عجز مالي كبير ودين عام مرهق؟ اذا كانت اميركا تعجز عن تمويل حروب اخترعتها، فكيف يستطيع لبنان تمويل حروب ورثها بل تعتبر مفروضة عليه الي حد بعيد؟
رابعا: تحويل الاقتصاد الوطني الي اقتصاد حرب يتطلب انفاق الحكومة المزيد من الاموال العامة علي الحاجات الاجتماعية الاساسية كالغذاء والتعليم والصحة. اين هي مصادر التمويل في غياب النمو او ضعفه؟ هل تساهم الدول النفطية مثلا والدول الصديقة الغربية في تمويل حرب يدفع ثمنها لبنان وشعبه؟ الحقيقة ان الاقتصاد اللبناني ينزف في وقت تنصرف الدول الاخري الي ترتيب بيتها الداخلي وتحسين اوضاع مواطنيها. لا بد من ان يعي اللبنانيون حاضرهم المؤلم ويسعون علي الاقل الي تغيير الواقع السياسي الداخلي عبر اعادة تكوين السلطات وتغيير العديد من القيادات المجربة.
خامسا: لبنان هو من الدول القليلة التي تواجه في نفس الوقت تحديات مصيرية في كل الميادين، منها السياسية والمالية والامنية والاقتصادية والاجتماعية. لا بد للمؤسسات الدولية والدول المانحة، التي حضرت مؤتمري باريس 2 و 3 وغيرهما من المؤتمرات المؤيدة للبنان، من ان تفهم جميعها ان الحرب في لبنان ليست محلية داخلية بل تحصل لان المجتمع الدولي اهمل لعقود معالجة مواضيع الارهاب وتبييض الاموال ولم يحقق العدالة للشعوب المقهورة وفي مقدمها الشعب الفلسطيني. يدفع لبنان اليوم واللبنانيون ثمن اهمال المجتمع الدولي للعدالة والحق، وبالتالي عليه مساعدة لبنان دون محاسبته علي الامور التقنية التي تجوز فقط في ظروف عادية.