كثيرا ما قرأت مقالات تتشدق بانسانية العالم الغربي، وتتفاخر بحضارية وسائل اعلامه، وتتباهي بفضيلة الحيادية والموضوعية في نقل الاخبار، وربما الكثير تابع اخبار مقتل تسعة اشخاص اثر انهيار جسر طريق سريع في منيابوليس بولاية مينسوتا الامريكية واهتمام كل وسائل الاعلام العالمية بذلك.. وكنت اتساءل، لماذا لم تهتم وسائل الاعلام العالمية بنفس الكيفية بحادث انحراف قطار في جمهورية الكونغو الديقراطية هلك فيه 100 قتيل واصيب فيه 128 شخصا وقع في نفس اليوم الذي وقع فيه انهيار جسر فوق المسيسيبي؟ لا ادري لماذا تصبح وسائل الاعلام الغربية انسانية وحضارية للغاية عندما يتعلق الامر بالمواطن الامريكي والاوروبي، فتعلن كل وسائلها الاعلامية المسموعة والمرئية والمقروءة التعبئة الاعلامية العامة ليصبح هلاك تسعة اشخاص عنواناً رئيسياً في كل النشرات الاخبارية يتقدم علي هلاك اكثر من 100 شخص في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما لو ان قيمة انسان امريكي واحد من اصحاب العيون الزرقاء والخضراء تساوي اكثر بكثير من 100 قتيل من السود الكونغوليين (؟!). وسائل الاعلام الامريكية اعطت اهمية بالغة لخبر انهيار جسر فوق المسيسيبي فمثلا صحيفة هيرالد تريبيون خصصت نصف صفحة كاملة للحدث بينما كتبت عددا من السطور للاشارة للحادث الذي وقع في جمهورية الكونغو والامر مفهوم بما ان الجريدة امريكية (!!). اما وسائل الاعلام الفرنسية فاهتمت بحادث جسر المسيسيبي واهملت وفاة مئة شخص في الكونغو.. طبعا كل رجال الاعلام يدركون شيئا مهما في مهنة الصحافة وهو مكان وقوع الحدث بمعني ان حادثا في انفاق ميترو لندن يسقط فيه عدد قليل من الضحايا يأخذ حيزا اعلاميا مهما ويستفرد بالعناوين الرئيسية علي حساب خبر حادث قطار في الهند يهلك فيه مئات الاشخاص ويصنف في خانة الاخبار المختصرة العادية.. ان موت انسان امريكي واحد في حادث مرور في الولايات المتحدة الامريكية البلد الذي يستحوذ ويسطير علي وسائل الاعلام العالمية يتم نقله وبسرعة البرق الي كل انحاء المعمورة في حين ان حادثا يودي بحياة مئات الاشخاص في افريقيا او آسيا يرمي في سلة اخبار المختصرات، كما لو اننا فقدنا انسانيتنا حتي في الكوارث فهناك انسان درجة اولي وانسان درجة ثانية. اصبح لدي انسان الدرجة الثانية شعوراً ان لا احد يحافظ عليه، لا علي مستوي انسانيته ولا علي مستوي وجوده.. فهو يشعر انه مهمش ومسلوب الارادة والفرص المتاحة لتشوهه ومرضه وموته اكثر من تلك الفرص المتاحة لان يعيش ويشعر انه انسان. ان الانسان بطبعه ينزع للعدل، ولكن حين تحوله لكائن لا قيمة له، يصبح الموت عنده حلما ويفضل ان يموت غنيا في امريكا علي ان يموت فقيرا في الكونغو، بل يجد متعته في اختيار الموت بدرجة 5 نجوم في نهر امريكي علي موت الكلاب في قطار في الكونغو في عالم اختلت فيه الموازين والقيم الانسانية والاخلاقية وفقد فيه الانسان الذي سجدت له الملائكة حقوقه في ان تتناول اخبار موته بعدالة وانسانية. مالك الجزائريرسالة الكترونية6