الثورة القضائية التي أرادت أن تدافع عن الأقليات أصبحت سلطة الأقلية التي تري نفسها متنورة

حجم الخط
0

يمكن ان نجد تفسيرا ما لانقضاض النخبة الاسرائيلية علي وزير العدل، البروفيسور دانييل فريدمان، في كتاب البروفيسور مناحيم ماوتنر: تهاوي الرسمية وصعود القيم، الذي صدر في 1995. يعتقد ماوتنر ان النخبة الاسرائيلية فقدت قوتها الانتخابية في 1977، وبعد ذلك ببضع سنين وجدت طريقة لأن تفرض سلطتها من جديد بالسلطة القضائية. جعلت النخبة محكمة العدل العليا ضربا من السلطة العليا، القادرة علي فرض نفسها علي الأخريات، وحصنت هذه السلطة من تأثير السلطتين المنتخبتين، اي من الاجراء الديمقراطي. يعطي هذا التفسير بيانا مقنعا لقوة الهجوم علي اصلاحات فريدمان لان الاصلاحات نفسها متواضعة. انها تريد أن تعطي اسرائيل شيئا قليلا مما هو أساس مركزي في كل ديمقراطية سليمة: كوابح وتوازنات. كل الكوابح وكل التوازنات التي يقترحها فريدمان، كلها أضيق كثيرا من المعتاد في أنحاء العالم الديمقراطي. ومع كل ذلك، يري كثيرون من النخبة الاسرائيلية مجرد طرح الفكرة كُفرا لا يُغتفر. لا تقبل هذه النخبة أقل من العزل التام للنخبة القضائية عن قوة تصويت الناخبين، الي حد أن نظريات مؤامرة محرجة حقا ـ أن فريدمان ينتقم من الجهاز بسبب عدم تعيين البروفيسورة نيلي كوهين للمحكمة العليا، وأنه يريد جعل المحكمة تنهار مُرسلا من سيده رئيس الحكومة ـ قد أصبحت بديلا مقبولا عن النقاش الموضوعي للاصلاحات نفسها.

ان تفسير البروفيسور ماوتنر مقنع، لكنني اريد ان أضيف اليه تنبيها واحدا. ليس الحديث عن نخبة فقدت قوتها في الانتخابات وتحصنت بالسلطة القضائية. الحديث عن نخبة جديدة حلت محل القديمة. بعبارة اخري، ان تمكين المحكمة لنفسها علي انها سلطة عليا ثمرة تبدّل النخب في اسرائيل. الفروق بين النخبتين عميقة: فقد كانت القديمة اشتراكية ـ ديمقراطية أما الجديدة فهي ليبرالية جديدة. وكانت القديمة وطنية محلية، اما الجديدة فتتنكر لما يبدو لها محلية اسرائيلية وتطمح الي جواز سفر مزدوج. واسست القديمة مكانتها علي السيطرة علي الجهاز السياسي للدولة بالاجراء الانتخابي، اما الجديدة فتؤسسها علي الثروة، وعلي تضييق جهاز الدولة، وعلي تعزيز وعزل السلطة القضائية. وكانت القديمة تري ان السلطة العليا هي رأي الناخب، اما في نظر الجديدة فـ كل شيء قابل للتقاضي. كانت دفار صحيفة النخبة القديمة وأصبحت هآرتس صحيفة الجديدة. كانت دفار صحيفة مباي. وكانت هآرتس دائما صحيفة خصومها، أنصار السوق الحرة. الدوائر المدنية، والليبرالية، والبرجوازية العليا. هذه بالضبط هي الدوائر التي أسست هيمنتها علي جعل المحكمة سلطة عليا، وهم يدافعون عن هذا الانجاز بتصميم عظيم.

يتم الدفاع عن عزل المحكمة التام عن الديمقراطية في ظل غيمة خطابية، نجحت في الطمس علي مجرد معني مفهوم الديمقراطية. لقد مكّنت عندنا لحجة هي علي هذا النحو بالتقريب: يقولون لنا ان جوهر الديمقراطية وروحها، ليسا سلطة الاكثرية، بل حقوق الفرد (والأقلية). تدافع المحكمة عن قيم الديمقراطية، لانها تدافع عن حقوق الأفراد والاقليات في وجه طغيان الأكثرية. ويواصل هذا المنطق رؤيته ان عملها هو تفسير القوانين بروح جوهر الديمقراطية. لا علي حسب ما أراد المُشرعون فعله بالواقع، بل علي حسب ما كان ينبغي ان يُفعل. فتح اهارون باراك بابا واسعا للقضاء، الذي هو في الحقيقة تشريع بواسطة لعب بمفهوم نية المُشرع. ما الذي يمكن ان يكون أكثر ديمقراطية من الدفاع عن نية المُشرع؟. لكن نية المُشرعين الحقيقيين، اي ما أرادوا فعله بالتشريع ـ كما يتم التعبير عن الأمر مثلا بنقاشات لجان الكنيست او نقاشات الكنيست نفسها ـ ليست ذات صلة باستيضاح النية علي حسب باراك. يسمي باراك نية المُشرعين انفسهم، كما يشهدون هم عليها ذاتية. في مقابلة ذلك، توجد نية موضوعية: وهي ما تحدده المحكمة. موضوعية بأي معني اذا؟ بمعني أن هذه هي الروح الحقيقية للأجزاء المتنورة ـ وهذا المصطلح هو الذي صكه ـ في المجتمع. يصبح الجزء المتنور من الجمهور مُشرعا. الناس المفكرون، كما يقول شعار النشر في صحيفة هآرتس. المثقفون والصحافيون. باختصار، النخبة. بدأنا اذا باقرار أن الديمقراطية ليست سلطان الأكثرية، وانتهينا الي ان الديمقراطية هي سلطان الأقلية (المتنورة). ان حقوق الفرد وحقوق الأقلية قيم حسنة ومناسبة. وتوجد ايضا قيم اخري، لا تقل مناسبة، لا تحسب لها النخبة الجديدة حسابا خاصا، الا وهي: التكافل، وخدمات الرفاهة الأساسية للجميع مثلا. لكن جوهر الديمقراطية ليس في هذه او تلك. ان جوهرها قبل كل شيء سيادة المواطنين قاطبة، ادارة يُعينها المحكومون. واذا تذكرنا هذه الحقيقة الصغيرة، فان برج أوراق اللعب العجيب الذي بنته النخبة الجديدة لتسويغ هيمنتها يهدد بالانهيار فورا.

هذا كما يبدو جذر النزاع: الاصرار علي اعطاء الناخب تأثيرا ضئيلا، الذي هو إصرار علي مفهوم السيادة الديمقراطية ـ لن تغتفر النخبة الجديدة هذا لوزير العدل.

غادي طؤوفكاتب في الصحيفة(معاريف) 22/8/2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية