أضواء المدن الغابرة

حجم الخط
0

احمد محمد امين

في لحظة غيرعادية تسللتُ الي غرفة في مكان ما، أيّ مكان، كنتُ وحدي، ورأيتني أفتحُ جرارات طاولة كبيرة في أقصي الغرفة.

لا أدري عمّ كنتُ أبحث علي وجه الدقة، لكني وجدتُ مصادفة بطاقتين، وأجهل حتي ذي اللحظة حقيقتهما، أهما لدخول حفلة أم هما بطاقتا يانصيب؟.

وقررتُ أن أحتفظ بإحداهما لنفسي وأُعطي الثانية لقريبي الفنان التشكيلي.

وقبل أن أخرج داهمني الحارسُ، كنتُ اعرفه: ( شابٌ قويّ، مفتول العضلات، قاسي الملامح، صارم لا يجامل أحداً )، وأجهل حتي الآن كيف أفلتّ منه، من قبضة يديه القويتين اللتين مدّهما نحوي بلا جدوي.

الا أنني سمعته يقول بعد أن ابتعدتُ عنه: سوف أراك بعد نصف ساعة وأصفي معك حسابي. وطوال الطريق كنتُ أفكّر بكلماته.

فما الذي سيفعله بي بعد ذلك؟.

وتعجبتُ من وضعه أيضاً، فلمَ لمْ يستطع الإمساك بي وكان يقف في منتصف الباب؟

، أغلبُ الظن أني اخترقته، وربما كان هو كائناً من الهباء في تلك اللحظة.

نعم رأيته بوضوح لكنه بدا ليَ مخلوقاً سرابياً، علي أيّ حال فقد حالفني الحظ، كان بمكنته أن يمسك بي ويفضحني أمام الملأ.

بعد جري ٍطويل خلال أزقة متشابكة عالية الجدران، خالية من الأبواب والنوافذ، وجدتُني أتخبط من التعب والالتفاف يميناً ويساراً، وأحسبني أني كنتُ أعود الي المكان عينه الذي خرجتُ منه. أتعبني الجريُ العشوائي وأسندتُ ظهري الي جدار وبدأتُ اتساءلُ: أين الناسُ، وأين خلائقُ هذا المكان؟.

لكنني بعد وقت، كنتُ خلاله خارج وعيي، وجدتُني داخل غرفة طويلة شبه مظلمة مُمدّدا ًفوق سرير قريب من الباب، ولم أكد أغمض عينيّ حتي شعرتُ بثقل غير عادي يضيّق عليّ الخناق، كان هلاماً كابوسياً غامضاً، بعد لأيٍ ٍ، وجهد عسير حررتُ جسدي منه، بيد أن رأسي ظلّ يعاني صداعاً وخدراً، نعم أُصيب كلّ رأسي بخدر غامض حتي صرتُ لا أُحسّ به، بل بدأتُ أبحثُ عنه، حين فتحتُ عينيّ جيداً وأنا أرومُ معاينة معالم الغرفة رأيتُ امرأةً ذات هيئة مرعبة شرسة ينزلُ مرآها الهلع في أشدّ القلوب جسارة (وجهٌ مجعد حيواني حاد البياض ينطوي علي عينين دمويتين، وفمٌ مملوء بأنياب ذئبية بارزة، ورأس مغطّي بشعر رمادي منفوش، ترتدي ثوباً أحمرَ بلون الدم ) كانت تمدّ يديها تُجاهي، لكنْ بيني وبينها سريرٌ يضم شخصاً لا يزال مستغرقاً في النوم، وربما لم يكن يُحسّ بوجودنا أبداً. استطالت يدا هذا الجرم الكابوسي ذاتا الأصابع الطويلة المنتهية بأظافرسكينية دكناء. اليدان الوحشيتان ترومان الوصول اليّ الا أنهما كانتا تنتكصان عند كلّ محاولة وتتراجعان، وظلت تناضل دونما يأس للإمساك بي، وعيناها ذاتا النظرات العدوانية ترميانني بشزرات وقحة، لا أدري ما الذي جاء بها الي هنا ومَنْ جاء بي؟.

وحين أزمعتُ النهوض ومغادرة هذه الغرفة اللعينة خانني رأسي، أحسستُ أني من دون رأس، لكني فوجئتُ بصديقي الرسام يلج الغرفة في الوقت المناسب.

وبدأ يسحبني الي الخارج، واعطاني دراجة، قال علي عجل: إذهب بسرعة ولا تلتفتْ الي الوراء، قدْ دراجتك بأقصي قوتك.

وحين أريته البطاقتين اللتين أخرجتهما من ذلك الدرج قبل وجودي هنا، تناولهما منّي ثم مزقهما ورمي مزقهما وراء ظهره سألته: كيف أقود الدراجة وأشعر أن رأسي غير موجود بسبب هذا الخدر اللعين الذي عراه؟.

ردّ مستاءً: رأسك بخير، إلمسه بيدك وحسب وسوف يزول الخدر، هيّا إصعد وقد دراجتك بسرعة وغادر هذا المكان.

بدأت أقود دراجتي عبر طريق ملتوٍ ضيّق يصعد تارةً وينزل تارة، يضيق مرةً ويتسع أُخري.

الطريق مجهولٌ لم أطرقه قبلاً، ثمّ احتواني نفق ٌأغلسُ جعلني أتخبط وكدتُ أفقد توازني، الا أنني مُمسكٌ بزمام دراجتي.

مضي عليّ وقتٌ شعرتُ خلاله بالتعب وبدوار جعل نظراتي تتضببُ.

علي الرغم من أن خدر رأسي خفّ قليلاً، أخيراً تمرأي لعينيّ فضاء مضاء بنور الضحي، وساحة ٌ تضجّ بالناس، توقفتُ في ركن منزو ٍ وأسندتُ دراجتي الي جدار، وجعلتُ أبحثُ عن مقهي أرتاح فيه، وأحظي بقدح من الشاي.

وإذ أُجيلُ بصري خلال هذا المرأي رأيتُ اربعة من أصدقاء أيام طفولتي الآفلة لكنهم كانوا لا يزالون في ميعة الشباب، ولم ادرِ أكنتُ مثلهم شاباً طري الإهاب أم كهلاً بدأتِ السنون تتفاقم عليّ؟.

أحاطوا بي بمحبة، سألوا عن حالي وسألتهم عن مقهي ًقريب.

ردّ أحدهم: نحن أيضاً ماضون اليه نقضي وقتاً في قراءة الصحف والمجلات، إذاً هلمّ معنا.

قلتُ في نفسي: ما أسعدَني وأنا أقرأُ الصحف كأيامي السابقات في مقاهي البلدية والبرلمان والشابندر والنعمان؛ لكنّ أُمنيتي غشيها نوعٌ من المستحيل، فخلال المسافة القريبة الي المقهي تصدّت لنا ثلةٌ من المشاكسين، كان عددُهم يفوق عددَنا ويحملون سكاكين وحراباً وفؤوساً.

صاح زعيمُهم، وهو فتي من أصدقائي أيضاً، امتهن منذ يفاعته المبكرة الشقاوة: ألا تعرفون أنّ وجودكم هنا غير مرّحبٍ به، أنتم لا تنتمون أصلاً الي هذا المكان. كان هو وجماعته يبدون اشباه أشباح ضبابية، استغربتُ وضعهم، بيد أني رددّتُ عليه بشيءٍ من الحدة: نحنُ أحرار في ارتياد أيّ مكان، وكلّ مكان طوعَ أيدينا ورغبتنا، فمنْ تحسبُ نفسك حتي تمنع الآخرين من حقهم؟ سكتَ هنيهة يرمقني بريبة، ثمّ أخذ نفساً عميقاً وضرب يافوخه وصاح: تبّاً لذاكرتي فأنا أعرفك حقَ المعرفة. التفتَ الي رفاقه وجعل يحدّثهم بهمس، تبين لي بعدئذٍ أنه يتزعم حفنة من الشباب يتحرشون بالناس ويفرضون عليهم الأتاوات، فلا أحدَ يوقفهم عن تجاوزاتهم، ربما لكونهم مجرد أشباح من الدخان الا أنهم يتحركون ويتكلمون ويحملون أسلحة حادة ذات نصول وامضة، عاد صديقي الشقي تجاهي، واستغرقتُ لحظتئذٍ في موجة من الضحك لم استطع كبتها، بل دمعت عيناي، فالمرأي برمته محض خيال تعمه عشوائية وفلتان.

قلتُ له بعد أن هدأت سورة الضحك: كنا أصدقاء الطفولة واليفاعة فلمَ لا نعود الي ما كنا عليه أيام التلمذة، الا تتذكر ايّها الناكر للجميل أني كنتُ أساعدك في الامتحانات، بل كنتُ أحلّ لك تمرينات الحساب والقراءة، وأرسم لك الخرائط؟ الا تسعفك ذاكرتك علي التذكر يوم سحبتَ في امتحان البكالوريا دفتري قبل مغادرتي قاعة الامتحان، ثمّ رميتَ دفترك الفارغ أمامي، شطبتَ علي اسمي وسجلّتَ اسمكَ عليه.

تركتَ القاعة وتركتني في حيرة، لم يبقَ أمامي سوي نصف ساعة، كان عليّ أيامئذ أن أغرس سكيناً في صدرك، لكنني سامحتك في اليوم الثاني، والآن تريد إلحاق الأذي بنا. اقترب مني وعانقني، عانقني جسدٌ من الضباب الشاحب، فلم أُحسّ أبداً بدفء كينونته وآدميته.

صاح بفرح: لهذا شاورتُ أصدقائي، أخبرتهم: أني مدين لك بالكثير، كنتَ أنقذتني من رسوب حتمي للسنة الثانية، تقبل اعتذاري، وبوسعكم أن تذهبوا الي أيّ مكان. وقبل أن نصل الي المقهي كانت عصابته تطارد رجلاً أعرفه أيضاً، وعندما أفلتَ منهم بطريقة ما بدأوا يتحرشون بامرأته التي تأخرت في اللحاق به، كانت سمراء، طويلة نحيفة، ذات عينين سوداوين، مزقوا ثيابها، أحاطوا بها بشراسة. كان زعيمهم ـ صديق طفولتي ـ يراقبهم بلامبالاة، أمسك أحدهم بشعرها الطويل، ووضع آخر حربته فوق رقبتها.

اقتربتُ منه صحتُ فيه معاتباً: ينبغي أن تخجلوا من تصرفكم هذا، كيف تسمحون لأنفسكم بمضايقة إمرأة ضعيفة. ردّ بفتور: إن زوجها عدونا ويقف في الطرف المعادي لنا، ولأنه أفلتَ من العقاب فلا بدّ من معاقبتها هي. كدتُ أفقد زمامي وصحتُ بغضب: غلط هذا التصرف وبعيد عن الرجولة، لمَ لا ترمون هذه الأسلحة وتحلّون خلافاتكم بالحوار والأخوة والمنطق ويعود بعضكم لبعض أولياء حميمين؟ نكّس صديقي القديم رأسه، بلع ريقه ثم همس بهدوء: صحيح ما تقول، وصرخ في جماعته: أُتركوها وشأنها، دعوها تذهب. أثناء ذلك كنتُ أسأل نفسي: كيف يعيش هؤلاء ويأكلون ويشربون وينامون، ربما كانوا مجرد أشباح؟ ضحك صديقي وتمتم مازحاً: أنتَ وحدَك ترانا هكذا، لأن عقلكَ ليس في رأسك، فكيف يري الناسَ من كان رأسه فارغاً؟ ووجدتني أمدّ يدي الي رأسي أتحسسه وكانت قد عادت إليه عافيته، واستغربتُ، كيف سمعني صديقي وأنا أطرح سؤالاً علي نفسي، لكني علي ثقة أن الخلل كامن فيهم والا فإن الناس جميعاً كانوا يبدون لعينيّ هياكل شبحية من الضباب، ذا أنا الي جوار أصدقائي، أراهم علي حقيقتهم وهم شهود علي ما كان يجري بيني وبين صديق طفولتي المشاكس الذي ابتسم لي بودّ وطلب من ثلته أن يرموا أسلحتهم في برميل القمامة القريب منا، رفع يده وحيّاني ثم بدؤوا يتركون الساحة حتي اختفوا، أمّا أنا وأصدقائي فمضينا نحو المقهي، شعرتُ بالسعد، بشعور أعادني الي أيام الشباب، يومَ كنتُ أصرف أوقات فراغي هنا، سوف أحظي بابتسامة مطرب المقام العراقي يوسف عمر وهو يجلس عند فوهة باب المقهي بجوار صاحبه السيد حامد، وأشرب قدحاً من الشاي الأسود الذي سيعيد الي رأسي صحوته، وأقرأ عددا من الصحف والمجلات التي يُعيرها إيانا (عبد) صاحب الكشك القريب.

وقبل أن ألجَ المقهي وأرتاح غام الجو وغشيني صداع موجع، ثمّ اختفي كلّ شيء.

ہ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية