في الطريق ما بين فينسيا ودوكيومنته:

حجم الخط
0

فن جديد يقدم القطيعة علي ذائقة جمال مبادفاروق يوسف

1قلة من نقاد الفن في العالم تشعر بالقلق وهي تفكر بمصير الجمال الذي ينتج عن الصنيع الفني، وهي قلة صامتة، يشعرني صمتها مثلما يشعر الكثيرين بالوحشة والفقدان وضعف الحيلة. قد يظهر البعض تذمره غير أن اعصار ما بعد الحداثة بأساليبه ومفاهيمه قد اجبر الكثيرين اما علي المضي معه أو الاختباء في انتظار مروره. ذلك الاعصار يجد دائما من يغذيه، هناك مال كثير قد وظف في خدمته، وما لم يكن هنالك مال فائض فان الكثير من الانشاءات الفنية لا يمكن أن تري النور، بل تظل أفكاراً مجردة. لقد نمت علاقة ملتبسة واستفهامية بل وشديدة الغموض بين الفن والمال في ظل فكر ما بعد الحداثة. هناك ما يدبر في الخفاء هل يحق لنا أن نقول هذه الجملة المربكة والمخيبة والذرائعية بشكل مفضوح؟ هذه المرة سيكون الجمال (الذي عرفناه وسحرنا وشغفنا به وكان مصدرا لفتنتنا) هو الضحية المؤكدة. ففي كل التحولات الكبري التي شهدها الفن عبر مسيرته التاريخية كان هناك دائما مفهوم بديل للجمال يطلع من حيث لا ندري، مفهوم يجعلنا نشعر أن ثرواتنا الروحية تزداد اتساعا وغني، حيث تتم ازاحة حساسيتنا الجمالية عن مناطق حراكها الثقافي السابق لتكون حرة أكثر في الذهاب الي مناطق حراك تعبيري جديدة. هذه المرة ليست كذلك. فالخلاف تخطي عنق الزجاجة كما يقال، لقد انتقل بنا الفن الجديد (ما بعد الحداثوي) الي أرض أخري، أرض لا صلة لأقدامنا بها، وهي لذلك (اي الأقدام) لا تصلح لكي تمشي بنا بعد اليوم. لا اريد أن أمثل دور من استيقظ لتوه بعد عقود من النوم، فهذه القطيعة بدأت فعلا منذ الستينات غير أنها لم تكن بالشراهة والشراسة التي هي عليها اليوم. لقد ابتلعت تلك القطيعة وبشكل قاطع تظاهرتين فنيتين هما الاهم في عالمنا المعاصر، وهما مصدر كل شائعة فنية محتملة: بينالي فينسيا في ايطاليا و (دوكيومنته) في كاسل بألمانيا. هاتان التظاهرتان ليستا الأكبر من حيث المساحة والاعداد والشمولية في عصرنا فحسب بل وأيضا من حيث قدرتهما علي التأثير في اتجاه تكريس وترسيخ الوقائع الفنية التي تحتضنها. هما في حقيقة ما تفعلان مناسبتان لصنع وصياغة مستقبل الفن. هناك فنانون لم يكونوا شيئا يذكر غير أن هاتين التظاهرتين فتحتا أمامهم أبواب كل الصالات الكبري في نيويورك وبرلين وباريس. يكفي هنا أن نتذكر كيكي سمث ومني حاطوم وانيش كابور. بينالي فينسيا و دوكيومنته هما اليوم ليسا حاضنتين للفن الجديد كما يخيل للبعض بل هما ماكنتا انتاج لهذا الفن. ففي كلا التظاهرتين هناك (لا) عنيفة وصريحة للأنواع الفنية التي كانت الي وقت قريب فضاء لانتاج الجمال (أقصد الرسم والنحت بشكل محدد)، بل حتي فكرة ما بعد الرسم وما بعد النحت صارت مستبعدة عن الاجواء كما يبدو، فما يجري عرضه وتبنيه لا ينبئ بالاستمرار بل بقطيعة لا يعبر عنوانها عن محتواها: فن جديد. نحتاج فعلا الي تسمية جديدة تعبر عما يحدث، فالمعجم الفني لا ينجد في هذه الحالة.2في 10 حزيران (يونيو) الماضي افتتح بينالي فينسيا (52) ليستمر حتي 21 تشرين الثاني (نوفمبر)، وبعده بستة ايام افتتح معرض دوكيومنته (12) ليستمر حتي 23 أيلول/ سبتمبر. لذلك فقد انتقل المهتمون من المدينة الايطالية الي المدينة الالمانية، ولكن كثرتهم هي التي تشير الي خطورة وأهمية الحدثين في عالم الفن. فمنذ أشهر لم يعد في الامكان الحصول علي غرفة في فندق أو علي غرفة للايجار في بيت في المدينتين. الكثيرون قد دبروا وجودهم هناك بطريقة أو بأخري. وهو السبب الذي يجعل الوجوه تتكرر في المكانين وما يجعل المرء يسمع الكلام عينه، بالرغم من أن المشاركين في التظاهرتين مختلفون تماما. ففي فينسيا تحصر المشاركة عادة بالحضور الرسمي للدول، اما في كاسل فان هناك مديراً يتغير كل دورة تناط به عملية الاختيار كلها، هذه السنة وقع الاختيار علي الزوجين (روجل بوغر وروث نويك) لادارة المشروع كله، وهما وحدهما كانا المسؤولين عن اختيار اعمالا لـ(150فنانا) هي مادة دوكيومنته. وكما ظهر واضحا فان روجل وروث وقد احتكما الي مزاجهما الفني لم يخرجا بعيدا عن المزاج الثقافي العام الذي صار يتحكم بالنتاج الفني المسموح له بالظهور في هكذا لقاءات فنية، وهو نتاج لم تعد التقنيات الجديدة مشكلته بل صار سؤاله المصيري كيف يستطيع الفن أن يذهب الي ما بعد هذه التقنيات؟ يكفي لتوضيح هذا المنحي أن متحف غوغنهايم في نيويورك قد عرض في جناحه في فينيسيا عملين يقعان خارج كل تصور فني محتمل: الاول هو شاهدة لقبر يضم جثثا لاربعة عشر كلبا سبق للسيدة بيغي غوغنهايم أن ربتها ونفقت والثاني حمل عنوان (بقايا يوسف يويز)، وهو عبارة عن براميل عادية كان الفنان الالماني الراحل يضع فيها العسل الذي كان قد استعمله في أعماله في واحدة من أهم مراحله الفنية.

المتحف الذي يملك أعظم مجموعة فنية لفن القرن العشرين يقدم للعرض أشياء لم تكن في حقيقتها أعمالا فنية، اليس غريبا هذا السلوك؟ فعل عبثي يذكرنا بمبولة دوشامب، غير أنه يؤسس لفهم مختلف للفن وما يمكن أن ينتج عنه من حساسية جمالية. طبعا ما فعله متحف غوغنهايم لا يشكل إلا جزءاً مضللا من التظاهرة الفنية العملاقة. فهناك أعمال فنية سخر الخيال المواد والتقنيات الجديدة في خدمته لينتج أعمالا فنية صادمة، كما هي الحال مع الفرنسي جان فابريه، الذي توزع بين النحت بصيغة جديدة وبين فن الاداء الجسدي ومع الكندي ديفيد التميد والبريطاني داميان هيرست الذي عرض صورا فوتوغرافية سبق له أن عرضها فيما مضي غير أنه هذه المرة صنع منها استعراضا مختلفا. في التظاهرتين الفنيتين ليس هناك جواب جاهز علي سؤال من نوع: ما الفن؟ فقد يكون تفادي تعريف من هذا النوع واحدا من أهم أهدافهما. غير أن من يخرج منهما لا بد أن يشعر أن هناك خلخلة كبيرة لحواسه قد وقعت، وأن شعوره بالحياة قد تغير. أليس هذا ما يسعي اليه الفن؟ أنا من جهتي لست متحمسا للكثير مما رأيت غير أن ما يجب أن اعترف به هو انني لا املك الأسباب المؤكدة لاتخاذ موقف سلبي مضاد. كان هناك فن صعب، احتاج الي أن اكافح معرفيا من أجل فهمه واستيعاب جمالياته. ہ شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية