بوذا الضواحي للباكستاني البريطاني حنيف قريشي:

حجم الخط
0

سِفر الخروج من ساوث لندن إلي العالم الأبيض

بيروت ـ “القدس العربي” ـ من ناظم السيد:

علي غرار كتّاب كثيرين من العالم الثالث عاشوا في بريطانيا، يكتب حنيف قريشي. كما سلمان رشدي القادم من الهند ونايبول القادم من ترينينداد، ينتقد قريشي مجتمعه الأصلي في روايته بوذا الضواحي الصادرة أخيراً في دار الجمل بترجمة سامر أبو هوّاش. إنها رواية تنقض ثقافة الأب وتتنكر لكل موروث باكستاني لا يزال سارياً في العائلة التي تُعدُّ هنا عصب الرواية ومجالها. لكنها إذ تفعل ذلك، تروح ترصد الجيل الثاني من المهاجرين الهنود والباكستانيين الذين يعيشون صراعاً بين ثقافة الآباء والأمهات وبين ثقافة البلد الجديد التي تشكلَ أبناءُ هذا الجيل فيها. جيل لا يسعه الحفاظ علي هوية تغدو كلَّ يوم مصدر سخرية الآخرين والذات وباعث قلق واغتراب وضياع وتشتت لن تزول إلا بالخروج علي هوية العائلة واللحاق بهوية البلد بما تحيل هذه الكلمة علي أسلوب العيش والمأكل والملبس والقراءة والموسيقي والغناء والأفكار والقيم والأخلاق وغيرها.

تتحدث رواية بوذا الضواحي عن عائلة المؤلف نفسه كما توحي شخصيات الرواية (الأب باكستاني والأم بريطانية كما هي حال والد الكاتب ووالدته). ورغم أن الرواية حملت اسم الوالد الذي يتقاعد من وظيفته الحكومية ليعطي دروساً في التأمل والحكمة واليوغا (بوذا) فإن الشخصية المحورية في هذا العمل هو الابن كريم، أي الكاتب نفسه. وكريم هذا يعاني من كونه نوعاً غريباً من الإنكليز، نتاجَ نسل جديد، حصيلة تلاقح تاريخين قديمين. لكن معاناة كريم لا تتوقف عند هذا المكان الوسط بين ثقافتين بل تنبع من حلقة أضيق وهي الجو العائلي الذي تتنازعه هاتان الثقافتان، إذ كانت حياته العائلية بالغة البطء والكآبة والثقل، مما جعله مستعداً لفعل أي شيء. وبالفعل فقد عاش كريم حياة صاخبة موزّعة بين ممارسة الجنس والبحث عن تجريب أنماط عيش مختلفة وبين طموحات يزيدها حدة تلك الرغبة في تغيير لون البشرة التي تدلُّ علي عرق حاملها. هكذا تنقل كريم من ممارسة الجنس مع هلين في ضواحي لندن وتشارلي ابن إيفا عشيقة والده الإنكليزية إلي إليانور الممثلة البرجوازية في لندن، ومن التمثيل في مسرحية موكلي للصغار مع المخرج شادويل إلي التمثيل مع المخرج بايك أحد المخرجين المشهورين في لندن ونجم المسرح البديل. لكن الرواية رغم محورية الشخصيات فيها من الابن كريم إلي الأب الذي يسمّيه الله إلي الأم الإنكليزية التي تُصاب بالكآبة بعدما ذهب زوجها مع إيفا إلي تشارلي الفتي الصاخب الذي يؤسس فرقة غنائية ويصبح نجماً معبوداً في نيويورك، إلا أنها تتسع لشخصيات أخري لا تقلُّ محورية عن تلك السابقة أمثال جميلة صديقة كريم الباكستانية وابنة أنور وجيتا اللذين يديران دكاناً إلي شانغيز ذي اليد المشلولة والذي يُؤتي به من بومباي ليتزوج جميلة رغماً عنها فيعيش معها طوال حياته من غير أن تسمح له بالنوم معها إلي شينكو العاهرة التي يتردد عليها شانغيز وتصبح لاحقاً صديقة جميلة إلي المخرج بايك الذي يجرّب طوال الوقت حالات جنسية هو وزوجته، إذ تنام الزوجة مع كريم بينما ينام بايك مع إليانور الممثلة في إحدي مسرحياته وحبيبة كريم إلي الخالة المزعجة جين وزوجها الطيب تيد إلي تيري الممثل اليساري الحاقد علي البرجوازيين والأرستقراطيين إلي هيتر المشرّد وحارس إليانور الذي تشفق عليه فيبادلها الحب. إذاً، تتعدد شخصيات الرواية بين باكستانيين وبريطانيين، بين أثرياء وفقراء، بين مثقفين وجهلة، بين فنانين وحرفيين، بين يمينيين ويساريين، بين محافظين ومتهتكين، بين بيض وسود، بين إنسانيين ومتطرفين وعنصريين وغيرهم، تعدداً يمنح الرواية بناء بوليفونياً. لكن هذا التعدد يقدّم خصوصاً صورة بانورامية عن البريطانيين والمهاجرين في بريطانيا في فترة كان البلد فيها يشهد ثورات اجتماعية وسياسية وتغيّرات قاسية وانفتاحاً علي تيارات واسعة في الفن والأدب وسبل الحياة أيضاً. يرصد قريشي في روايته هذه الكثير من القيم والأخلاق، ينقل الذائقة المتغيرة، يسلط الضوء علي أفكار وطموحات وممارسات سياسية. إنه يقدّم من خلال عائلته ومحيطها، من خلاله كفرد مضطرب وحائر ومن خلال علاقاته، يقدّم عملاً تتراكم فيه طبقات الكتابة فاتحاً هذه الحلقات الضيقة علي مجتمع واسع متنوع وغني.

يبدو عنوان الرواية مدخلاً كذلك لدخولها ومن ثم قراءتها. إنه عنوان يشير إلي ثقافة الأب الموؤودة (بوذا) وإلي مكان يتم تصنيفه طبقياً في مرتبة دنيا (الضواحي). والثقافة والمكان هنا ليسا إلا إشارة إلي المهاجرين. وعليه، يسعي كريم طوال الرواية إلي الخروج من هذه الثقافة ومن هذا المكان كأمرين متلازمين. ويستغرق الأمر طويلاً لهذه الخطوة، أو لتأكيد هذا الخروج علي الأقل. والحال، يمكن القول إن خروج الأب من باكستان إلي بريطانيا استغرق وقتاً أقل من خروج الابن من ساوث لندن حيث تعيش العائلة إلي مدينة لندن. زحف بطيء لن يعني في نهاية الأمر سوي نيل باسبور جديد يعلن فيه الابن تخلصه من أبيه ومن المكان الذي يدلل علي هذا الأب. لكن هذا الخروج سيتبعه خروج آخر إلي نيويورك في سفرة لعرض المسرحية التي مثل فيها مع المخرج بايك، حيث سيلتقي هناك مجدداً تشارلي ابن عشيقة والده بعدما بات نجماً في عالم الغناء يتهافت عليه المراهقون والفتيات ووسائل الإعلان والإعلام وشركات الإنتاج. كأن هذا الخروج المتواصل ليس سوي سِفْر أولئك الموسومين بلعنة الأصل والمنبت. خروج أشبه بالهروب المتواصل الذي لا يعني في النهاية إلا إثبات الذات في مكان آخر بدل التصالح معها.

إذا استثنينا مسألة التشابه الثقافي الذي يصدر عنه حنيف قريشي مع كتّاب العالم الثالث المولودين في بريطانيا والناقمين علي أصولهم كما عند رشدي ونايبول كما سبق، وهو تشابه لا يحيل علي تقليد أدبي عند المهاجرين بقدر ما يحيل علي التشابه في ظروف التجربة الحياتية نفسها، إذا استثنينا ذلك، فإن تشابهاً آخر يضع رواية بوذا الضواحي ضمن هذا النوع الاجتماعي من الروايات الذي بات أشبه بظاهرة كتابية اليوم ولا سيما عند كتّاب في العالم الثالث تثقل علي كتابتهم الظروف السياسية والاجتماعية. إننا أمام أدب يعيد إنتاج الواقع كما هو، يعيد تصوير الحياة التي نعيشها بشيء من التقرير كما في البرامج التلفزيونية التي راجت أخيراً تحت تسمية تلفزيون الواقع ( الأخ الأكبر علي سبيل المثال). هو أدب يشكل نوعاً من واقعية جديدة يقلُّ فيها المتخيل والتأمل علي حساب التأريخ والتوثيق والرصد اليومي لحياة الناس. صحيح أن رواية بوذا الضواحي تفترق عن مثل هذه الروايات في كونها رواية أكثر بانورامية وتوحي العديدَ من الملاحظات الذكية والإشارات المفتوحة، لكنها في النهاية تقع تحت ثقل موضوعها المباشر غير القابل للتأويل، المرتهن إلي زمان محدد وبيئة محددة وظروف خاصة. وهي في النهاية رواية موجهة إلي قارئ إنكليزي خصوصاً وقارئ غربي عموماً. وهذا قد يشير إلي أزمة تواجه الرواية اليوم بعدما استنفدت اتجاهاتها وتجاربها وتجريبيتها أيضاً. وربما يؤشر ذلك إلي وقوع الرواية تحت ثقافة الاستهلاك بتحوّلها إلي منتج وسلعة. لكن في النهاية، من يكتب الأدب: الأفراد أم المجتمع؟ هذا هو السؤال الجدلي المحيّر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية