من اللائق أن اعتذر للكاتب الأمريكي الكبير ارنست ميلر همنغواي وأنا استعير عنوان كتابه، انه أهم الروائيين وكتاب القصة في القرن العشرين، صاحب رائعة (وداعا للسلاح) ولمن تقرع الأجراس، ثم تشرق الشمس، والحاصل علي جائزة نوبل للآداب عن العجوز والبحر. هو صاحب النظرة السوداوية للعالم، الذي شارك في الحرب العالمية الأولي والثانية علي ظهر سفينة حربية مهمتها إغراق الغواصات الألمانية، الحاصل علي ارفع الأوسمة تقديرا لشجاعته، وهو الذي وضع حدا لحياته بإطلاق النار علي رأسه من بندقيته صباح يوم من أيام 1961 بالشجاعة ذاتها عندما فقدت الحياة أي معني لها.
لقد دفعتني روايته ( وداعا للسلاح) للوقوف أمام (كتائب الأقصي) وأنا أراهم يقولون وداعا للسلاح بحجج واهية، ويبحثون عن وظيفة في سلطة وهمية واهية. مع الفارق بأن رواية همنغواي تدعونا إلي تخيل كل المقاتلين الشجعان الذين ذهبوا إلي الحرب بحثا عن المجد، إلا أن ما وجدوه هو ورطة لا نهاية لها، وان فريدريك هنري بطل الرواية ليس هو زكريا الزبيدي، ولكن ربما كانا متشابهان في صحوة الدفاع عن الذات ضد الظلم والاستبداد والخزي والعار، ويجمعهما هذا التشابه في التجاهل المأساوي المتعمد لتضحياتهما وإنسانيتهما، فالحياة مليئة بالمآسي سواء كانت في زمن الحرب أو زمن السلم.
من بين كل الأخبار السيئة التي تتدفق بغزارة من الأراضي الفلسطينية المحتلة صباح مساء، كان خبر تخلي مقاتلو كتائب الأقصي عن سلاحهم استجابة لدعوة من القيادة الفلسطينية أسوأها علي الإطلاق، فقد احتل حيزا كبيرا وهاما في وسائل الاعلام، ولكنه احتل مساحة اكبر في تهشيم كبرياء المواطن الفلسطيني، واحدث شرخا عميقا في الذاكرة الفلسطينية والوجدان الوطني الفلسطيني، وطرح علامات استفهام وتعجب كبيرة علي مصيرهم ومصير قضيتهم! وأيا كانت وتكن الأسباب والمبررات والدوافع والذرائع، إلا أنها كلها تســــقط وتفقد مسوغاتها القانونية والأخلاقية والأمنية والســـــياسية أيضـــــا أمام الواقع الفلسطيني المعاش والذي يقول عكس ذلك تماما.
فقوات الاحتلال الإسرائيلية التي تجوب الأراضي الفلسطينية طولا وعرضا وتزرع الموت والرعب والدمار والمستوطنات والذل والهوان كل يوم وثانية لا تستحق سجادا احمر، ولم تأت بدعوة من الشعب الفلسطيني، ولم تصبح قوات صديقة بعد، ومن المبكر النظر اليها كذلك. وكان حريا بالسلطة أن تعلن التعبئة العامة وان تعاقب الشاب الفلسطيني الذي لا يحمل السلاح دفاعا عن أرضه وشرفه لا أن تنزع منه سلاحه!
وما الحديث عن سلاح شرعي وسلاح غير شرعي سوي إسفاف وهروب من الواجب وخروج عن منطق الأشياء والتاريخ، ومجرد فذلكة لغوية لا معني لها ولا قيمة ومعيبة أيضا، فالسلاح الشرعي هو السلاح المقاوم المدافع عن الحق المغتصب، وعن الحرية والاستقلال، سلاح كتائب الأقصي والقسام والآخرين، هكذا كان وهكذا يكون. واما السلاح الذي وصل علي طبق من فضة علي شكل هبة أمريكية أو إسرائيلية أو حتي مصرية وأردنية هو السلاح غير الشرعي، لانه سلاح مخنث محدود الصلاحيات لا يصلح إلا للزينة والبودي غارد وأشياء أخري. إن سحب السلاح من المقاومين الفلسطينيين يعني أحد أمرين، إما أن نكون انتصرنا وحصلنا علي الحرية والاستقلال وسوف نتفرغ لبناء الـــــدولة والمؤسسات كما حصل مع كل الشعوب التي انتصرت، أو أننـــــا هزمنا واستسلمنا لــــعدونا ليقرر مصيرنا، ولا سبب آخر.
إن أحد مشاكلنا مع الأصدقاء والأشقاء هي عدم تزويدنا بالسلاح، بل التآمر علي سلاحنا، فكيف يسحب سلاح المقاومة ونحن في أمس الحاجة إليه؟ ان التاريخ الوطني الفلسطيني هو هذا السلاح في ايدي الرجال، به كنا وبدونه لا نكون، ويوم كان كنا ويوم سكت سكتنا ويوم ذهب ذهبنا طالما أراضينا وكرامتنا تحت أقدام الاحتلال.
من المبكي حقا ان ندلل كفلسطينيين علي أهمية بقاء المقاومة وسلاحها بعد هذه السنين الطويلة وبعد هذا الكم الهائل من الشهداء والجرحي والأسري. صحيح أن هناك فلتانا أمنيا ويجب وضع حد له، وصحيح أن هناك اقتتالا داخليا فاضحا قد أطاح بهيبة السلاح والمقاومة معا، ولكن الأصح ان سلاح الفلتان الأمني وسلاح الاقتتال الداخلي هو سلاح العربدة والعصابات الفلتانة كالكلاب الضالة السائبة التي خرجت عن السيطرة مسعورة تبحث عن عظمة في جيفة اسمها السلطة ولا علاقة له بالمقاومة وسلاحها.
إن قتالنا ضد مغتصبنا لم يكن مجرد ورطة لا نهاية لها يا سيدي ارنست همنغواي.
محمد بن سلامةكاتب ومحلل سياسي6