دخلت عصر الخلطات السياسية فغابت المعارضة في الكنيست
في صباح ما تستيقظ، ولكنك لا تسقط عن السرير عندما تسمع بان الكنيست الحالية خرجت في اجازة. كما أنك لا تموت من الخوف، خشية ان يكون بوسع الحكومة الان أن تفعل ما تشاء دون أن تسقطها المعارضة. قلنا معارضة؟ أي معارضة؟ أكانت هناك معارضة؟
المعارضة الوحيدة التي توجد اليوم في الدولة هي بالذات خارج الكنيست، وهي تقوم علي أربعة مداميك: علي مراقب الدولة ميخا ليندنشتراوس، الذي يهدد تواصل ولاية رئيس الوزراء، علي المحاسب العام يرون زليخا، الذي علي نحو شبه المراقب يلقي بظلال ثقيلة علي الاستقامة الشخصية لرئيس الوزراء، علي وسائل الاعلام التي علي نحو يشبه كلب الامستاف لا يرخي قبضته عن رئيس الوزراء؛ وعلي المحكمة العليا التي تحت عبء الالتماسات الي محكمة العدل العليا تحافظ علي الحكم بحيث لا يفعل كل امرئ ما يشاء. حتي التغيير في 1977 كانت الكنيست مبنية مثل كل البرلمانات في اوروبا: حزب واحد حاكم وحزب كبير آخر يبني نفسه كبديل في المعارضة. العمل من تأسيس مباي هزم حيروت في صوره المختلفة جاحل و ماحل، برئاسة مناحيم بيغن، سبع مرات. وفي تلك الايام كان الحكم عدوانيا، ولكن الخلاف الايدولوجي العميق ـ مثل الصراع علي التعويضات من ألمانيا والصراع علي أرض اسرائيل الكاملة ـ هو الذي اعطي الاحترام للجدال بين حزب السلطة وحزب المعارضة الرئيسي. زعماء الدولة من جيل المؤسسين، الذين درجوا علي وصف اسرائيل بأنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط، سعوا الي صيغة الديمقراطية الكلاسيكية. حزب واحد في الحكم، والثاني في المعارضة، بالطبع شريطة أن يكون مباي دوما يمسك بدفة الحكم.
هذا لم يحصل. ولكن لشدة الاسف، منذ ثلاثين سنة، بسبب الانشقاق السياسي، كثيرة الاحزاب الصغيرة وتواصل الاخفاقات في ادائها، فان ايا من الحكومات تقريبا لم تكمل ولايتها في موعدها القانوني. الكاتب دافيد غروسمان الذي تحدث عن حكومة مخلولة، كان سيكون مصيبا أكثر لو أنه وصف الساحة السياسية كـ ديمقراطية مخلولة. اذ ان الحكومات قامت وسقطت ليس فقط علي المباديء وليس فقط علي الاخفاقات، بل لان أساس حكمها كان علي الخلطات، علي المساومات القصيرة الامد من خلال وسطاء مهزوزين، مجموعات ضغط، مستشارين استراتيجيين وما شابه. لقد ساهمت اسرائيل باختراع عالمي في قسم الخلطات عندما حظي الحزبان الخصمان الرئيسيان بالتعادل فقررا اقامة حكومة تناوب. في السنتين الأوليين شمعون بيريس رئيس وزراء وفي السنتين التاليتين اسحق شامير. وكان هذا دمجا غريبا بين حزب الحكم وحزب المعارضة، إذ أن احدهما كان مع التنازلات في المناطق والثاني مع ارض اسرائيل الكاملة. ولكن عندما حان دور بيريس ليسلم اللجام لشامير حاول سرقته من خلال خلطة مع اغودات يسرائيل، احتفل بها برفع نخب. وفقط تفصيل صغير واحد سقط عن نظر بيريس: فهو لم ينتبه الي أن احد الموقعين علي الاتفاق قام بحركة توقيع ولكنه لم يوقع. وهكذا توج بخلطة ضد نفسه اسحق شامير، خصمه الايدولوجي لسنتين اخريين. مناورة مع الايام وصفها اسحق رابين بـ المناورة النتنة.
منذ ذاك الحدث لم يرمم الحزبان الكبيران، بل بدآ ينشقان مثل الاميبا الي مخلوقات غريبة مثل شينوي و المتقاعدون، الذين ولدوا لمهمات تعزيز لمرة واحدة كمساعدين لحزبي الحكم اللذين كانا ينقصهما الاغلبية لتشكيل الحكومة. وبعد ان فقد بنيامين نتنياهو وايهود باراك الحكم، ليس واضحا لماذا هجر الرجلان زملاءهما في صالح الاعمال التجارية الخاصة بدل المبادرة الي ما كان ينقص الكنيست: ترميم المعارضة. ليس واضحا ما الذي دفع عمير بيرتس للانضمام الي الائتلاف مع كديما من مؤسسي الليكود، من مؤسسي حيروت والمنظمة العسكرية الوطنية ايتسل. وماذا قاد بيريس نحو هجر الحزب الذي كان فيه منذ قيام الدولة والانتقال الي كديما؟ فقط كي يصبح رئيسا؟
مع ليكود مقلص من 12 مقعدا، فان الانتهازية تحتفل. بيريس وحاييم رامون ضد حرب لبنان الثانية، ولكنهما يصوتان معها. كثيرون في كديما يعتقدون بان اولمرت يبقي في كرسيه علي حساب زمن مستقطع وعليه ان يستقيل في كل الاحوال. ولهذا الغرض فان السياسيين ملزمون بادخال ارجلهم في الماء الباردة للمعارضة. وذلك أيضا كي يعيدوا بناء ميزان الثواب والعقاب الرسميين وكذا كي يخلقوا وزنا مضادا للزميلة المريضة المسماة ثقافة الخلطة.
يوئيل ماركوسكاتب دائم في الصحيفة(هآرتس) 24/8/2007