د. ادريس لكريني
قدم المغرب مشروع الحكم الذاتي للصحراء؛ ويبدو ان هذه المبادرة تعكس ارادة حقيقية لاخراج القضية من مازقها وركودها الحاليين؛ وبخاصة بعد استحالة تنظيم الاستفتاء، فهي تحاول ان توفق بين طرحين متباينين: الاندماج والانفصال، وتؤكد في مضامينها علي اهمية التفاوض الجدي باتجاه حسم القضايا الخلافية؛ لبلورة حل يحظي بنوع من الواقعية والتوافق بين الطرفين.
وضمن هذا السياق، يلاحظ ان المشروع لم يتحدث بتفصيل عن محددات الحكم الذاتي؛ بقدر ما حدد توجهاته العامة، وان كان يحرص علي سيادة المغرب في الاقاليم الصحراوية؛ من خلال احتفاظ الدولة بمجموعة من الصلاحيات السيادية المرتبطة بالعلم والنشيد الوطني والعملة والاختصاصات الدستورية والدينية للملك والدفاع والعلاقات الخارجية.. ؛ فهو ينص علي مجموعة من الصلاحيات الحيوية والهامة التي ستخول للسكان؛ مع تخصيص مجموعة من الموارد المالية؛ بما سيضمن تدبيرا ديموقراطيا لشؤونهم المحلية؛ عبر مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية خاصة.. والتاكيد علي اهمية الانضباط للمقاييس الدولية المتعارف عليها في هذا الشان.
كما حاول استحضار الخصوصيات الاجتماعية والثقافية للمنطقة، ومن جهة اخري، يلاحظ ان المشروع نص علي امكانية عرض الصيغة النهائية المتفاوض بشانها منه علي استفتاء حر امام السكان؛ كشكل من اشكال تقرير المصير.
ويمكن لهذا المقترح ان يشكل مدخلا ملائما لحل عادل ومناسب كفيل باغلاق هذا الملف الذي عمر طويلا، وبخاصة وانه سيمكن السكان في الاقاليم الجنوبية من تدبير مختلف شؤونهم المحلية في اطار ديموقراطي.
ومما لا شك فيه ان مبادرة المغرب في هذا الشان تعبر عن رغبة وارادة حقيقيتين لطي هذا الملف، وبخاصة وانها اقترحت صيغة حاولت المواءمة بين مختلف المصالح؛ ولذلك فقد لقيت استحسانا كبيرا من قبل مجموعة من دول العالم؛ بما فيها القوي الدولية الكبري كالولايات المتحدة وفرنسا واسبانيا.. وهذا الاستحسان يترجم الشعور بواقعية وموضوعية هذه المبادرة؛ وبخاصة وان المجتمع الدولي اصبح اكثر اقتناعا ووعيا باهمية وضرورة حسم هذا المشكل الذي اضحي من بين اقدم النزاعات التي خلفتها مرحلة الحرب الباردة، وكلف شعوب المنطقة والمنتظم الدولي الكثير.. ؛ كما ان مجلس الامن بدوره اشاد بهذه المبادرة واعترف بجديتها؛ رغم التشويش والتعتيم اللذين حاولت الجزائر والبوليساريو اثارتهما في هذا الخصوص.
ولعل التفاعل الايجابي الدولي مع هذه الخطوة يبرز ايضا مدي التطور الحاصل في تدبير هذا الملف؛ بعد انتقاله من المجال المغلق الي ملف مفتوح – ولو بشكل محسوب – امام مختلف الفاعلين (الحكومة، المجلس الاستشاري للشؤون الصحراوية، الاحزاب السياسية، المجتمع المدني، الاعلام).. ومن زاوية اخري؛ نشير الي ان التعامل مع مبدأ تقرير المصير ينبغي ان يتسم بالمرونة والواقعية؛ ذلك ان الحكم الذاتي يمكن ان يشكل امتدادا له؛ اذا ما مورس في اطار ديموقراطي وضمن اختصاصات حيوية وهامة.. ان الانفصال هو احد المظاهر فقط لحق تقرير المصير، لان هناك سبلا اخري تجد اساسها في القانون الدولي بامكانها تحقيق اهداف وغايات هذا المبدأ؛ والحكم الذاتي يعد احد هذه المظاهر الناجعة اذا ما تمت مقاربته بشكل ديموقراطي، وتبدو موضوعية هذا الطرح في ضوء الحقائق والوقائع التي تجسدت في المنطقة علي امتداد اكثر من ثلاثين سنة.
والممارسة الدولية تحفل بتجارب نموذجية رائدة في هذا الشأن؛ سواء داخل الدول البسيطة كفرنسا واسبانيا.. او المركبة كبريطانيا والمانيا.. والتي اثبتت نجاعتها علي مستوي تدبير العديد من الصراعات الاقليمية او العرقية المزمنة. ويلاحظ ان مشروع الحكم الذاتي اشار بشكل مكثف ضمن فقراته الي التفاوض، فهو يتأسس في جزء كبير منه علي الحوار؛ حتي انه لم يشر بتفصيل مدقق الي الاختصاصات التي ستخول للسكان في هذا السياق، واعتقد ان واضعي المشروع كانوا علي وعي بهذا الامر؛ وذلك لاتاحة الفرصة في هذا الصدد لما قد يتم بلورته من مقترحات تفصيلية ستعززه؛ من خلال المفاوضات بين الطرفين. وبغض النظر عن مدي تبني مجلس الامن لهذه المبادرة ام لا، وبغض النظر عن كونها ستشكل ارضية للتفاوض ام لا، فيبقي الاساس هنا هو ان طرح المغرب لهذه المبادرة اعطي اشارات ايجابية للامم المتحدة وللقوي الدولية بجدية جهوده في ايجاد تسوية ملائمة وواقعية للمسألة.
واذا كان البعض يثير ان هناك حوالي 80 دولة منها 5 دول عربية تعترف بما يسمي الجمهورية الصحراوية التي اعلنتها البوليساريو من جانب واحد؛ كاحد التحديات امام المقترح المغربي، فان هذا الاعتراف يكتسي احيانا، من وجهة نظر القانون الدولي، قيمة رمزية فقط، ذلك انه لا ينشئ دولا طالما لم تتوافر لها الشروط والعناصر المادية والقانونية الاساسية اللازمة لذلك (السكان، الاقليم، السلطة السياسية الفعلية، الشخصية القانونية والسيادة)، انه سلوك ارادي انفرادي يعلن بموجبه شخص من اشخاص القانون الدولي او اكثر رغبته الصريحة او الضمنية في الاقرار بقيام شخص او واقع معين يمكن ان تترتب عليه آثار قانونية.
حقيقة انه والي جانب الاعتراف بالدول، هناك الاعتراف بالثوار والاعتراف بالمحاربين والاعتراف بحكومة المنفي والاعتراف بالامة.. غير ان العديد من هذه الاعترافات جاءت اما في سياق حسابات سياسية ضيقة او بحكم الترويج الجزائري لطروحات الانفصال واستثمارها لمختلف امكانياتها في هذا الاطار.
واكثر من ذلك فهي اسهمت بشكل كبير في عرقلة مختلف المبادرات السياسية التي طرحت باتجاه ايجاد حل مناسب وواقعي للقضية، او شوشت عليها في اقل الاحوال.
ومن جانب آخر؛ فتنامي هذه الاعترافات جاء ايضا نتاجا للتدبير الانفرادي والمغلق لهذا الملف خلال سنوات عديدة؛ وما تمخض عنه من انحرافات ومشاكل؛ فمعظم علاقات المغرب الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية والثقافية؛ كانت تتركز نحو دول اوروبا؛ في حين لم تحظ مختلف دول العالم بنفس الاهتمام؛ مما فتح المجال للاطراف الاخري- البوليساريو والجزائر- للترويج لطروحاتهم في هذه المناطق.
ومما لا شك فيه ان القرار 1754 الصادر عن مجلس الامن بتاريخ 30 نيسان (ابريل) 2007 الذي حاول من خلاله ارضاء جميع الاطراف؛ اشاد بالجهود التي بذلها المغرب والرامية لتسوية النزاع، وعبر عن اقتناع واضح بضرورة حسم الخلاف من خلال مفاوضات مباشرة بين الطرفين تحت اشراف الامم المتحدة، بعيدا عن اي حل مفروض.. وهذا امر ايجابي، وبهذا الشكل يمكن القول ان المبادرة اسهمت بشكل ملموس في توفير شروط نفسية واجواء ملائمة للمفاوضات.
ومما لا شك فيه ان مشاركة بعض القوي الاقليمية كاسبانيا والجزائر في هذا الصراع تكتسي اهمية بالغة. فاسبانيا هي البلد الذي كان يحتل المنطقة، اما الجزائر فهي تساند بشكل علني حركة البوليساريو وتحتضنها منذ سنوات. والحقيقة ان بلورة حل عادل ونهائي تظل في جانب مهم منها متوقفة علي ابداء القوي الاقليمية المجاورة لحسن نيتها تجاه هذه القضية؛ بعيدا عن اي تحريض او وصاية او تشويش؛ والسعي الي دعم اي حل توفيقي ودي بين الطرفين؛ واتاحة الظروف الملائمة لاجراء مفاوضات بناءة؛ كما علي البوليساريو ان تتخلص من الوصاية الجزائرية.
واعتقد ان اجراء مفاوضات مبنية علي حسن النية تستحضر مصلحة شعوب المنطقة، بالاضافة الي انخراط هذه الاطراف الاقليمية في القيام بادوار ايجابية بعيدا عن التحريض والمعاكسة والحسابات المصلحية والاستراتيجية الضيقة؛ من شانه ان يوفر الظروف الكفيلة ببلورة حل عادل ودائم للجميع. ذلك ان استمرار التوتر في هذه المنطقة الحيوية لن يكون في صالح اي طرف، فالتسوية السلمية امر تفرضه التحديات الدولية الراهنة ايضا والتي تؤكد يوما بعد يوم ان مناطق التوتر والصراع تفرز تداعيات اجتماعية وسياسية واقتصادية.. خطيرة تتجاوز الحدود.
ومن المعروف ان هذا النزاع كان قد فوت فرصا عديدة علي المنطقة المغاربية برمتها؛ فهو اثر بشكل سلبي ملحوظ في مسيرة المغرب العربي في زمن اصبح فيه التكتل امرا ملحا؛ واسهم في تنامي المشاكل بين المغرب والجزائر.. ، كما كانت كلفته الاقتصادية علي دول المنطقة ضخمة جدا. ومن هذا المنطلق فان حسمه بشكل نهائي سيكون في صالح السكان محليا عبر اتاحة الفرصة لتدبير محلي كفيل بتحقيق تنمية شاملة بالمنطقة، وبخاصة اذا ما تم تعزيزه بتطوير نظام الجهوية وطنيا؛ عبر مقاربة ديموقراطية مؤسسة علي اعتبارات اقتصادية واجتماعية اكثر منها امنية.. كما سيكون في صالح شعوب المنطقة المغاربية بفتح آفاق واسعة من التنسيق والتعاون.