ستكون في قفص الاتهام مع الاحتلال عندما يحين الأوان لذلك
نائب الرئيس، شلومو ليفين، تزحزح في مقعده بعدم ارتياح: يتوجب إنهاء ذلك. فليتفضل الشخص ويجد لنفسه دولة، قرر القاضي في حينه. هذا حدث في عام 2000، والشخص الذي أرسلته محكمة العدل العليا لايجاد دولة لنفسه كان قد مكث في السجن عامين ونصف العام من دون محاكمة. زوجته واطفاله السبعة يعيشون في بلدة بجانب جنين، وكان محظورا عليه أن يعيش معهم بسبب قرار ينص علي أن كل شخص يمكث خارج المناطق طوال ست سنوات سيُحرم من العودة اليها.
محمود عزام لم يجد دولة لنفسه. عضوة هيئة القضاء في حينه، دوريت بينيش، اقترحت عليه دولة لبنان، أما ليفين فاقترح باكستان. أعطوه نصف ساعة حتي يقرر، إلا أنه أراد العودة الي أحضان عائلته ومنزله. الشباك قال انه كان ذات مرة شريكا لاسامة بن لادن في نهجه، إلا أنه لا يمتلك أية أدلة ضده. في نهاية الاسبوع عُلم أن عزام ما زال في السجن: عشر سنوات من دون محاكمة، وهذا في اسرائيل 2007، حتي تعلم رئيسة المحكمة العليا، دوريت بينيش، وجوقة المُدافعين عنها. هذه محكمة العدل العليا التي يدافع عنها الآن أنصار القانون وحقوق الانسان في مواجهة مكيدة وزير العدل دانييل فريدمان. من المهم أن نتذكر عن ماذا وعمن ندافع، مهما كانت المعركة ضد فريدمان عادلة. من يُحذرون الآن من المس بحقوق الانسان ملزمون بأن يتذكروا أن هذا هو من أصغر الشرور: محكمة العدل العليا لم تدافع عن حقوق الضعفاء، كما يدعون الآن. كما أن الأحاديث عن النشاطية القضائية مبالغ فيها: هذه النشاطية تتوقف دائما عند الخط الاخضر. كانت لدينا سلبية قضائية كارثية في مواجهة كل ما يحدث في باحتنا الخلفية علي الجانب الآخر.
محكمة العدل العليا هي الشريك الوفيّ المخلص جدا لمشروع الاحتلال، وقد شرعت وحللت اغلبية مظالمه وجوْره. لو كانت هذه المحكمة قد قالت كلمتها في بداية الاحتلال لما وصلنا الي ما وصلنا اليه الآن. ولو كانت قد قررت فقط بأن المستوطنات تتعارض مع القانون الدولي لكان من المحتمل أن لا نقف اليوم أمام مشروع إجرامي يصل تعداده الي ربع مليون نسمة. ولو أدت المحكمة دورها وقررت بأن القانون الدولي يحظر نقل السجناء الي خارج المناطق المحتلة، أو انه يلزم الجهة الاحتلالية بالحرص علي رفاهية السكان في المنطقة الخاضعة لسيطرتها لكان الوضع في المناطق اليوم مختلفا تماما.
خلال سنوات الاحتلال، كان علي رأس المحكمة العليا ستة رؤساء، واغلبيتهم قضاة ذوو قوة وجبروت. خلال الـ 24 سنة الأخيرة والمصيرية ترأس المحكمة العليا مئير شمغار واهارون براك، اللذان أوصلا هذه الهيئة الي ذروة تأثيرها ونفوذها. ولكنهما لم يتجرآ أبدا علي وضع تحفظات قانونية هامة وذات وزن علي الاحتلال. من خلال جُبنهما ـ وليست هناك طريقة اخري لوصفهما ـ قاما بتأخير التماسات موضوعة علي طاولتهما طول سنوات، مثل الالتماس ضد التعذيب والاغتيالات. عندما سيأتي يوم الحساب مع الاحتلال سيجد قضاة العليا أنفسهم في صف المتهمين الأول. محكمة العدل العليا لم تقل كلمتها حول المشروع الاستيطاني أبدا. أولم نكن نستحق أن نعرف اذا كان هذا المشروع الذي يعتقد العالم كله أنه مناقض للقانون، قانونيا أم لا؟ ومن الذي يُفترض به أن يقرر ذلك باسمنا إن لم تكن محكمتنا العليا الموقّرة؟ ولكن محكمة العدل العليا تدخلت في صغائر الامور فقط. هي حرفت مسار الجدار الفاصل، ولكنها لم تقل أبدا كلمتها حول حقيقة وجوهر اقامة جدار في قلب منطقة محتلة. وبما انها قبلت دائما تعليلات جهاز الأمن، فقد ترددت منظمات حقوق الانسان في أكثر من مرة في التوجه اليها حتي لا يتسبب ذلك في تشريع ظلم آخر علي يد مجهر العدالة وصوت الحق. ناهيك عن أن هناك شهادات كثيرة تدل علي أن الشباك قد عاد للتعذيب، وأن الجنود قد عادوا لاستخدام اجراء الجار رغم حظر العليا لذلك. محكمة العدل ملأت فمها بالماء رغم علمها بهذه الدلائل، وصمتت صمت القبور.
يتوجب أن نذكر كل هذه الامور عندما نستجمع القوي للكفاح من اجل محكمة العدل العليا التي تسمح بسجن انسان عشرات السنين من دون محاكمة، والتي تتحمل المسؤولية التاريخية الثقيلة عن الاحتلال. محكمة العدل العليا تستحق الدفاع عنها، ولكن بصورة محدودة الضمان ـ فقط لأن البديل اسوأ بكثير.
جدعون ليفيمراسل مختص في حقوق الانسان(هآرتس) 26/8/2007