الجيش الاسرائيلي لم يعد جيش الشعب فعموده الفقري اصبح من أبناء الصهيونية الدينية

حجم الخط
0

يُعقد في احدي قواعد الجيش الاسرائيلي اجتماعا للقيادة العليا مرة كل بضعة أشهر. كل الضباط في الجيش الاسرائيلي، من رتبة عقيد فما فوق يجتمعون في قاعة واحدة، ومن موقع التقاط الصورة التي تُطل علي هذا الجمهور يمكن للمرء أن يلحظ، من سنة الي اخري، من اجتماع الي آخر، انتشار القبعات الدينية المحبوكة في القاعة. فاذا كان قبل عقد أو اثنين ينبغي البحث بالشمعة عن لابسي القبعة في حدث كهذا، فان القبعات اليوم تنير القاعة من أقصاها الي أقصاها.

السباق نحو لقب اللواء المتدين الاول في الجيش الاسرائيلي، حُسم منذ وقت بعيد لصالح يعقوب عميدرور بعد أن قرر شاؤول موفاز عدم ترفيع ايفي ايتام، ولكن في هذه الاثناء وصل كثيرون آخرون. يئير نفيه، اليعيزر شتيرن، يئير بار، غرشون هكوهين وآخرون أصبحوا قوة ذات مغزي في هيئة الاركان. وبالمناسبة، في مصلحة الأمن العام ايضا سجل مؤخرا حضور عال لمعتمري القبعات في اوساط القيادة العليا. بالوتيرة الحالية، فان عددهم سيتزايد في السنوات القادمة. ومحظور أن ننسي بأن جنرالات هيئة الاركان يصبحون بعد ذلك جنرالات في الاحتياط، مما يجعلهم في واقع الأمر احتياطيا تقليديا لمواقع القيادة في الدولة: في الساحة السياسية، الاقتصادية والاجتماعية. الجدول، كما هو معروف، لا يكذب. ففي الوردية الأخيرة وصل معدل معتمري القبعة الدينية الي نحو 40 في المائة. وإن كان هذا الرقم ليس راسخا بعد، ولكنه كافٍ لأن يُشعل اضواء تحذير ويثبت لكل من يعتقد أن الجيش الاسرائيلي لم يعد جيش الشعب، بأنه مُحق. بالمناسبة، حسب ذاك الاحصاء، في تلك الورديات، عند فحص الضابطية القتالية، يصل معدل معتمري القبعة الي نحو النصف. وبتعبير آخر: فان نصف الضباط القتاليين للجيش الاسرائيلي في الورديات الأخيرة هم أبناء الصهيونية الدينية.

ماذا يعني هذا؟ هذا يعني الكثير في صالح أبناء الصهيونية الدينية. فهم يصبحون العمود الفقري للجيش الاسرائيلي. حضورهم في الجيش أعلي بعدة أضعاف من نسبتهم بين السكان. هذا يعني أنه اذا أضفنا لهم أبناء الاستيطان العامل (الذين يواصلون التجند والتطوع للقتالي بمعدلات عالية جدا)، المهاجرين الجدد وأبناء المحيط، سنصل الي واقع يكون فيه الجيش الاسرائيلي ليس جيش الدفاع لاسرائيل، بل جيش الدفاع لاسرائيل الثانية، الثالثة والدينية. جيش الشعب؟ لم يعد. لو كان جيش الشعب، لكان ينبغي له أن يُمثل كل شرائح السكان (باستثناء الاصوليين، لشدة الأسف)، بالخروج عن نظام الـ 10 في المائة. أما هو فلا.

كيفما فحصنا الأمر، سنصل الي التعليم. واذا تجاهلنا المسألة السياسية، الاشكالية بحد ذاتها، واضح أن مؤسسات التعليم في الصهيونية الدينية تواصل نثر القيم، الصهيونية، اليهودية والكفاحية. الشباب الديني هو شباب كفاحي. احتلال التلال. وبعد ذلك احتلال الخدمة العسكرية، الضابطية. هذا بدأ بعد حرب يوم الغفران، حيث وُلد جيل يئير نفيه واليعيزر شتيرن، وتواصل باقامة التحضيري العسكري الذي يبعث بخريجيه بنسب عالية الي الضابطية (مدارس التسوية لا تساهم في هذا المجال. بل بالعكس). وهم يفعلون كل شيء برغبة، بكل الروح. وبالنسبة لهم، أبناء الكيبوتسات والقري الزراعية التعاونية يواصلون التربية علي قيم حب الوطن والاستعداد للمساهمة. بالنسبة اليهم، اسرائيل الثانية: مهاجرون جدد وأبناء المحيط ممن يرون في الجيش أداة للريادة الاجتماعية، للبرهان المطلق علي الهوية الاسرائيلية.

المشكلة هي أن بعض هذه الهوية الاسرائيلية لم تعد هناك. اسرائيل الاولي تتقلص في صالح تملص نشط، أو سلبي، في صالح ايجاد كل السبل في العالم لفرض المصاعب علي الجهاز، والنظر الي الجيش الاسرائيلي وكأنه جهة غريبة تأتي لتقييد التقدم الشخصي، التفكير المستقل، الانجازات الخاصة وباقي الطموحات الشرعية للانسان في القرن الواحد والعشرين. أجزاء من هذه الهوية الاسرائيلية لم تعد منذ زمن بعيد تتطلع الي ازدهار القفر، الي الخدمة في الجيش أو المساهمة في أي شيء للدولة. وبدلا من ذلك، فانهم يفضلون الوصول الي التلفزيون. ينظرون الي بحر واسع من أبطال الثقافة الحديثة، رموز العلامات التجارية التي يُديرها وكلاء مبيعات نشيطون. ممن يقفزون بين فتح واغلاق وحفل في المدينة الكبري وهم يجرون وراءهم جملة من المصورين الذين يُخلدونهم علي عشرات الصحف وفي البرامج التلفزيونية المختلفة.

صحيح أنه يوجد هنا تعميم فظ، واضح أنه لا يزال هناك عدد كبير من العلمانيين، المتدينيين ومجرد الاسرائيليين الذين يخدمون في الجيش الاسرائيلي، ممن يذهبون ايضا الي القتال، ويواصلون نحو الضابطية، المشكلة هي أن عددهم يقل. توجد مدارس في اسرائيل عدد المتجندين فيها يهبط بسرعة. يوجد عدد غير قليل من الفقاعات في اسرائيل يتجول فيها الكثير من الفتيان ممن يرون في الذهاب الي الجيش موضوعا زائدا ينبغي إبقاؤه للآخرين، للإمعات ممن ليست لديهم أمور هامة وأكثر إدرارا للربح يقومون به. هذا الموضوع مقلق، مثير ويحتاج الي عمل فوري. ليس اقامة مديرية خدمة وطنية، ولا حتي مواصلة الثرثرة عن تجنيد الاصوليين. حان الوقت لاعمال حقيقية وشجاعة.

بن كاسبيتمراسل سياسي في الصحيفة(معاريف) 26/8/2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية