محمد فتوح
من المؤكد أن تصريحات نائب الرئيس السوري فاروق الشرع تجاه السعودية لم تكن زلة لسان، كما لم يكن فيها ما يمكن أن تسيء وسائل الإعلام فهمه فهي واضحة لم يترك فيها المسؤول السوري الكبير أي مجال لسوء الفهم أو التحريف.
ومن الواضح أن هذه التصريحات ثم الرد السعودي غير المسبوق عليها؛ يمثل مؤشراً علي المنحي الذي تأخذه العلاقات بين دمشق والرياض في الوقت الراهن، وهو المنحي الذي بدأ بالتطور مع بدايات الأزمة اللبنانية الحالية، التي تفجرت مع اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري في شباط/ فبراير 2005، بل ربما قبيل اغتياله أي مع الأزمة التي رافقت التمديد لإميل لحود رئيساً للجمهورية اللبنانية بضغط من النظام السوري. ومؤخراً أضيف ملف آخر إلي حقيبة الأزمة السورية السعودية، هو الملف الفلسطيني المتمثل في الصراع بين فتح وحماس ثم الأحداث الأخيرة في قطاع غزة.
ورغم أن مسؤولين سوريين يشغلون مناصب أصغر في سلم السلطة في سورية (مثل وزير الخارجية وليد المعلم) حاولوا الإيحاء بأن العلاقات السورية السعودية هي في أفضل حال في محاولة منهم لنفي أي توتر، فإنه ليس هناك مجال للقول بأن هناك تفاوتاً في المواقف بين أركان النظام السوري في هذا الشأن، فكل ما في الأمر أن هناك عملية لتوزيع الأدوار بين المسؤولين السوريين مع مراعاة الجهة الإعلامية التي يجري الحديث إليها أو المنبر المستخدم. فليس من الممكن الحديث عن صقور و حمائم، ولا عن تيارين (أو تيارات) داخل النظام في هذا الصدد، بل إن من المؤكد أن هناك قراراً داخل السلطة السورية بشأن شكل التعامل مع السعوديين والخطاب الإعلامي تجاههم وتجاه غيرهم من الأطراف العربية التي تقف موقفاً معارضاً للمحور الإيراني السوري، وهذا واضح بالنظر إلي تكرار التهجم علي هذه الأطراف من جانب مسؤولين يتربعون علي قمة هرم السلطة في سورية (الأسد والشرع). إن هذا المسار في العلاقات، شبه الثابت منذ أكثر من عامين، يوفر أدلة إضافية علي سياسة المحاور التي يحاول السوريون نفيها عن أنفسهم رغم ما يقال عن كونهم أحد أطراف المحور الذي يضم إيران بشكل أساسي إلي جانب حزب الله وبعض الأطراف الفلسطينية.. هذا المحور الذي يبدو أنه دفع بأطراف عربية لاستعادة التنسيق فيما بينها في توجه فُهم منه محاولة لوقف المد الإيراني (يوصف أيضاً بالمد الشيعي) في المنطقة عبر البوابات السورية واللبنانية والعراقية وحتي الفلسطينية. ولعل وجود دمشق في هذا المحور هو الذي يدفعها باتجاه الهجوم علي السعوديين، بدليل أن الهجوم الأبرز من جانب دمشق (حينما وصف الرئيس السوري بشار الأسد زعماء عرب بأنصاف الرجال) جاء علي خلفية انتقاد السعوديين لحزب الله خلال الحرب في لبنان العام الماضي. ورغم الاستقبال البروتوكولي للأسد خلال القمة العربية في الرياض إلا أن هذا لم يعن مطلقاً أن هذا الصفحة قد طويت، لأن المشكلة لا تكمن في التصريحات والتراشق الإعلامي فحسب، بل إن الأمر يكــمن في صلب الســياسة الســورية المبنية علي أســـاس التحالف الاستراتيجي المصـــيري مع الإيرانيين علي حسـاب الخيارات الأخــري التي بينها بالطبع دول عربية.
لكن لماذا لم يتخذ النظام السوري ذات الموقف من الرياض حينما كانت تحاول إقناعه بسحب قواته من لبنان تطبيقاً للقرار الدولي رقم 1559 وتجنباً للعقوبات والضغوط الدولية التي أجبرت القوات السورية فيما بعد علي الانسحاب في نيسان/ أبريل 2005، بل إن دمشق حرصت علي نفي أي ضغوط سعودية عليها؟ السبب في ذلك خارجي بحت، وليس للشأن السوري الداخلي منه نصيب، أي أن تغير بعض الظروف الخارجية هي التي تدفع دمشق للشعور بالنشوة وتجعلها تبدو غير آبهة بعلاقاتها مع بعض الأطراف الإقليمية الرئيسية في المنطقة، رغم أن أزمة دمشق مع المجتمع الدولي لم تنته، وكل الذي جري في أحسن الأحوال هو حدوث بعض التطورات في بعض الملفات والقضايا الدولية أو تبدلات طفيفة في مراكز القرار لدي بعض الأطراف الدولية؛ لم يؤد حتي الآن إلي تخفيف الضغوط علي دمشق بل إنها علي ما يبدو تأمل بأن تستفيد منه.
فمن الواضح أن استمرار تحدي الإيرانيين القوي الدولية بشأن برنامجها النووي دفع العديد من الدول الإقليمية للتعبير عن مخاوفها من الطموحات الإيرانية المرتبطة بـ المشروع الإيراني في المنطقة، فكان رد الإيرانيين بالسعي لتعزيز وجودهم في المناطق التي تمثل مجال نفوذ تقليدي لهم في مسعي لإعادة بناء التحالفات الإقليمية وتوسيعها، وبالطبع كانت سورية إحدي هذه المناطق. لكن ما هو الثمن؟ كان علي دمشق أن تضحي بعلاقاتها مع دول عربية رئيسية ثمناً لتعزيز علاقاتها مع الإيرانيين في محاولة لتحقيق مكاسب في ملف المحكمة الدولية مع السعي لربط أزمتها مع المجتمع الدولي بمشكلة طهران النووية وبالتالي ربط الحلول للمشكلتين ببضعها، أو الأقل كوسيلة إطالة أمد لأزمتها بانتظار تغير المناخ الدولي. لكن في الأمر مغامرة غير بسيطة، فالملاحظ أن القوي الدولية الرئيسية لم تقطع علاقاتها واتصالاتها بالإيرانيين بشأن الملف النووي، كما أن الأمريكيين دخلوا في حديث ثنائي ومباشر معهم بشأن العراق. وتظهر بين الحين والآخر مساع لإبرام اتفاقات بل وحتي عقد صفقات، أي أن في الأمر مساحة للمساومات. لكن علي الجانب السوري ما زالت الأمور بعيدة جداً عن هذا المنحي، وربما يبقي السوريون في نهاية المطاف في ساحة المواجهة بمفردهم.
وفي مجال ثان، كان لما يوصف بـ انتصار حزب الله خلال الحرب الأخيرة في لبنان أثر بارز علي السياسة الخارجية السورية. فلقد استغلت دمشق الموجة العارمة من التأييد في الشارع العربي لحزب الله (بسبب إطلاقه الصواريخ علي إسرائيل) للهجوم علي الأطراف التي انتقدت الحزب علي خلفية تفرده في قرار أسر جنود إسرائيليين تبعه عدوان إسرائيلي شامل علي لبنان في صيف عام 2006. والواقع أن هذا الهجوم السوري جاء لتحقيق هدفين أساسيين: تصفية حسابات سابقة مع هذه الأطراف العربية التي تشكل المحور الآخر المواجه للمحور الإيراني السوري، ثم محاولة النظام السوري تحقيق مكاسب في الشارعين السوري والعربي عبر الإيحاء بأنه يدعم المقاومة، رغم أنه لم يعد سراً أنه من غير المسموح استخدام جبهة الجولان السوري المحتل لمقاومة مماثلة!
ثم جاءت سيطرة حركة حماس علي قطاع غزة بسرعة غير متوقعة لتمنح دمشق فرصة لإرسال رسالة تقول إن حل الملفات الثلاث الساخنة في المنطقة (لبنان والعراق وفلسطين) يجب أن يمر عبر دمشق وليس عبر أي طرف آخر. وهذا كان واضحاً حين تحدث فاروق الشرع عن عدم قدرة السعودية علي إنجاح اتفاق مكة الذي نسب المسؤول السوري الفضل فيه لنظامه وليس للسعوديين!
وفي ظل جدل الأمريكيين المتصاعد حول مشكلة قواتهم في العراق الذي يعاني من أزمة متعددة الأوجه (سياسية وأمنية وقومية واقتصادية…) ومع ما يقال عن دور السوريين في استمرار تأزم هذا الوضع، لا سيما عبر إبقاء الحدود السورية مفتوحة أمام المقاتلين العرب وأسلحتهم للعبور إلي العراق (وفق الاتهامات الأمريكية والعراقية) كان علي دمشق أن تعلن صراحة أنها جزء من الحل، لكن التعاون في هذا الحل لن يكون بلا ثمن. وهنا يبدو أن النظام السوري وجد نفسه أنه في وضع أقوي، لا سيما مع المنحي الذي يتخذه الديمقراطيون في الولايات المتحدة، ولأسباب سياسية داخلية بحتة ترتبط بالضغط علي الجمهوريين أمام الرأي العام الأمريكي مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية.. ونعني هنا حديث الديمقراطيين عن ضرورة الحوار مع دمشق لتسوية الملف العراقي. وعلي نحو مشابه، تسعي دمشق لوضع الاتصالات التي تجريها بعض الأطراف الأوروبية في سياق انهاء عزلتها وتراجع الضغوط الدولية عليها. لكن إلي أي حد يبدو هذا التفاؤل السوري واقعياً؟
الآن، وإذا تذكرنا أن دمشق ستستضيف القمة العربية القادمة (العام المقبل)، فإن تساؤلات تبرز عن مدي إمكانية نجاح هذه القمة في ظل توتر علاقات مستضيفيها مع عدد من كبار المفترض حضورهم فيها. والمشكلة أن السياسة السورية مبنية علي أن العالم أجمع مستعد للقدوم والحديث مع النظام السوري لأنه يري نفسه بمثابة مفتاح الحلول وبالتالي فإن الجميع مضطرون لمجاراته بالرغم من سلوكه تجاههم. بل علي العكس من ذلك، إذ يعتقد السوريون أنه كلما أبدوا قدرتهم علي تعكير الأجواء من حولهم أكثر، كان ذلك عاملاً مسرّعاً للتوجه نحوهم. ولعل هذا يذكرنا بما كان يجري في الفترة الأخيرة من عمر النظام العراقي السابق، حينما كان صدام حسين مستعداً لتوجيه سهامه تجاه أي طرف في المنطقة، مثلما كان يحدث في الاجتماعات العربية، معتمداً علي تعاطف الشارع العربي الذي ينحاز تلقائياً إلي كل من يرفع شعارات مناوئة للأمريكيين والإسرائيليين بغض النظر علي صدقيتها! لكننا نتساءل مرة أخري: إلي أي مدي يمكن أن يكون هذا السلوك مفيداً وعملياً بالنسبة للسوريين في هذه المرحلة؟8