مهرجان المحبة في اللاذقية: تراجع في التمويل.. وفي مستوي المشاركات

حجم الخط
0

دمشق ـ “القدس العربي” من أنور بدر: في المؤتمر الذي سبق إطلاق فعاليات مهرجان المحبة في دورته الثامنة عشرة تحدث الجميع عن نقلة نوعية في سوية المهرجان. وبشكل خاص أنّ التحضير له بدأ منذ عام (2006) إذ ألغي في ذلك العام بتأثير الحرب الإسرائيلية علي لبنان، لكن علي ما يبدو فإنّ حسابات اللجنة المنظمة لم تنسجم مع حسابات بيدر النتائج. السيد مناف فلاح مدير عام المؤسسة العربية للإعلان ـ الجهة الراعية للمهرجان ـ تحدث عن المشاحنات التي حصلت بين اللجنة العُليا وبين إدارة المهرجان. لكنه عزا تدني سوية هذه الدورة لإحجام الفعاليات الاقتصادية في مدينة اللاذقية، والتي بلغت حصيلة مشاركاتها بالتمويل صفراً. مع تأكيده علي وجود فعاليات اقتصادية هامة في هذه المدينة. تتجلي أهميّة هذا الموضوع علي ضوء القرار الذي أحال تبعية هذا المهرجان وسواه إلي المحافظات المعنية به، فأضاف أنّ المؤسسة العربية للإعلان لا يُمكنها رصد أي ميزانية للنشاطات الثقافية بدون تمويل ذاتي ورعاية، وهذا يُشكل توجهاً رسمياً وحكومياً بآن ٍ معاً، وهذا المهرجان تمّ تغطيته من خلال الرعاية الإعلانية لبعض الجهات في دمشق وحلب فقط. مع ذلك يؤكد السيد فلاح أنّ ذلك لم يؤثر علي سوية المهرجان، وأنّه يُعتبر خطوة جيدة يُمكن البناء عليها مُستقبلاً. السيد اسكندر ميّا مدير المهرجان بعدما تحدث عن الفروقات بين إمكانيات وزارة الثقافة في رعاية المهرجان سابقاً والهدر الذي كان يحصل وبين إمكانيات القطاع الخاص دون أن يؤثر ذلك علي سوية النشاطات قيد أنملة. لكنه يؤكد في سياق آخر أنّ المحافظة تتحمل مسؤولية عدم تقديم الدعم المادي الكافي من قبل الفعاليات الاقتصادية، مما أساء للمهرجان، وكذلك المؤسسة العربية للإعلان لم تؤمن التغطية المادية الكافية لنشاطات المهرجان. وبعيداً عن توزيع مسؤولية التقصير وغياب الدعم أو الرعاية المادية، يتفق السيدان فلاح وميّا علي أنّ المهرجان حافظ علي سوية نشاطاته، مع أنهما لا يبخلان بتسريب ملاحظة هنا وأخري هناك، لكن متابعي تلك الأنشطة يؤكدون مع المثل الشعبي أنّ المياه تكذب الغطاس والنتائج لا تتحقق بالرغبات فقط.

يقول مسؤول النشاطات الرياضية بسام زاوند: أنّ تلك النشاطات كانت تشكل الفعاليات الأساسية لمهرجان المحبة، لكن في هذه الدورة غابت مُسابقات الفروسية وهي الفعالية الأساسية منذ دورته الأولي، وهو يُبرّر هذا الغياب بسبب وجود دورة خاصة باتحاد الفروسية، مع أننا لو عملنا بهذا المنطق لغابت كل النشاطات الفنية والثقافية لوجود مثيلات لها مركزية أو في مهرجانات أخري، فنحن نعلم أنّ كل المهرجانات مثلاً تقيم معرضاً موازياً للكتاب أو للفن التشكيلي، مع علمهم بوجود معرض كتاب مركزي ومعارض مركزية للفن التشكيلي. ومن نفس المنطلق لا يبدو مُقنعاً غياب بطولة كرة القدم لعلة وجود دورة تشرين الرياضية. أمّا في حقل الثقافة فقد بدا الأمر أكثر إشكالية. إذ أنّ وجود نشاطات ثقافية مُكثفة خلال أيام المهرجان لم يحجب سويتها المتدنية ـ مع وجود استثناءات قليلة ـ والظاهرة الأهم كانت في الاعتذارات الكثيفة والتي لم يُعلن عنها إلا في اللحظة الأخيرة، وتكرار باقي الأسماء المشاركة. مع غياب بينالي الفن التشكيلي والذي شكل ظاهرة عربية سنوية، استعيض عنها بمعرض اقتصر علي بعض الفنانين المحليين ـ علي أهميتهم ـ بما انعكس علي مستوي المهرجان. وقد اعتبر السيد فريد رسلان رئيس نقابة الفنانين التشكيليين في المحافظة أنّ المعرض والمهرجان فقد عالميته منذ أن أصبح محلياً يُنظم من قبل المحافظة. كذلك معرض الجمعية السورية للمعوقين جاء رمزياً بالقياس للمعارض السابقة حيث شارك فنان أو اثنان من كل محافظة. ولم تكن هذه المشاركات نوعية أو منظمة بما يليق بمهرجان عمره (18) دورة حتي الآن. أمّا أن تقتصر العروض المسرحية علي همام حوت، فهذا برأي أغلب مثقفي المحافظة هدر لكرامة المهرجان وكرامة المسرح بآن ٍ معاً. معرض الكتاب لا يُمكن تفسير وضعه علي ضوء غياب الرعاية المادية أو ضعفها فقط. فقد تمّ نقله من المدينة الرياضية بحجة البعد عن مركز المدينة إلي فسحة موازية لمديرية الثقافة في اللاذقية، بحيث يسهل الوصول إليه. لكنّ هذه الساحة كانت بالأساس مكاناً للباعة الجوالين، وباعة البالة، والذين حافظوا علي وجودهم علي أطراف معرض الكتاب، مما حوله إلي ما يُشبه السوق الشعبي، مع ذلك يستغرب الناشرون وجود بدلات إيجار علي بسطاتهم من الكتب، فيما لا يوجد أي بدلات إيجار علي باقي الباعة الجوالين! وقد اقتصرت المشاركة في هذا المعرض علي مطبوعات وزارة الثقافة، اتحاد الكتاب العرب، مكتبة عمر الخيّام، دار الربيع للأطفال، مكتبة الإمام جعفر الصادق، دار الحوار، دار الصاري، دار التيسير، مكتبة جامعة تشرين. يُذكر أنّ اتحاد الكتاب العرب أجري حسومات علي مطبوعاته ما قبل عام (2002) حيث بيع كتاب الأطفال بمبلغ (25) ل.

س فقط، والكتاب العادي بمبلغ (50) ل.

س فقط. فيما وصل الحسم علي مطبوعاته ما بعد ذلك التاريخ بنسبة 50%. وقد كان الاقبال ملحوظا علي كتب الأطفال من إصدارات دار الربيع واتحاد الكتاب العرب وسلاسل النقد والرواية المترجمة من إصدار وزارة الثقافة فيما شككت اغلب الدور المشاركة بإمكانية استرجاع بدل الإيجار والنفقات التي تكبدتها جراء المشاركة، والبعض اعتبر توقيت المهرجان بالتزامن مع معرض الكتاب الدولي في دمشق قد أساء لهذه التظاهرة. الندوات والأماسي الأدبية لم تسلم بدورها من المنحي الهابط للمهرجان، ولعلّ عدم وجود برنامج واضح، وتكرار أسماء عربية ومحلية، وغياب عدد من المدعوين، وسيطرة نمط من الأيديولوجيا السياسية في فضاء هذا المهرجان وحتي في الدعوة للمشاركة فيه، جعل سوية هذه الفعاليات تتردي. كذلك لم يقتصر سوء التنظيم علي مُجرّد هذه النقاط، بل تعداه لتحويل الأمسيات الشعرية إلي ظهريات تتم في الساعة الثانية عشرة ظهراً، مع كثافة في النشاطات المسائية ما بين ندوة وأمسية في الساعتين السابعة والثامنة والنصف مساءً. كل ذلك أثر كثيراً في سوية الحضور أيضاً، والتي اقتصرت في بعض الحالات علي الإعلاميين ومن حضر من اللجنة المنظمة للمهرجان. حتي أنّ الندوات الثقافية لم يتجاوز حضور أهمها (300) شخص، فيما حضر عشرة آلاف لندوة كان من المقرر أن يُشارك فيها جواد نصر الله من لبنان لكنه تغيّب في اللحظة الأخيرة لأسباب لم يُعلن عنها. ومن هذه الاستثناءات الحفل الذي خصص للشاعر المصري أحمد فؤاد نجم، حيث غصّت القاعة بالحضور، مع أنّ ذلك لم يخرج عن المناخات الأيديولوجية، بل جاء تدعيماً لها. فيما نجد شاعرا كمحمد صخرة من الأردن، وفاديا غيبور من سورية هربا من تلك الأجواء باتجاه الصوفية عند الأول والوجدانية عند الثانية. حول سيطرة الهم القومي علّق الناقد الدكتور نضال الصالح بأنّ المواضيع العظيمة لا تكفي لصنع شاعر عظيم، لقد استمعنا إلي مجموعة من النصوص الشعرية التي يُمكن وصفها بشرف الموضوع ونبالته وعظمته، لكنها لم تستطع أن ترتقي إلي مرتبة الشعر. الدكتورة تمام تلاوي أضافت: القصائد التي سمعناها جميعاً كانت من النمط الكلاسيكي متوسط المستوي، الصور والتعابير مكررة وخالية من عنصر الدهشة، كنت أتمني من اللجنة المنظمة أن تقوم بدعوة أسماء شعرية أعلي مستوي. مع أنّ اللجنة المنظمة منحت ألقاباً كبيرة في الإعلان عن أسماء بعض الشعراء، ولم تكتف ِ بمنح درع المهرجان للشاعر احمد فؤاد نجم، بل منحته أيضاً للشاعر العراقي عبد الرزاق عبد الواحد الذي قرأ شعراً كلاسيكياً وبلغة خطابية! الشاعر زهير غانم أكدّ أنه ثمّة أسماء في ظهريات الشعر لا علاقة لها بالشعر، بعض القصائد سجع وجناس، وبعضهم يخطب في السياسة والاقتصاد. فيما ألقي بعض المشاركين قصائد نثرية وخواطر شعرية لم تلق آذاناً صاغية لها في هذا المهرجان. الطامة الكبري كانت في بعض الندوات الدينية والسياسية التي حملت عناوين هامة، لكنّ أغلب الأسماء المنتدبة لم تستطع تجسير العلاقة مع المتلقي الذي تلاشي في أغلب هذه المحاضرات أو الندوات، كما حدث في ندوة الشباب العربي وتحديات العصر ـ التي شارك فيها السيد عبد الله أو هيف مُستشار وزير الثقافة والمحامية فيروز صقر ـ أما الندوة التي جمعت د. حسين جمعة رئيس اتحاد الكتاب، مع الكاتب اسكندر لوقا عن المواطنة وتجلياتها. فلم تستطع أن تستقطب أي مُستمع من أعضاء الاتحاد حتي أن رئيسه حسين جمعة علق بأن مزمار الحي لا يطرب. وفي ندوة قرارات الأمم المتحدة، غاب الدكتور جاسم زكريا عن محاوره الدكتور عبد الله الأشعل، واستعيض عن الغائب بالدكتور علي العظيم رئيس تحرير الجولان فاختلط الحديث عن قرارات الأمم المتحدة بالحديث عن الإعلام المقاوم. المسألة الأخيرة في هذا المهرجان كانت الحفلات الفنية التي غالباً ما تستقطب جمهور الشباب في أمسيات الساحل السوري، لكنّ غياب الأسماء الهامة من المطربين والمطربات المحلية والعربية، عدا غلاء أسعار بطاقة الدخول والتي وصلت إلي (1000) ل.

س مع أنّ الحفل يتم في ملعب رياضي وليس في مطعم خمس نجوم، علماً أنّ الحفلات الغنائية سابقاً كانت شبه مجانية، ولكن ضعف التمويل حال دون ذلك، فحضر في اليوم الأول (300) شخص فقط، وفي اليوم الثاني ألغي الحفل بسبب غياب الفنان فارس كرم، وقد وعد اسكندر ميّا مدير المهرجان بملاحقة المتعهد الفني للحفلات الغنائية قانونياً. فهل نقول بعد ذلك أنّ المهرجان بألف خير! ونكتفي بإلقاء المسؤولية علي متعهد الحفلات الغنائية، أو علي الفعاليات الاقتصادية التي لم تشارك في التمويل والرعاية، أم أنّ المهرجان كان يجب أن يبحث مسألة الرعاية قبل إطلاق فعالياته؟! وهل تُغني كثرة النشاطات في الثقافة والسياسة عن نوعية ما نقدمه لجمهور المهرجان، وسوية المشاركات فيه؟ أسئلة سوف تبقي بانتظار الدورة القادمة من مهرجان المحبة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية