ادريس البصري يتوفي بباريس آخذا معه اسرارا تشكل جزءا من تاريخ المغرب الحديث

حجم الخط
0

الرباط ـ “القدس العربي” ـ من محمود معروف: غيب الموت صباح امس الاثنين في احدي مستشفيات العاصمة الفرنسية باريس عن عمر يناهز 69 عاما وزير الداخلية المغربي الاسبق ادريس البصري الحاكم الفعلي للمغرب خلال العقد الاخير من القرن الماضي في وقت ينتعش فيه اسمه في ذاكرة المغاربة وهم علي ابواب استحقاق دستوري ( انتخابات تشريعية) كان البصري مهندس اول انتخابات تشريعية عرفتها البلاد في المسلسل الذي بدأ 1977. رسميا بدأ وزير الداخلية المغربي السابق، الذي ولد بمدينة سطات يوم 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 1938 ، مشواره المهني بالعمل ضمن سلك الشرطة، كعميد ممتاز بالامن الاقليمي بالرباط، قبل أن يلتحق بوزارة الداخلية، كمدير للشؤون العامة ورجال السلطة. وعين علي رأس الادارة العامة لمراقبة التراب الوطني (المخابرات الداخلية) في 13 كانون الثاني/يناير سنة 1973 ، ثم عين في 26 نيسان (أبريل) 1974 كاتبا للدولة في الداخلية وهو المنصب الذي ظل يشغله الي غاية اذار/مارس 1979 حيث عين وزيرا للداخلية.

وابتداء من 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1985 جمع البصري بين هذا المنصب ومنصب وزير الاعلام. وقد احتفظ ابتداء من سنة 1992 بهذين المنصبين، مع صفة وزير دولة، في الحكومتين المتعاقبتين لمحمد كريم العمراني الي غاية سنة 1994. وفي 27 شباط/فبراير 1995 عين وزيرا للدولة (نائب الوزير الاول) وزيرا للداخلية، في حكومة عبد اللطيف الفلالي حيث تم الفصل بين وزارة الداخلية ووزارة الاتصال، كما استمر ادريس البصري في تولي منصب وزير الداخلية في حكومة التناوب الاولي التي ترأسها الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي ابتداء من 14 اذار/مارس 1998. وفي 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1999 اعفاه الملك محمد السادس من مهامه ورشحه لوسام العرش.

وخلال مشواره المهني واصل ادريس البصري دراسته الجامعية وحصل علي دكتوراة السلك الثالث في القانون سنة 1975 وعلي دكتوراة الدولة في القانون العام بجامعة العلوم الاجتماعية بغرونوبل سنة 1987. وصدر للبصري، الذي بقي خلال تولي مسؤولياته الحكومية استاذا مساعدا في كلية الحقوق، عدد من المؤلفات في مجال الادارة الترابية منها رجل السلطة و الادارة الترابية بالمغرب: النظام والتنمية و الادارة الترابية: التجربة المغربية و النزاعات الادارية في البلدان المغاربية و اللامركزية في المغرب: من الجماعة الي الجهة.

الا ان السيرة الذاتية لادريس البصري تثير جدلا واسعا للنفوذ الذي استطاع ان يتمتع به في عهد الملك الحسن الثاني ويصبح من خلال ثقة واسعة منحه اياها الملك الراحل اهلته ليكون الحكم الفعلي للبلاد منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي بعد ان غيب القدر منافسه الجنرال احمد الدليمي واضعفت الشيخوخة نفوذ الثعلب السياسي احمد رضا اكديرة. الراحل ادريس البصري ابن حارس سجن الذي وصف علي امتداد مشواره بـ الصدر الأعظم بفعل آليات صنع القرار في عهد الملك الحسن الثاني، ونعت بــ المناضل المخزني والشرطي الأول في المملكة العالم بالشاذة والفادة وبما يجري ويدور من طنجة الي الكويرة واستطاع بدهائه السياسي ومكره البدوي أن يؤسس شبكة واسعة ومتداخلة من العلاقات مزجت بين الجانب الأمني والسياسي ويقول عن نفسه أنا رجل سياسة ولم أزاول شيئا آخر غير السياسة، والرجل السياسي يظل مفتوح علي جميع المجالات، وعلي الخصوص المجال السياسي.

ويضيف أنا أستاذ، أستاذ كبير. بطل زمانه وعملاق عصره. أنا رجل دولة ومكانتي في المغرب ناتجة عن اخلاصي وتفاني وتشبثي بالعرش العلوي والجالس عليه واستقامتي تجعل مني في مرتبة مارشال. لست دجالا كالآخرين، أنا دكتور في القانون، وفيلسوف ومنظر الملكية المغربية الحديثة. كنت دائما أول أقراني علي امتداد مشواري الدراسي بدءا من قسم التحضيري. أنا رجل قضيت حياتي في خدمة المؤسسة الملكية، رجل تميز بالاستقامة والنزاهة والموضوعية وغير مرتش، رجل اخلاص ووفاء وما شابه ذلك من المواصفات النبيلة النزاهة والاخلاص هما أساس سلوكي، مستقيم وذو روح زكية وقبيلتي هي الشاوية وما أدراك ما الشاوية.

واذا كانت الصدف لعبت دورا في صعود ادريس البصري الي قمة الهرم المسموح به لمواطن مغربي الوصول اليه فان ذكاء الرجل واتقانه لعبة المخزن وحجر طموحاته في الحد الذي يسمح به المخزن كان له الدور الاساسي في الوصول الي ما وصل اليه واتخذ من الاخلاص والوفاء للملك شعارا والتفاني في عمله ليربط ليله بنهاره سبيلا وتفكيك منافسيه بكل الاساليب والسبل شغله الدائم ليبقي وحده في الميدان ملازما للحسن الثاني وخادمه الوفيء وبالتالي المخول له السلطات الملكية في كل الميادين، طبعا ما عدا دار المخزن او القصر أي كل مال يتعلق بعائلة الملك، وان كان قد مد رجله احيانا الي درجة كان يمكن لمغرب ما بعد الحسن الثاني ان يأخذ مسارا اخرا.

كانت شخصية سيدي محمد ولي العهد (الملك فيما بعد) تتناقض كلية مع شخصية ادريس البصري، فـ اسميت سيدي كما كان يطلق عليه قبل ان يصبح ملكا هادئة وممزوجة بالعاطفة والسماحة وحب الحياة وهو ما ولد في داخله احتقارا او اشمئزازا من ادريس البصري ونهجه في تدبير امور المملكة وهو ما ادركه البصري وحاول بمكره وباساليب متعددة ان يدخل في عقل الحسن الثاني ان سميت سيدي لا يصلح للحكم وان يعين مولاي رشيد الابن الاصغر للملك وليا للعهد وكثيرا ما تردد في العقد الاخير من حكم الحسن الثاني اشاعات عن احتمال حدوث ذلك.

والتقاليد في تربية الامراء ان يؤتي بفتيان اذكياء من عامة الشعب من مختلف جهات المملكة يعايشون ولي العهد يتربون معه ويجلسون الي جانبه في مقاعد الدراسة منذ مراحلها الاولي وبعد اكمال دراستهم الجامعية يتوزعون علي مؤسسات الدولة لتدريبهم واعدادهم ليكونوا رجال دولة الملك القادم.

ولان وزارة الداخلية هي ميدان التدريب الحقيقي لممارسة السلطة التحق العديد من زملاء دراسة ولي العهد في اسلاك الداخلية يتعلمون من ادريس البصري وايضا ليكونوا عيون سيدي محمد علي الرجل الذي لا يطمئن له.

ويتداول المغاربة الكثير من الحكايات عن تأنيبات علنية وجهها سيدي محمد لرجل المملكة القوي ويتذكرون تلك اللقطة التي ظهرت علي شاشة التلفزة في نهاية تشييع الملك الحسن الثاني الي مثواه الاخير.

ولم ينتظر ادريس البصري كثيرا فقد لاحق الملك الشاب فور توليه الحكم بسلسلة اشاعات بعضها يمس الملك شخصيا وكانت النقطة التي افاضت الكأس ما شهدته مدينة العيون كبري حواضر الصحراء من اضطرابات بعد اقل من اربعة شهور علي تولي محمد السادس العرش لتظهر التحقيقات ان للبصري دورا في هذه الاضطرابات واختار محمد السادس يوم عيد ميلاد ادريس البصري لابعاده عن الحكم والطلب منه اعتزال الشأن العام بعد منحه وسام العرش والطلب من رئيس الحكومة اقامة حفل شاي في منزله علي شرف البصري والذي تجمع ناشطو حقوق الانسان امام المنزل حاملين للشموع احتجاجا علي هذا التكريم اذانا ببدء مرحلة جديدة قاسية في حياة ابن الشاوية بعد 25 عاما من حكمه التدريجي للبلاد.

كانت اجهزة الدولة التي تتابع ادريس البصري تبلغ القصر بتحركاته واتصالاته التي كانت تتسم احيانا بالعشوائية والارباك والرغبة في التذكير الا ان انكباب رجال العهد الجديد علي قراءة ملفات وزارة الداخلية ابان حكم البصري كشفت عن الكثير من الخبايا والخروقات التي كانت تتحكم في تدبير شؤون الدولة فضيقوا الحصار عليه ولم يمانعوا او يطوقوا حملات اعلامية وحقوقية ضده حتي لو مس رذاذها الملك الحسن الثاني وبعد هدوء نسبي دعي ادريس البصري لحضور حفل الزفاف الملكي يوم 12 تموز/يوليو 2002، وفرح بالأمر، لكنه سرعان ما امتلكه الاحباط، وفي هذا الصدد قال ادريس البصري عادي جدا أن أكون من المدعوين لحفل زفاف جلالة الملك، انني اعتبر نفسي من العائلة الملكية. لكنه يضيف بمرارة واضحة المعالم: من بيتي بمدينة سطات الي مكان اقامة الحفل تبعتني 7 أو 8 من سيارات الشرطة، وخلال فترة تواجدي بحفل الزفاف شعرت أنني مراقب مراقبة لصيقة، كنت محاطا برجال الأمن من كل جانب أين ما اتجهت، لم يفارقوني قيد أنملة كما لو كنت أحد مبعوثي أسامة بن لادن. وكانت عيوننا نحن الحاضرون لحفل الزفاف تتجه الي البصري في منصة الضيوف في باحة القصر الملكي بالرباط وحركاته ووجوه الجالسين بالقرب منه وان كانوا يتبادلون معه الحديث ام الصمت وكانت العزلة عنوان وضعه في تلك الحفل وحين دعي الحاضرون الي الدخول سار البصري وحيدا الجميع يتجنبه ويتحاشاه ويبتعد عنه وادرك ان دعوته لحضور حفل الزفاف قد تكون لتذكيره بنهاية سلطته وان قرار انهاء المرحلة البصراوية في التاريخ المغربي ليس مؤقتا بل نهائيا وان العزلة هي مصيره الاخير فاعلن مرضه بالداء الخبيث وطلب العلاج في فرنسا وسهل له السفر الي باريس ليتخذها مقرا ليس للعلاج فقط علي حساب القصر بل لحربه علي رجال العهد الجديد متحصنا بالأسرار الأكثر احراجا، والتي بحوزته هي المتعلقة ببعض فترات حكم الملك الراحل الحسن الثاني وبعض القضايا المرتبطة بدول أجنبية وشخصيات وازنة منها، ويمكن تصنيفها أسرار متعلقة بشخصيات وازنة لازالت حاضرة في دوائر صناعة القرار حتي الآن وملف نزاع الصحراء الغربية الذي كان يتولي تدبيره منذ فتحه منتصف السبعينات واسرار عهد الملك الحسن الثاني ورجال حكم محمد السادس وملفات المخدرات وتهريب الأموال الي الخارج وأسرار متعلقة بالثروة الملكية.

واتخذ وزير داخلية الحسن الثاني تطورات نزاع الصحراء الغربية منطلقا لبدء الهجوم علي عهد الملك محمد السادس من خلال انتقاده لتصريحات ملكية بشأن تدبير جديد لملف النزاع واقتراحات مغربية بتسوية سلمية مع جبهة البوليزاريو تستبعد استفتاء تقرير المصير الذي تدعو له الامم المتحدة ثم صعد من النقد الي الهجوم الشخصي علي رجال العهد الجديد بعد رفض تجديد جواز سفره الدبلوماسي بالسفارة المغربية بباريس وامام المعركة الخارجية التي فتحها فتحت عليه معركة داخلية بمتابعات قضائية لرجاله وعائلته بتهم الفساد واستغلال النفوذ.

ولم يخف ادريس البصري اعتقاده بأن اعتقال شقيق زوجته عبد المغيث السليماني، رئيس المجموعة الحضرية للدار البيضاء الكبري واحد ابرز مساعديه عبد العزيز العفورة، عامل عمالة عين الشق الحي الحسيني وانطلق الحديث عن متابعة ابنه هشام بتهمة الفساد، أنه المقصود من هذه الاعتقالات والمتابعات فانتقل الي اقصي ما يمكنه الذهاب اليه في معركته وهو التحالف الاعلامي المعلن مع الجزائر والاشادة بمواقفها وتبني رؤيتها في كيفية حل النزاع الصحراوي.

امس الاثنين كان اليوم الاخير في حياة ادريس البصري لكنه بالتأكيد ليس نهاية البصراوية في المغرب، فالمسؤولون المغاربة لا يخفون ان لوبيات الفساد تسعي لاعادة المغرب الي الوراء وان هذه اللوبيات تتحكم في مفاصل مؤسسات عديدة لكن بالنسبة للرأي العام والفاعلين السياسيين فلقد تأكد ان في المغرب قوي واحد هو الملك وان أي قوي اخر ليس اكثر من منفذ لتعليمات وتوجيهات الملك ومنه يستمد قوته.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية