الإضراب في ريبنيك!

حجم الخط
0

لم أسمع بالإضراب حتى وصلت لمحطة ريبنيك.
هناك رأيت الحافلات واقفة بلا حراك. باستثناء عربة أو اثنتين تمسحان ماء المطر عن الزجاج الأمامي بواسطة المساحات الأوتوماتيكية.
و لحسن الحظ التقيت بسوزان. وهي مثلي في منحة التبادل، وتسافر يوميا من غليفيتسة إلى ريبنيك.
طبعا كنت أنا أتدرب في معمل مينسنة (تعليب لحوم) أما هي تدربت في معمل سيارات فيات.
وكانت تفترض أنني مهندس ميكانيك مثلها. أتعامل مع الحديد. مع هياكل وموديلات بلا عواطف.
ولو سألتني لأخبرتها أنني مهندس جودة.
كذلك لم نكن نسكن في نفس بيت الضيافة في غليفتسة. فهي تقيم في مركز رعابة الشباب. وهو بناء أحمر من طابقين. وكنا نسميه على سبيل الدعابة وجه العجوز.
لماذا؟
لأن هذا اللون يذكرنا بالبودرة التي تموه بها العجائز سن اليأس وعلاماته.
مسكينة غليفتسة. إنها بلدة وديعة وهادئة. وفيها أكبر عدد من الكنائس الكاثوليكية. وتلقت ضربة من هتلر أيام الاحتلال. ثم ضربة من روسيا أيام التحرير.
لذلك يخاف السكان من الغزو والمقاومة. لديهم ذكريات مريرة عن الدمار وتكلفة إعادة البناء. وهذا أول حديث تسمعه إذا فتحوا لك قلوبهم. 
لم يكن أحد من أهالي غليفتسة يحب اللون الأحمر. فهو يرتبط بالدم والنار. كل بيوتهم رمادية. وحتى تمثال الجندي المجهول من الحجر الأسود.
ولو وقفت وتأملته في يوم مشمس ستلاحظ كيف أشهر التمثال البارودة وبمقدمتها الحربة السوداء التي تلمع كأنها سيف مسنون.
*** 
أما أنا فقد كنت أسكن في الكارولنكا وهو بيت للطلبة. ويتألف من ثلاثة طوابق ومتاهة من الممرات.
وأرجو أن لا تفهم أنه يوجد للذكور مسكن وأخر للإناث. كانت جارتي يونانية واسمها سونيا. وإذا أشرقت الشمس في العطلة ولو لساعة تسرع بارتداء ثياب البحر والحصول على حمام شمسي في الحديقة.
فأمام الكارولينكا توجد مروج قصيرة وشجيرات شوكية حيث تمد سونيا بساطا رقيقا وتستلقي فوقه على ظهرها وتضع أمامها كتابا. طبعا هو كتاب بلغتها الأم. ومع ذلك حزرت أنه من الأدب الرفيع. لأن الأغلفة تحمل صور همنغواي أو كافكا وأحيانا وليام غولدنغ.
يا له من مزاج. إن سونيا مولعة بالكبار. الفطاحل فقط. 
ماذا عن الشباب والمعاصرين الذين يعيشون بيننا؟..
ماذا عن بات باركير أو كينغيسلي إيميس. أو حتى الروسي فالنتين راسبوتين .
لم أجد الفرصة لأسألها، فقد كانت محط الأنظار.
بمعنى أن المنافسة شديدة.
من يفوز بقلب هذه البنت اللعوب؟
لم أحاول أن أرهق نفسي بهذه الأفكار التافهة ..
***
وقفت مع سوزان في محطة ريبنيك وسألتها :هل لديك فكرة كيف نعود لغليفتسة؟
قالت: لنسأل ملاحظ المحطة.
تابعنا الأسهم المرسومة على الشاخصات، وكان مكتبه في ركن معزول. خلف المحطة. وللأسف رأينا هناك كل علامات الإضراب. النوافذ أسدلت الستائر المعدنية من الداخل. الأبواب محكمة الإغلاق. ولوحات الإعلانات تحمل صورا رمزية لوجه أصفر غاضب له شوارب مفتولة وقبعة طويلة كأنها قلبق عثماني. ويمد يده بإشارة تدل على معنى واحد: انطلقوا إلى الأمام..
لقد كان الجميع مشتركا بالإضراب.
وقفنا أمام هذه اللوحة المنذرة بالخطر. وسألتها بصوت يائس: ما العمل الآن؟
لم ترد. ونظرت حولها كأنها تبحث عن باب للخروج. ثم قالت بيأس: لنذهب لاستراحة المحطة. قد يوجد هناك من لديه الحل..
ونحن ندور حول مقر الملاحظ (واسمه الرسمي برج المراقبة. وتستطيع أن ترى فوقه أعمدة مرتفعة تحمل الآنتيلات وكاميرات تسجيل الحركة. ولكن العدسات اليوم كانت تنظر للشمس وللغيوم بعين مغمضة)، شاهدنا رجلا يدير لنا ظهره. وهو بثياب رسمية كأنه حارس أو ما شابه.
سألته: هل تعرف أين نجد وسيلة نقل إلى غليفتسة؟..
و أضافت سوزان بصوتها الرقيق: من فضلك. لأنه لدينا ارتباطات عمل..
لم يبدل الرجل من وقفته. ولم يرد. ودمدم بصوت غير مفهوم.
وقفنا نتأمله باستغراب. ولاحظنا أنه مشغول بعمل مستهجن. لقد كان يتبول هنا كأن دورات المياه العامة ليس لها وجود.
ابتسمت سوزان حين حلت اللغز. ثم انطلقت بضحكة مجلجلة ومفاجئة.
فنظر لنا الرجل بوجهه وهو لا يزال يطلق رشاشا من بوله على الجدار المقابل.
و لشد ما كانت ملامحه تشبه الرجل الأصفر. رجل الشوارب المفتولة الذي احتل لوحات الاعلانات.
***
ابتعدنا عنه قبل أن ندخل في سين وجيم . كان الموقف كله سخيفا.
ونحن في طريقنا لنبحث عن الاستراحة قالت لي: يا له من قليل تهذيب.
– نعم. غريب أمره. في أوروبا تعاقب الشرطة على إلقاء النفايات في الشارع فما بالك بالـ… ولم أنطق الكلمة. 
على فكرة. سوزان ليست من أوروبا. إنها مولودة في الهند، وتعيش حاليا في إيران مع أهلها لأن أباها خبير فيزياء نووية ويعمل في بوشهر. 
ردت تقول: وهل للشرطة وجود في هذه الأحداث؟!.
كنا جميعا نستعمل كلمة أحداث حتى لا نخطئ ونقول ثورة. هذا يعتبر زلة لسان وإساءة بحق مضيفينا. فهم يوفرون لنا العمل والسكن والطعام. وأحيانا رحلات ترفيهية.
وهل ننسى آخر رحلة من أسبوعين لزاكوبانة. منطقة المرتفعات الخلابة على حدود بولونيا الشرقية. هناك حينما وصلنا لغابة السنديان حصل تبادل إطلاق نار في الجانب التشيكي. واضطر دليل الرحلة للنفخ بالبوق الذي يحمله. وهو إشارة طوارئ اتفقنا عليها.
كنا نفكر بمخاطر السقوط أثناء تسلق السفوح. أو الضياع بين الأشجار والتعرض لهجوم من قطيع الدببة البرية التي تفتك بالبشر لو أنها جائعة.
ولكن لم يخطر لنا مطاردة عسكري يفر من قطعته.
لم نسمع بذلك منذ سقوط جدار برلين بعد البيروسترويكا.
ولكن ها هي النتيجة؟
البيروسترويكا مكياج سطحي. لم تغير المشاعر ولا النفوس. فقط انتقل الجدار من بلد إلى آخر..
***
أمام الاستراحة رأينا الملاحظ. وعرفناه من النجمة الفضية التي يضعها على صدره.. فوق قلبه تماما. وكانت السيدارة النظامية بيده.
ويبدو أنه تعرف على سوزان.
سألها بوجه بشوش: تبحثين عن حافلة للعودة؟
قالت له: نعم، أنا وزميلي لدينا ارتباط في غليفتسة؟.
كانت سوزان من نوع الجنتلمان. لا تفكر بنفسها فقط مثل أنانيات أبناء هذا الجيل. ولذلك لم أذهب بأية رحلة إن لم تشترك بها.
نظر الملاحظ لنا معا وقال: الحافلات لن تتحرك لأيام. والسيارات الخاصة مرتفعة الكلفة. أنصحكما بالقطار. فالجيش يشرف على قطارات طوارئ.
*** 
حينما وصلنا لمحطة القطارات أخبرنا عسكري شاكي السلاح أن عربة غليفتسة بعد ثلاث ساعات. 
وكان يوجد على الرصيف قطار جاهز للانطلاق. سألته سوزان عن اتجاهه.
لم يكن يعرف. فسأل أحد السعاة الذي ينقل بعض الأمتعة بالترولي. فقال وهو يضحك: إلى كراكوف..
لم يكن هناك سبب لإغراقه بالضحك. فالجندي بلباس الميدان. ونحن كنا مثل اليهودي التائه، لا نعرف مكان خطواتنا. وما أن نقترب خطوة حتى يبدو لنا الهدف ضربا من المستحيل والخرافات.
لقد أصبحت العودة إلى غليفتسة بصعوبة الحصول على تأشيرة دخول إلى أمريكا.
***
في ذلك اليوم لم نعد أدراجنا إلى غليفتسة. وسافرنا بقطار كراكوف. وأمضينا هناك عطلة ثلاثة أيام.
وأقمنا في مسكن للطلبة. عرفناه بسهولة لأنه يرفع فوقه علم الطلبة الدولي على سارية من الحديد. وبجواره علم بولونيا بالمستطيلين الأبيض والأرجواني. 
وأهم شيء في ذلك المسكن هو النهر القريب منه. في الصباح تسمع خرير مياهه. وفي الليل لا يخلو الأمر من نقيق الضفادع.
ولكن هل تعلم أن الضفادع تضحك أحيانا.
كنا نسمعها وهي تقهقه بلا سبب مثل ذلك الساعي في محطة ريبنيك…
حزيران 2014
٭ كاتب سوري

صالح الرزوق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية