الجدل بين وزير العدل ورئيسة المحكمة العليا انحرف عن المسار الجوهري لمستوي المناكفة الشخصية

حجم الخط
0

نحن بحاجة الي اهارون باراك حتي يعيد الامور الي نصابها

كل خلاف يدور حول مسألة عليا هامة سينشأ دائما، اما الخلافات التي تكون موجهة لاغراض اخري فلن تبقي، قال الحكماء، ولكن في ظل الجلبة التي تحدث الآن في الجهاز القضائي وتنثر من حولها ضبابا كثيفا من غبار المعارك غير الصحي، تم تهميش النقاش والجدل المبدئي في خضم ذلك، ذلك الاختلاف الذي يتوجب ان يكون قائما، كما قال الحكماء، والذي تقع في مركزه التساؤلات الاساسية حول ديمقراطيتنا وجوهرها: من هو ممثل السيادة الشرعي؟ هل يمكن ان يكون لسيادة الشعب ممثلان اثنان ام ممثل واحد؟ في السنوات الاخيرة اثرت جدلا كبيرا، بل وتسببت في تهجم انصار رئيس محكمة العدل العليا في ذلك الحين اهارون باراك عليّ عندما خرجت في هجوم شعبي ضد الانقلاب الدستوري وضد الصلاحية التي اُعطيت من دون سبب للمحكمة بالغاء تشريع غير دستوري للكنيست. خوفي في ذلك الحين ـ الذي ما يزال موجودا ـ كان نابعا من تغلب المحكمة علي الكنيست ومن احباط ارادة الشعب والسيادة المتجسدة في الكنيست. الانتقادات الاساسية التي اطلقتها تجاه المحكمة العليا اغاظت الكثيرين واثارت غضبهم. تلقيت بسببها شتائم شديدة وصعبة. كان هناك من نعتوا انتقاداتي بانها تهجم منفلت وعربدة وعدوانية غير مسبوقة وفظة ووقحة، بل كان هناك من اعتبر هذه الانتقادات محاولة لاشعال نار غريبة بين السلطات المختلفة.

وهاكم العجب العُجاب، فمنذ دخول وزير العدل الحالي الي مهام منصبه مصمما وعازما علي تغيير النظم القائمة في الجهاز القضائي، مُركزا علي رئيس هذا الجهاز، تحولت الهجمات علي المحكمة العليا الي ظاهرة معروفة وشرعية، بل ومطلوبة، وتجاوزت حدود النقاش الشعبي السابق الذي كان دائرا بين السلطة القضائية ونظيراتها.

في الصراع الدائر بين دانييل فريدمان من جهة، ودوريت بينيش من جهة اخري، تم خلع القفازات. الهجمات والتحديات التي اعتُبرت قبل عدة اشهر اعتداء علي المُحرمات وخطرا علي الاستقرار الديمقراطي وزعزعة لاركان النظام القائم، تجري الآن علنا، حتي من قبل اولئك الذين عبروا عن الصدمة والذهول عندما اطلقت انا انتقاداتي في وقت سابق. انا لا انوي التدخل في الحرب الدائرة بين وزير العدل ورئيسة المحكمة العليا ـ هذه الحرب التي يدعي البعض انها تدور بسبب اجندة شخصية وليس انطلاقا من صراع فلسفي ورؤية ايديولوجية ـ ما ارغب فيه هو تركيز النظرة علي جذور المشكلة والشرارة التي اشعلت النار وتزيد من اوارها يوميا.

الامر ليس متعلقا بقضايا دستورية. الجدل الحالي يدور حول مسائل لا تتعلق بالجوهر: تعيينات، طول فترة الولاية، صلاحيات ادارية وتغيرات هيكلية. صحيح ان كل هذه الامور تُلقي بظلالها علي الجهاز القضائي كمركز للقوة، إلا ان علاقتها بالقضايا الهامة والمبدئية التي تقع امام اعين النظام هي غير مباشرة وهامشية وغير اساسية.

جدل الكنيست مع المحكمة العليا في عهد الرئيس اهارون باراك كان مريرا وعميقا، ومع ذلك جري دائما حول جوهر صلاحية المحكمة وارتباطها المباشر في قضية الحاجة لتقليص اجنحة المحكمة العليا في إشرافها ورقابتها الدستورية. رغم القطبية الشديدة التي سادت بيننا في هذه المسألة، إلا انني كنت انام الليل بصورة هادئة طالما كان علي رأس الجهاز القضائي اهارون باراك الذي يُفسر الدستور باعتباره راشدا يتحلي بالمسؤولية جلس وراء المقود ـ شخص يتحلي بالاخلاق والمصداقية والوعي اليهودي ـ الصهيوني العميق الخالي من اية شائبة ما بعد صهيونية والذي يضع اصبعه دائما علي النبض.

في ظل هذا الخلاف كان كل واحد يعترف بمكانة الآخر، ويحترم وجهة نظره. كان هذا خلافا علي مسألة هامة سامية جوهرية، ولذلك كان قائما وما زال حيا يُرزق حتي الآن.

والآن حيث خرج الجدل بين السلطات عن سكته الي خطوط اخري، نحن بحاجة الي اهارون باراك، ليس باعتباره الاخ الاكبر الذي يُستدعي للدفاع عن العائلة او كشخصية تمتلك الصلاحية لجسر الهوة والتسوية بين المواقف، وانما حتي يقود عملية المناكفة الدائرة بين السلطات ويعيدها الي القضايا الجوهرية الهامة بالفعل. نحن بحاجة اليه حتي يقوم باحياء الجدل المبدئي ويضع علي جانبيه مُحبي سلطة القانون الذين ينشدون مصلحته الحقيقية.

رؤوبين ريفلينرئيس الكنيست سابقا وعضو كنيست حالي من الليكود(هآرتس) 28/8/2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية