عبد الفتاح الحنين
وضع المغرب منذ استقلاله دساتير لتنظيم الحكم نصت مختلفها علي مبدأ التعددية السياسية وعلي تنظيم انتخابات وانشاء برلمان وحكومة. لكن ذلك لم يضمن طوال الفترة الماضية تحول المغرب الي بلد ديمقراطي. فهل تكون الانتخابات البرلمانية القادمة استمرارا للنظام السياسي القائم ام انها سوف تختلف عن سابقاتها؟ من اجل الاجابة عن هذا السؤال لابد من وضعه في اطاره العام. فعلي المستوي الدستوري، ما يزال المغرب يعمل بنظام الدستور الممنوح، وما يزال الملك يمسك باهم السلط التنفيذية والتشريعية وذلك ما يحد من صلاحيات الحكومة والبرلمان. اما علي المستوي الاقتصادي والاجتماعي، لايزال الاقتصاد المغربي ضعيفا يسيطر عليه نظام الريع الذي يحد من حرية التنافس ويعرقل الاستثمار. ونتيجة لذلك عرف المغرب بروز فئات اجتماعية راكمت ثروات ضخمة عن طريق الامتيازات، او بوسائل غير قانونية كالرشوة والاستيلاء علي الاموال العامة او الاتجار بالمخدرات بينما تعمق فقر فئات كثيرة. ولا يزال الفقر احدي اكبر المعضلات التي يعانيها المجتمع المغربي.
وعلي المستوي الثقافي، يواجه المغرب ازمة هوية تتجلي في تصادم مظاهر الثقافة الغربية بالثقافة المغربية التقليدية، وبالاضافة الي ذلك تشهد البلاد صعودا للمد الاصولي وكذا بروز التيارات القومية الامازيغية. وفيما يخص المستوي السياسي، ما يزال للملك ومعاونيه المبادرة في جل المجالات وهو ما يحد من مبادرة الحكومة والبرلمان الشيء الذي اعطي صورة مهزوزة لدي الرأي العام عن فعالية هاتين المؤسستين. وما تزال الاحزاب المغربية بمختلف الوانها عاجزة عن تأطير المغاربة سياسيا وهو ما يخلق فراغا سياسيا قد تشغله اي تيارات طارئة علي المشهد السياسي. ومن ناحية اخري، تظل قضية الصحراء احدي اهم المبررات التي تعيق انفتاحا سياسيا اكبر.
اما علي المستوي الدولي، فيتعرض المغرب لضغوطات سياسية اجنبية وخاصة من قبل الولايات المتحدة، والتي تريد ان تجعل من المغرب مختبرا سياسيا بالمنطقة وخاصة ما يتعلق بادماج الحركات الاصولية في المجال السياسي القائم دون تعريض المصالح الغربية للخطر.
في اطار هذه المعالم، ما هو الجديد الذي ستأتي به الانتخابات البرلمانية المقبلة؟ فاذا ما اخذنا بعين الاعتبار اقناع اغلبية التنظيمات السياسية بالمشاركة في هذه الانتخابات من جهة وقبول المغرب لهيئات داخلية واجنبية لمراقبة الانتخابات، يبدو انه يراد لهذه الانتخابات ان تكون استشارة شفافة، دون تدخل مباشر للادارة او استعمال واسع للاغراءات المادية وغيرها. ويمكن اعتبار ذلك اذا ما حدث تحولا ايجابيا من حيث انه سيساهم في رسم خارطة سياسية واضحة، الا ان تأثير ذلك لوحده علي الواقع السياسي لكن يكون كبيرا للاعتبارات التالية:1 ـ ان هذه الانتخابات تجري في نفس النسق الدستوري والسياسي والاجتماعي.2 ـ ان سيطرة الاحزاب الادارية علي جزء واسع من البادية المغربية ونظام اللائحة يضمن تحكما مسبقا بالنتائج. 3 ـ ان الاحزاب التي تشارك لاول مرة بالانتخابات لا تستطيع خلق المفاجأة.
وامام التنبؤات التي تفيد بان حزب العدالة والتنمية سيكون الرابح الاكبر في هذه الانتخابات، يبدو بان هناك توجها لتشكيل حكومة ائتلاف يتزعمه حزب العدالة والتنمية. واذا ما استحضرنا تجربة الاتحاد الاشتراكي في الحكومة التي ترأسها السيد عبد الرحمن اليوسفي، والتي عجز فيها هذا الحزب عن الوفاء بعهوده للناخبين، ولم يتمكن من تطبيق برنامجه الانتخابي، فانه من المرجح الا تخرج تجربة العدالة والتنمية اذا ما حصلت عن هذا الاطار وذلك بسبب الاكراهات البنيوية التي تحد من هامش المبادرة لدي اي حكومة منتخبة؛ كما ليس من المتوقع للبرلمان المقبل ان ينزاح كثيرا عن تجربة المجالس النيابية السابقة. وفي حال تحقق فرضية تشكيل العدالة والتنمية للحكومة المقبلة، فان من المنتظر ان تنقلب الاية ليعمل الاشتراكيون وحلفاؤهم علي انتقاد هذه الحكومة ومحاولة اضعافها مثلما عملت العدالة والتنمية سابقا ضد الحكومات التي شاركت فيها احزاب الكتلة. وايا تكن النتائج، فان من شأن تنظيم انتخابات شفافة ان يكون قنطرة للتحول الديمقراطي اذا ما تلته خطوات اخري مكملة من قبيل اصلاحات دستورية تمنح الحكومة والبرلمان صلاحيات اوسع وكذا سن قوانين للحد من ظواهر الامتيازات الاقتصادية والفساد الاداري، ونهج سياسة اجماعية اكثر عدلا ووقف مسلسل التكرار السياسي.
وبالمقابل فان فشل الانتخابات القادمة في خلق تغيير ملموس لن يؤدي سوي لمزيد من فقد الثقة بالمؤسسات والاحزاب القائمة ولن يكون اكثر من مراهنة علي المجهول وخصوصا في ظل التوترات السياسية التي تشهدها المنطقة العربية!9