سياسة الضغط التي تمارسها اسرائيل بموافقة سلطة رام الله تؤدي الي زيادة شعبية حماس
هناك علي ارض هذه البلاد ثلاث حكومات، وثلاثتها واثقة من أن الدول الغربية والأقطار العربية ستواصل تمويل الشحنات الغذائية لزمن غير محدود لاطعام مليون ونصف انسان في قطاع غزة. بهذه الطريقة فقط يمكن تفسير الاستمرار في اغلاق معبر كارني، معبر البضائع الوحيد لأكثر من شهرين ونصف.
بهذه الطريقة فقط يمكن توضيح سبب عدم تعامل الحكومات الثلاث ـ اسرائيل، السلطة في رام الله وحكومة حماس في غزة ـ بجدية مع الحلول التي طرحها القطاع الخاص الفلسطيني في قضية تشغيل معبر كارني من قبل أطراف خارجية.
الطعام والدواء وبعض المواد الخام يمكن ان تمر عبر طرق مُستحدثة من خلال معبري كيرم شالوم و صوفا، ولكن الجزء الأعظم من المواد الخام الضرورية لاستمرار النشاط الانتاجي في القطاع، وكل البضائع المُعدة للتسويق والتصدير لا يمكن ان تمر الا من خلال كارني. وعندما يكون هذا المعبر مغلقا يتم شل النشاط الانتاجي تماما تقريبا. في الاشهر الاولي كما يُفيد مركز التجارة الفلسطيني بال ـ تريد، لحق ضرر مباشر بالصناعات المحلية بقيمة 8 ملايين دولار في قطاع الأثاث، و15 مليونا في قطاع النسيج والملابس، و3 ملايين في قطاع الاغذية. الضرر الذي لحق بالزراعة يُقدر بـ 16 مليون دولار. في غياب المواد الخام 95 في المئة من اعمال البناء مُجمدة، أي ما قيمته 160 مليون دولار. 85 في المئة من المصانع الانتاجية أُغلقت مؤقتا، و70 ألف عامل أُقيلوا من اماكن عملهم.
الحكومات الثلاث تستخف بالمنطق السليم الذي يتجسد بسؤال صالح عياش من اتحاد أصحاب مصانع الخياطة في غزة: لماذا يتوجب علي ان أُعلن إفلاسي عندما أكون قادرا علي إعالة نفسي؟.
السيطرة القسرية بواسطة الحاق الضرر الاقتصادي ليست بالأمر الجديد. منذ بداية التسعينيات ازدادت السياسة الاسرائيلية الساعية لاضعاف الطرف الفلسطيني تطورا واتساعا فقط. هي دائما تعتمد علي الادراك بأن العالم الغربي يقوم بدعمها ويعوض عن الأضرار التي تتسبب بها.
أطراف اسرائيلية تدعي أن محمود عباس طلب إبقاء معبر كارني مغلقا. أتباعه ينفون ذلك كما هو متوقع. رجال الاعمال في غزة يُقدرون بأن الادعاء الاسرائيلي غير صحيح، ولكنهم يعتقدون بأن عباس لا يبذل الجهود ايضا لفتح معبر كارني. في كل الاحوال اسرائيل لا تنتظر الأوامر من عباس حتي تغلق المعابر أو تفتحها، فلديها اعتباراتها الخاصة التي تنخرط مع اعتبارات حكومة رام الله: في القدس وفي رام الله يعتقدون أن الضغط السياسي والاقتصادي سيؤدي الي كراهية الناس لحكومة حماس واسقاطها.
حكومة اسرائيل ايضا لا تتأثر كثيرا من الضرر المباشر الذي يلحق باسرائيليين كثيرين في القطاع الخاص بسبب اغلاق كارني. علي سبيل المثال نذكر مُنتجي الملابس الذين يعتمدون علي مصانع الخياطة الغزاوية منذ عشرات السنين. هم أصغر من أن يصغي أحد اليهم، ولكنهم يشكلون معا سلسلة هامة من المتضررين: العمال، أصحاب مصانع الخياطة، المصممين، السائقين، أصحاب محلات الأزياء الصغيرة. الصناعة الاسرائيلية تخسر في كل يوم 2.2 مليون دولار من اغلاق معبر كارني، كما يقول رئيس اتحاد أرباب الصناعة في اسرائيل، شارغا باروش. وهناك ايضا ضرر بعيد المدي علي حد قوله مثل إضعاف احتمالات الشراكة الاقتصادية الناجحة مع مقاولين فرعيين في غزة والسوق الموجودة في غزة للبضائع الاسرائيلية. ولكن كل ذلك، وكل عشرات آلاف الاسرائيليين المتضررين هم مال صغير بالمقارنة مع الهدف السياسي الأكبر المتمثل باخضاع حماس.
عند حماس يعرفون كيف يُصلون في المساجد، ولكنهم لا يدركون ماذا يعني الاقتصاد، كما يقول أحد أصحاب مصانع الخياطة في وصفه للوضع. ولكن ربما من الأصح القول أن حكومة حماس علي قناعة بأن سياسة الضغط انما ستعزز مكانتها فقط في اوساط اغلبية الجمهور الفلسطيني وتُقربهم من المواقف الايديولوجية غير المساومة، ومراكز القوة الاسلامية الشمولية، ليس فقط بسبب لجان الزكاة والصدَقات الكثيرة التابعة لحماس، وانما لان التجربة تشير الي أن الناس سيوجهون أصابع الاتهام نحو طرفين آخرين: حكومة اسرائيل والحكومة الفلسطينية في رام الله التي تعتبر بصورة متزايدة تابعة لأوامر الولايات المتحدة.
عميرة هاسمراسلة للشؤون الفلسطينية(هآرتس) 29/8/2007