مطلوب حقل معرفي إسلامي جامع

حجم الخط
0

د. علي محمد فخرو

موضوع الخلافات المذهبية الإسلامية أصبح من الإتساع والتشعُّب والاستغلال السياسي التعبوي الانتهازي بحيث لا يجوز ترك مواجهته وإيجاد الحلول لتجاوزه للفقهاء وحدهم.

إن مشاهدة العشرات من المحطات التلفزيونية الفضائية الحاملة لرايات التعصب المذهبي المنغلق علي نفسه وعوالمه المتخيلة، والإستماع لعشرات محطات الراديو التي اندمجت في هذه اللعبة تارة باسم الحكومات وتارة باسم المنظمات المذهبية، وقراءة ألوف الكتب التي تصدر بزخم ضخم مريب لتنفخ في نار الكراهيات وسوء الفهم المذهبي.. إن كل ذلك يوحي بأن خطوة جريئة إصلاحية في هذا الحقل المأزوم قد أصبحت من أولوية الضرورات القصوي في حياة العرب والمسلمين.

وما عاد بالإمكان الاعتماد علي جهود فردية مشكورة تبذل بين الحين والآخر لتظل أصداؤها محصورة بين قلةً من المهتمين بهذا الأمر، ولتظل كذلك محدودة في مادتها ووسائلها بسبب محدودية قدرات أي جهد فردي. فمنذ منتصف القرن التاسع عشر والإصلاحيون الإسلاميون، من شتًي المذاهب، يحاولون طرح قراءات جديدة عصرية للنصوص الإسلامية الكبري المتمثلة أساساً في القرآن الكريم والسٌنة النبوية ويحاولون أيضاً نقد وتجاوز بعض القراءات الفقهية القديمة، لكنها جهود لم تحلُ بعض الإشكالات الإسلامية المشتركة ولا بعض إشكالات الإختلافات المذهبية في الإسلام. وما نشاهده ونسمعه الآن دليل علي فشل تلك الجهود في بناء تيار إصلاحي إسلامي جامع واسع الإنتشار والتجذُر بين جماهير المسلمين.

من هذا المنطلق يجدر التمعّن بجديُة فيما يطرحه المفكر الإيراني عبدالكريم سروش. منطلق تفكيره هو ضرورة التمييز بين الشيء والعلم به، أي بين الدين والمعرفة به. تلخيص الأمر أن الشريعة قدسية كاملة وإلهية المصدر والمنشأ، أما فهم الشريعة فلم يكن في أي عصر كاملاً أو ثابتاً أو بعيداً عن الخطأ أو مستغنياً عن المعارف البشرية، وهذا الفهم ليس قدسياً ولا إلهياً ولا أبدياً لا يمكن فهم ما تقود إليه هذه الجملة فهماً عميقاً دون قراءة كتبه وعلي الأخص كتاب القبض والبسط في الشريعة المترجم من قبل دلال عباس. لكن في هذه الجملة نقطتان بارزتان: الأولي أن الشريعة بذاتها موضوع مقدس إلهي أبدي، أما المعرفة بها وقراءتها وفهمها من قبل البشر فأمر إنساني يقود إلي بناء حقل معرفي ديني إسلامي ينطبق عليه ما ينطبق علي كل حقول المعرفة الأخري وعلي الأخص التجدد الدائم والتفاعل الدائم، بالأخذ والعطاء والاستفادة، مع الحقول المعرفية الأخري كالعلوم الطبيعية والاجتماعية والفلسفية والتاريخية، بل وعلم أصول المعرفة نفسه. أما النقطة الثانية فهي أن كون المعرفة الدينية هي نتيجة لفهم البشر للشريعة فإنها معًّرضة للانحراف والمتاجرة والاستغلال من قبل البعض لأغراض دنيوية نفعي.

في واقع الحال: هل المدارس الفقهية الإسلامية التي انطلقت منها المذهبية غير حقول معرفية فرعية دينية بسبب كونها نتيجة فهم بشري للشريعة الإسلامية الغراء؟ ثم أليست نتيجة تفاعل بين فهم بشر في حقب تاريخية بعيدة وبين علوم تلك الحقب البسيطة المحدودة التي كان باستطاعة فرد واحد أن يحيط بأكثرها دون صعوبة؟

اليوم وصل الجمود بهذه الحقول المعرفية الإسلامية إلي عدم رغبة علمائها بالتجديد ورفض الكثيرين منهم التفاعل مع علماء الحقول المعرفية الأخري. وأدُي هذا الجمود إلي صراعات غير معقولة بين هذه الفروع وإلي إنزواء المشترك فيما بينها. من هنا ألم يئن الأوان قيام مؤسسة تضمُ الفقهاء الإصلاحيين من شتي المذاهب كما تضمُ علماء من شتًي حقول المعرفة الإنسانية الأخري للقيام بهذه المهمُة الكبري: مهمة وضع أسس لقيام حقل معرفي ديني إسلامي جامع مشترك يتخطُي الخلافات بين الفروع السابقة ويطرح نفسه كخيار جديد للملايين التائهة المحتارة من المسلمين؟

العرب والمسلمون يستحقون أفضل بكثيـــر ممـــا يشاهده ويسمعه ويقرأه الإنســـان من بلادات وإنتهازية ترتكب باسم شريعة الإسلام السًمحاء المبهرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية