الروائي والناقد المغربي الدكتور محمد أنقار: معيار الصورة مرادف لطلب الحقيقة!

حجم الخط
0

أجري الحوار: محمد سعيد الريحاني

أصدرتم عدة مجاميع قصصية كـ زمن عبد الحليم 1994، و مؤنس العليل 2003، و الأخرس 2005. كيف تقيمون الإبداع القصصي القصير مغربيا وعربيا من خلال تجربتكم القصصية؟ تنتمي تجربتي القصصية إلي ما كان يعرف بجيل الستينات من القرن الماضي. يمكن القول إنها تجربة نسخت تلك التي قبلها؛ أي كتابة رواد القصص القصيرة المغربية الذين أصلوا هذا الفن السردي عن طريق التحاور مع أشكال قصصية عتيقة من بينها المقامة، والمناظرة، والمسامرات. هؤلاء الرواد الذين برزوا في عقد الخمسينات واكتسحوا الساحة الثقافية بواسطة المـــــنابر الصحافية الكثيرة، مدفوعين في ذلك بنوازع وطنية و اجتماعية و قومية. عن طريق هؤلاء تعلمنا كتابة القصة القصيرة، ثم طعمنا ما تعلمناه بالأدب المشرقي خاصة المصري، ثم بالأدب الغربي خاصة الإسباني.

لذلك عندما أطالب اليوم بتقييم واقع القصة القصيرة العربية والمغربية لا بد أن تتضمن إجابتي تلك العناصر القصصية السالفة الذكر. وعلي الرغم من أني لم أكف عن تجريب مختلف أشكال القص القصير منذ النصف الثاني من الستينات إلي يومنا هذا؛ أظل مقيدا بتلك العناصر والقيم الجمالية التي تربينا عليها. وأعترف بأني أحتفي كثيرا بالإنتاج القصصي للشبان المعاصرين وأتمعن طويلا في أساليب كتابتهم وصنعاتهم ومحاولاتهم التجريبية في المغرب وفي المشرق فأكتشف في نهاية المطاف أن مفهوم التجريب لدي يختلف عن مفهومه لديهم. وهذه مسألة طبيعية بحكم فارق السن وكذا بحكم الظروف المتباينة. أضف إلي ذلك أن جيلي استمد عناصره الجمالية من مصادر أخري بينما يستمدها الجيل الحالي من معين جمالي وفكري مخالف. صحيح أن الأجيال السابقة واللاحقة تجتمع راهنا وتتفق علي ضرورة استثمار التحولات الجديدة التي يعرفها واقعنا العربي والمغربي؛ لكن علي الرغم من ذلك لا بد من الإقرار باختلاف مفاهيم الرؤيا والبلاغة والصياغة عند كل جيل.

يتضح من كل ما سبق وجود نهجين في الكتابة القصصية العربية المعاصرة بينهما من عناصر الاختلاف أكثر مما بينهما من عناصر التوافق. ولقد علمتني السنون أن أقر بأن أنجع الطرق المفيدة لثقافتنا الأدبية تلك التي يعترف فيها كل نهج بالآخر ويحترمه ويعي ضرورة التعايش معه.

ثمة نقطة أخيرة أود أن أضيفها في هذا المضمار تتمثل في ضرورة أن ينتبه الجيل الجديد من الكتاب إلي أن من سبقهم إلي ميدان الكتابة ما زال يجرب هو الآخر، وما زال يبحث عن الشكل المناسب والأليق. بمعني آخر، التجريب ليس حكرا أبدا علي جيل دون آخر. بدأتم مشواركم الإبداعي بكتابة القصة القصيرة ثم تحولتم إلي الرواية كما فعل كتاب آخرون (محمد زفزاف، مثلا). هل يمكن اعتبار القصة القصيرة مجرد عتبة لدخول عالم الرواية أم أن الأمر لا يعدو كونه اختيار قالب أدبي أنسب لموضوع أدبي مختلف؟ كتابة القصة القصيرة عندي ليست تتمة لكتابة الرواية بل هي تجربة إبداعية مخالفة. هي اختيار قالب أدبي أنسب لموضوع أدبي مختلف كما قلت، وهي أيضا صيغة إنسانية أخري من أجل التواصل مع الواقع ومع الحياة ذاتها. ويحلو لي في هذا المضمار أن اكتشف الفرق الحقيقي بين ماهية القصة القصيرة وماهية الرواية عن طريق التأمل البلاغي للصورة السردية في كل من هذين الجنسين الأدبيين. إذ من شأن ذلك التأمل الدقيق أن يبرز للعيان وجود سببين متباينين في النظر إلي الأشياء والحياة. أضف إلي كل ذلك أن اختيار جنس أدبي دون سواه من لدن المبدع يخضع لنوازع غريزية متأصلة في الإنسان أكثر مما هي مسألة عشوائية. لذا يظل للقصة مقامها ويظل للرواية مقامها. عرفت الكتابة الإبداعية تأرجحا واضحا بين تحرير المضمون (المدارس الواقعية بأشكالها) وتحرير الشكل (المدارس الأخري). مع أي اتجاه تموقعون تجربتكم الإبداعية؟ أفترض أن النقد الأدبي لم يكشف بعد عن كل التحولات البلاغية التي قامت بها المدرسة الواقعية بمختلف توجهاتها. ولعل المتأمل في هذه النقطة يدرك مدي الظلم الذي لحق بالكتابة الواقعية عبر تاريخ الأدب. إن التنويع الواقعي الذي أود أن أتحدث عنه ليس ذاك الذي تكفل بتحرير المضمون فحسب بل حاول في نفس الآن تحرير حتي الشكل السردي ذاته. ولقد بسطت هذه الفكرة البلاغية طويلا في كتابي ظمأ الروح الذي أتمني أن يري النور قريبا. في إطار هذا المفهوم الواقعي الرحب (غير الكلاسيكي، وغير الطبيعي…)، يطيب لي أن أموقع تجربتي القصصية. في روايتكم المصري، روعة في استخدام الكاميرا وتقديم الشخوص والأمكنة… هل ثمة علاقة تربطكم بالسينما؟ علاقتي بالسينما علاقة وطيدة وقديمة، وحينما يمر يوم لا أشاهد فيه فيلما أشعر أن شيئا ينقصني. وأتمني أن تتاح لك الفرصة لتقرأ روايتي باريو مالقه التي تخضع حاليا للمسات الأخيرة لكي تكتشف مدي التأثير الكبير الذي مارسته السينما فيّ وفي جيلي. ما بين ثقافة الأذن والسمع والطاعة وثقافة العين والصورة والحقيقة، يبدو أنكم حسمتم اختياركم في تكريس جهودكم العلمية خدمة لمبدأ الحقيقة وأداتها الصورة؟ الصورة جاءت ثمرة لمشاهدات سينمائية طويلة جدا وقراءات سردية امتدت هي الأخري لمدة تقرب من خمسة عقود. لذا، كانت القيم الجمالية التي تشربتها منذ الصغر قد أسهمت بطريقة واضحة في تنبهي إلي أهمية الصورة في تشكيل الأعمال الإبداعية وكذا في الحكم عليها نقديا. إن تبني معيار الصورة هو كما قلتَ بحق مرادف لطلب الحقيقة ذاتها. وحبذا لو نظر النقاد إلي تعاملي مع الصورة من هذا المنظور، وليس باعتباره إشكالا مفروضا علي قهرا، بل هو نتاج طبيعي للظروف الثقافية والاجتماعية التي عشتها شخصيا. كيف يري الدكتور محمد أنقار المشهد النقدي الأدبي العربي عموما والمغربي خصوصا؟ هل يمكن الحديث عن نقد مؤسسي، عن مدارس نقدية عربية؟ من الواضح أن النقد الأدبي العربي والمغربي يمر راهنا بمرحلة غير عادية. فبعد انحسار أنماط النقد الايديولوجي والبنيوي والتداولي وطغيان النقد السيميولوجي انتهي الأمر بالنقد عندنا إلي ما يشبه الباب المسدود. فالناقد يقف عند عتبات النصوص ولا يكاد يتغلغل إلي أعماقها. يبدو كأنه فاقد القدرة علي ذلك. يقف عند عتبة العنوان وعتبة الغلاف وعتبة المشهد وعتبة المعني ثم لا يتجاوزها بعد ذلك إلي تشريح النص وتقييمه والتأمل في بنيته الإنسانية العميقة. هكذا يخرج قارئ النقد مثلما دخل أو أسوأ، من دون أن يهديه النقد أو يساعده علي التذوق. إنه النقد الذي يصف التراكيب ولا يتساءل عن ماهيتها، فضلا عن أنه نقد المجاملة والمداهنة. لذلك لم نعد نقرأ راهنا نقـــــدا قادرا علي الكشف عن خـــلل البناء، أو عن الأخطاء، أو حتي الاختلاف مع رؤية المؤلف. فكيف بعد هذا أن نفترض حديثا عن مدارس نقدية عربية؟

لكن علي الرغم من المأزق الذي انتهي إليه النقد العربي المعاصر أحتفظ في أعماقي ببارقة أمل مبررها القول بأن الوضع الحالي قد وصلنا إليه جراء كثافة التجــــريب في فترة زمنية غير طويلة. فبعد أن تشيعنا بحماس لمختلف أنماط النقد المستوردة من الغرب ومارسناها علي علاتها يظهر أنــــنا قد بدأنا نمل من التجريب. وتلك نتيجة طبيعية بعد الحماس والجهد غير المدروسين. وأحدس أن فترة التيه التي يعيشها نقدنا قد تفضي به لاحقا إلي تأمل ذاته واستخلاص العبر، وعدم الانجراف التام مع نقد ما بعد الحداثة. إن العودة إلي الأصول لا محالة آتية. وحينذاك يمكن الحديث عن بدايات تشكل نظريات أو تصورات نقدية عربية. تفتقر المكتبة السردية العربية إلي الأعمال المشتركة بين الأدباء المتميزين. كما يصعب، من خلال التنقيب في مشواركم الأدبي عن عمل مشترك مع مبدعين عرب.

هل يتعلق الأمر بصعوبة في التنسيق أم بصعوبة التغلب علي روح العمل الفردي في الإبداع الأدبي؟ ليس من المستبعد أن تكون ثمة أعمال سردية مشتركة بين أديبين أو أكثر. بل إن واقعنا الأدبي يوقفنا علي بعض المحاولات الناجحة التي تمت في هذا المضمار. لكني شخصيا لا أجد حماسا كبيرا لمثل هذا النمط من التأليف. والأمر كما تقول يعود إلي صعوبة التغلب علي روح العمل الفردي في الإبداع الأدبي. أما أنا فأرد المسألة إلي المزاج الشخصي لكل مبدع وطبيعته الخاصة. ثمة أدباء غيريون يستطيعون الانسجام مع أفكار وتصورات ورؤي وصيغ الآخرين ثم لا يجدون أية غضاضة في تكملتها والتنسيق معها. أما مزاجي فلا يسوغ لغيري الاحتراق مع الكلمة المناسبة التي أبحث عنها. والحق إني لا أقول ذلك بدافع من النرجسية وإنما يتعلق الأمر بخلاصة تجربة طويلة جدا مع تصحيحات أبحاث الطلبة ومحاولاتهم الأدبية. أنت تعلم جيدا أنني أمارس التعليم منذ أربعة عقود، وأن تجربة تصحيح أساليب وجمل الطلبة تجعلني أتعذب وأقاسي وجوديا. وفي أثناء التصحيح أجدني أفرض علي الطالب التعبير الفلاني باسم الصياغة السليمة، وباسم نفس الصياغة أطلب منه أن يغير الجملة الفلانية الأخري. وأحيانا أقول له إنه استعمل اللفظة الفلانية في غير محلها. لكني بدأت أقتنع في المدة الأخيرة بفكرة أنه ليس من اللازم أن نجعل الآخرين يكتبون مثلما نكتب. فالناس أحرار في مجال الكتابة. ومن الصعب جدا أن نجعلهم يتفقون علي فكرة واحدة أو جملة واحدة أو حتي لفظة واحدة. بل أكثر من ذلك أننا أصبحنا نعيش في أيامنا ظاهرة ثقافية غريبة أسميها ظاهرة الدفاع عن الخطأ. فقد غدا من الصعب أن تقنع اليوم طالبا بأن تعبيره غير سليم، أو أن الصياغة الفلانية غير صحيحة. ولي في هذا المضمار تجارب شخصية عديدة كلفـــــتني كثيرا من المعاناة. فلماذا أضـــــضر بعد هذا إلي البحث عن عذاب آخر؟ يكفيني عذاب واحد أقاسيه أثناء نحت كلماتي. كلمة أخيرة؟ لقد أشرت سابقا إلي أملي في تجدّد نقدنا واحتمال عودته إلي ذاته وهذا الأمل لا يكاد يفارقني. وفي هذا السياق أعترف بأننا نحن الشيوخ مطالبون بالبحث الدؤوب عن المواهب الشابة في شتي ميادين الإبداع. إن هؤلاء هم القادرون في المستقبل علي تحقيق ذلك الأمل وترجمته إلي واقع ملموس.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية