دفاعاً عن حجازي

حجم الخط
0

خليل النعيمي.. مع العدالة.

العدالة ليست هي حكم القاضي. القاضي لا يمثل الشعب، وإنما السلطة. القاضي كائن ذو بعد واحد هو بعد القانون الذي بين يديه، حتي ولو كان قانوناً مهترئا ًوعقيماً. وهو عندما يلقي حكمه مفتتحاً إياه: (باسم الشعب لا باسم السلطة، ولا باسم الدين)، يكذب، لكنه لا يكذب عفواً، ولا لمصلحة شخصية. إنه يكذب وضميره مرتاح، لأنه ينفّذ أوامر سيدته: السلطة التي لا ضمير لها. الشعب متعدد، والسلطة واحدة. الشعب مِلَل ونِحَل، مذاهب واتجاهات، شِيَع وأحزاب، وهو في النهاية أفراد، أفراد لا يجمع بينهم إلا القانون. ومن هنا فالقانون هو لحمة الشعب. ولكي يُحتَرم عليه أن يصدر عن مجتمع ديمقراطي وحر، كما أشار إلي ذلك أبو الانسانية الحديثة: أفلاطون. فبدون ديمقراطية مباشرة وحقيقية لا وجود لقانون جدير بالاحترام. وفي العالم العربي الذي لم يعرف، ولم يمارس، بعد، أية ديمقراطية حقيقية، يبدو التساؤل عن مصداقية القانون، وعن عدالة القضاء، أمراً متَجاوَزاً ولا معني له، مع أننا نخضع لتعسّفاته كل يوم. القضاء، حتي ولو بدا للنظرة المتسرّعة حيادياً و عادلاً، وهو ما لا يوجد في العالم العربي، اليوم، حتي في شكله البدائيّ هذا، يخلق وضعاً موازياً للواقع، وقد يتفوّق عليه بقوة السلطة. وأحياناً يُفرز حقيقته الخاصة، المزيفة، التي ستغطّي علي حقائق الحياة الأساسية الأخري. وهو قد يتمادي، كما يحدث في الديكتاتوريات العربية، عندما يصدر قضاتها المستقلون أحكامهم العادلة ضد المعارضين لها بتُهَم موثَّقة قضائياً، دون أن يكون ثمة في الواقع ما يوجبها أو يسندها، يتمادي إلي أن يُحوّل الكائن من فرد ذي مشيئة مبدِعة، إلي انسان خاضع وبليد. وهو، تماماً، ما قام حجازي بالتمرد عليه، حجازي الدونكيخوتي الذي لا يعبّر خطابه عن الهشاشة، وإنما عن المأساة. إنه يمجّد هشاشة الكائن الواعي في مواجهة حماقة العالم الذي يسخر منه، ولا يخشاه. فالتمرد علي ابتذال المحيط هو نوع من نكران الذات التي شكلها هذا المحيط نفسه. وما يضفي علي هذا الفعل أهمية خاصة هو نوع الوعي الذي تحمله الكلمات، وطاقتها الصادمة للنسق الاجتماعي الراكد، واحتفاؤها المعلن بمصير الكائن. ذلك، كله، ربما، كان وراء الضجة المُثارة حول رأي فكري عابر. لكن ذلك ليس غريباً في المجتمع العربي المرتبك. وكما قال غي ديبور في المجتمع المشهدي يتزعزع كل نظام قائم في كل مرة يحاول فيها أُناس مختلفون أن يعيشوا (أو يفكروا) بشكل آخر.

بؤس العالم العربي الذي يوحي به الحكم علي مواطن لمجرد التعبير عن رأيه، يفضح، في الحقيقة، طغيان التفاهة والقمع علي الواقع العربي الذي صار ميئوساً من إصلاحه بكل المقاييس الحالية، يسارها ويمينها. وهو، أي الحكم، يثير بشكل معلن أزمة الحياة العربية التي تدفع الكائن إلي مجابهة مع محيطه. مجابهة شقيّة بين الكائن ومنظومته الاجتماعية. وحجازي لم يفعل، في هذا المجال، إلا ما كان عليه، كمثقف ومواطن، أن يفعله. المثقف هو الضمير الاجتماعي الذي يتكلم في المستقبل، أما القاضي، وهو دائما قاضي سلطة، فهو لا يحكم إلا بالماضي.

الأول يستشرف التاريخ، ليجعل منه فضاء لإنارة الحياة. والآخر يقبض علي العقول التي تحاول أن تخرج عن صراط السلطة اللامستقيم. ونحن نعرف أن الدولة الحديثة، دولة القمع المتسلِّطة، فضاء مفتوح لتنمية السيطرة (علي رعاياها) باستمرار، كما يقول هوركهايمر.

ما يهمنا هنا هو الحكم علي الشاعر العربي الكبير أحمد عبد المعطي حجازي بتهمة الشتْم، دون الأخذ بعين الاعتبار البُعْد التاريخي لمثل هذا الفعل. وهو حكم لا حيادي ولا مبرر. حكم يُنبئ عن تخلخل المجتمع العربي المتشظي الذي صار لا يحتمل حتي زفرة المستاء من مواطنيه. ما معني أن يشتم أحدنا الآخر إنْ لم يكن ثمة سبب تاريخي لذلك؟ والسبب يكمن، دائماً، في الوضع، لا في الشخص. حجازي، المتهم التاريخي، لا يبحث لنفسه عن دور، فهو قد لعب دوره منذ زمن طويل. إنه يؤكد، أو يريد أن يؤكد، أن مهمة المثقف الأساسية هي نقد الوضع وتحقيره، لا تبريره.

العصيان المدني الذي مارسه الشاعر رافضاً تنفيذ الحكم أو الخضوع له هو فعل مقاومة، قبل كل شيء. فعل كان لا بد منه لكي يفتح عقولنا علي الكابوس ويبين لنا مدي خطورة الوضع العربي المتردي. وكما قال أحد مفكري عصر الانوار: لا يستطيع الفرد المعزول، حتي ولو أراد، أن يصلح أمة، أو أن ينقذها من الهلاك. كل ما يستطيعه هو أن يقول لها، ببساطة، إنها سائرة نحو الانهيار. وهو، تماماً، ما اراد أن يقوله الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، الذي رأيته ذات يوم يدق الأرض بقدميه مستثاراً، وهو يقول مزهواً، في معرض الكلام عن الفساد، وضرورة مقاومته وفضحه: أنا ضمير مصر.

ہ كاتب من سورية يقيم في باريس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية