أفلام الثورة: ذاكرة مسجونة وأرشيف مسروق!
القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من كمال القاضي:
كان آخر ما طرح من قضايا، تلك القضية الحيوية المتصلة بسرقة أرشيف السينما المصرية الذي ذهب كله الي القنوات الفضائية عبر وسطاء السوء وتجار التاريخ والآثار الذين كشفت عنهم التحريات الأخيرة التي أجريت في هذا الصدد وأسفرت عن اكتشاف الجريمة القومية بكل ابعادها، حيث تم بيع بعض الأفلام الي القنوات الأجنبية والتليفزيون الإسرائيلي وتم عرضها بالفعل كنوع من الاستفزاز والتحدي، وهو ما اعترف به مراسل إحدي الصحف الإسرائيلية منذ فترة أثناء زيارته السرية لمصر لمتابعة فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي والتي عاد منها مخزولا بعد إحباط محاولته بالتسلل إلي أروقة المهرجان، غير ان مراسلا لصحيفة صهيونية أخري كان قد أبدي شديد إعجابه واهتمامه بالسينما المصرية، مؤكدا أنه متابع جيد لكل انتاجها الحديث، مدللا علي ذلك بذكر عناوين الأفلام المهمة واسماء النجوم الكبار مثل فاتن حمامة وعمر الشريف وعماد حمدي ورشدي أباظة وزكي رستم وفريد شوقي وغيرهم.
وإزاء هذا الاهتمام المدهش كان لا بد أن تتجه الأنظار وتشير أصابع الاتهام إلي إسرائيل كأول دولة تقف وراء عمليات السلب والنهب التي أدت الي تفريغ الأرشيف السينمائي المصري من محتواه علي اعتبار أنها الدولة الوحيدة التي تظل في منافسة عدائية مع مصر، فضلا عن أنها الوحيدة أيضا التي تستهدف تاريخها وتراثها، وقد نبه المثقفون الي خطورة هذا الخطب ودعوا وزير الثقافة فاروق حسني الي التدخل للحد من الاستنزاف الفني فأعلن بدوره عن تشييد مركز وثائقي كبير لحفظ التراث السينمائي وما زال الأمر معلقا إلي الآن برغم مرور أكثر من ستة أشهر علي هذا التصريح!
لم يتبق من اصداء الاحتجاج والرفض غير محاولات فردية واهنة من قبل بعض الغيورين تمثل في جمع شتات الأرشيف المتناثر علي إسطوانات D.V.D حديثة مثلما يفعل المركز القومي للسينما – الجهة الوحيدة المهمومة بهذه المشكلة، فقد قام الناقد محمد عبدالفتاح مؤخرا بعرض ساعتين كاملتين لأهم ذخائر السينما المصرية منذ إنشائها قبل مئة عام وحتي الآن بدأت بالأفلام الصامتة لمحمد بيومي وانتهت بملامح السينما في فترة السبعينيات، مرورا بما بينهما من مراحل لا شك شهدت، تطورا ملحوظا من حيث الشكل والمضمون والصناعة، ففي البدايات الأولي كانت السينما موجهة توجيها أرستقراطيا متعاليا متأثرة في ذلك بالنمط الأوروبي، حيث كان يظهر البطل في شكل أنيق يرتدي زيا افرنجيا ويستقل سيارة فاخرة أحدث موديل ويغلب علي خطابه ولغته التأفف والاستعلاء، كذلك كانت البطــلة كائنا بعيد المنال تبدو كأنها شخصية متحــــفية تطل علي الجمهور من نافذة التاريخ.
وقد ظلت هذه الصورة ثابتة لفترة غير قصيرة، إلي أن حدث نوع من التطور ربما ساعد عليه قيام بعض الثورات وحركات التمرد فأخذت السينما شكلا مغايرا نسبيا لما كانت عليه، ولكنها وقعت في شرك المباشرة والخطابة، إذ حاول الكتاب والمخرجون آنذاك ان يلعبوا دورا إصلاحيا فغلبوا روح الوعظ والإرشاد علي الشكل الواقعي وباتوا يمارسون لعبة النقد الذاتي ساخرين من مشاكل الطبقة الراقية وهمومها، منحازين في تناولهم للقيم والأخلاق، وهذا الطابع نقلته السينما المصرية وتأثرت به في افلام الأربعينيات التي جسد فيها يوسف وهبي أدوار البطولة، قبل أن يتم الالتفاف الي الواقعية الجديدة التي بدأها المخرج كمال سليم بفيلم العزيمة الذي ناقش لأول مرة هموم الطبقة الوسطي وواقع الموظف البسيط. ويعد فيلم العزيمة المفتتح الحقيقي لموجة من الأفلام اللاحقة عليه، لا سيما وأنه الرائد في إحداث التحول الدرامي من الرأسمالية المستغلة الي الطبقة العاملة الكادحة التي تسعي للتغيير وتطهير المجتمع من براثن الفسق والفساد والانتهازية، ومع قيام ثورة يوليو عام 52 شهدت السينما المصرية حراكا حقيقيا، فقد اخذت علي عاتقها مهمة محو الأمية الثقافية والسياسية، خاصة بعد أن تم إنشاء المؤسسة العامة للسينما التي تولت انتاج العديد من الأفلام الكبري ذات التوجه السياسي مثل رد قلبي، غروب وشروق، الفتوة، اللص والكلاب، بور سعيد، جميلة بوحريد، باب الحديد، الحرام، البوسطجي وغيرها، إذ استهدفت الثورة من هذه الأفلام كسر الحاجز الطبقي بين أبناء الشعب الواحد وتبصير الجماهير بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، وفي هذا الاتجاه استغلت المؤسسة الانتاجية الرسمية نجومية الممثلين الكبار ذات التأثير القوي مثل فريد شوقي وصلاح ذو الفقار وأحمد مظهر وحسين رياض وعهدت إليهم بالمهمة الوطنية واعتبرتهم رسلها لدي الغالبية العظمي من القاعدة العريضة، لا سيما أن الزعيم جمال عبدالناصر كان يؤمن بأن السينما هي أداة التأثير السحرية، وبالفعل نجحت الدولة الوليدة في إرساء قواعد اجتماعية مختلفة من حيث الفكر والاعتقاد، ولم تخيب السينما ظن الساسة في هذا المضمار فقد أبلت بلاء حسنا وحملت علي كاهلها مسؤولية الكلمة والصورة والخطاب الجماهيري الثوري وتميزت في عملية التعبئة المعنوية بفضل كتابها ومخرجيها وأبطالها عبدالرحمن الشرقاوي ويوسف جوهر وصلاح أبو سيف ويوسف شاهين ونيازي مصطفي ومحمود المليجي وصلاح منصور وسعاد حسني ونادية لطفي ومريم فخر الدين، الي آخر جيل الستينيات الذين آمنوا بالثورة والسينما وشكلوا تراثا فنيا ضخما يتم تبديده اليوم علي أيدي أبناء جيل الخصخصة حتي لا يتبقي من ملامح الدولة الاشتراكية شيء يذكر، وهي خطوة ضمن خطوات عديدة تقطعها دولة البيزنيس الحديثة لتحقيق مآربها أو مآرب الآخرين، لا فرق فهي والآخرين سواء!