في الوقت الذي تتعقد فيه مشاكل المواطن الجزائري البسيط وتتهاوي فيه قدرته الشرائية وتموت إنسانيته وتهدر كرامته في وطن صار بالنسبة للشباب الذي ضاع مستقبله مجرد معتقل يضيق بهم كلما زادت عائدات النفط وفاضت خزائن الوطن بملايين الدولارات، يخرج عليه بعض من الساسة والفاعلين والذين كانت بيدهم خيوط اللعبة وقوة فرض القرار بمذكرات هي في واقع الحال تصفية حسابات تاريخية وسياسية وشخصية وتبرئة الذمم ونفض الأيدي من غبار مسؤوليات جسيمة اضطلعوا بها في فترة من فترات حكمهم.
فمن مذكرات خالد نزار الرجل القوي ووزير الدفاع السابق في تسعينات القرن الماضي وواحد من صناع الأزمة الجزائرية حسب وجهة نظر الإسلاميين وبعض الوطنيين، وواحد من الأبطال الذين أنقذوا الجمهورية من الزوال والاندثار حسب وجهة نظر العلمانيين والمعادين للاتجاه الإسلامي العربي الوطني الأصيل للدولة الجزائرية المستقلة والمتمسكين بفرنسية الجزائر، تأتي مذكرات بلعيد عبد السلام رئيس الحكومة الأسبق لتشعل حربا خفية تدور رحاها بين أركان حكم لازال يعتمد علي التوازنات الايديولوجية والمصالح الشخصية وتحالفات الزمر الحاكمة، وقد نال الجنرال محمد تواتي النصيب الأكبر من كيل الاتهامات التي وجهها له بلعيد عبد السلام في مذكراته ولا تخلو صفحة من صفحات المذكرات الا وأتي ذكر الجنرال تواتي الملقب بمخ الجيش وقد حمله بلعيد عبد السلام المسؤولية في فشل حكومته وإقالتها في بداية التسعينات من القرن الماضي وذلك بتدخله في قرارات الحكومة واختلافه مع رئيسها في إعادة جدولة المديونية وعلاقة الجزائر بصندوق النقد الدولي، وليس هذا فحسب بل راح بلعيد عبد السلام بعيدا في كيل الاتهامات حيث فضح علاقة الجنرال بحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، الحزب العلماني البربري الذي تأسس علي عقيدة الولاء لفرنسا والعداء لكل ما هو وطني. ووصفه بأنه الرئيس الفعلي للحزب وكان بمثابة الحبل السري لهذا الحزب الذي ليس له شعبية حتي في بلاد البربر من أين يستمد قوته لتأتي التهمة الأخطر وهي التشكيك في المسار النضالي والتاريخي للجنرال تواتي حينما اعتبر أن علاقته بالــــــثورة علاقة متأخرة جدا خاصة وهو الجندي الذي خدم تحت العلم الفرنسي في صفوف الجيش الفرنسي إلي غاية 1961، حيث وصلت الثورة إلي مراحلها الأخيرة وهــــو وقـــــت متأخر جـــدا لأن الجـــزائر كانت علي أبواب الاستقلال وكانت امارات الاستقلال بدأت تظهر منذ خطاب الجنرال دغول في 1958 حينما أعطي للشعب الجزائري حق تقرير مصيره.
وقد حركت هذه المذكرات حفيظة الجنرال تواتي ورد عليها في عدد من الجرائد متهما سياسة بلعيد عبد السلام الاقتصادية بالفاشلة وأن اتهامات هذا الأخير لشخصه لا تعدًُ أن تكون اتهامات مجانية وعارية من الصحة لتغطية فشل حكومته الذريع وأنه لا دخل له لا من قريب ولا من بعيد في تنحيته وإقالته من رئاسة الحكومة أو محاولة التأثير علي عمل حكومة بلعيد عبد السلام وقراراتها الاقتصادية والانتقام من شخص رئيسها لأنه علق عدة جرائد ناطقة باللغة الفرنسية موالية للاتجاه العلماني الذي يسانده الجنرال. ومن جهته صرح وزير الدفاع الأسبق خالد نزار في دفاعه عن ذراعه الأيمن الجنرال تواتي لوسائل الإعلام أن هذه المذكرات لا تفيد الجزائر في شيء بل ستشوه سمعة الجزائر في الخارج وتشهر بشخصيات هامة كانت علي رأس الدولة وأن الشعب الجزائري في حاجة إلي تنمية اقتصادية تحسن من وضعيته الاقتصادية والاجتماعية بدلا من الرجوع إلي الخلف.
محمد دلومي[email protected]