عبد الرحمن مجيد الربيعي
لعل الحرب العراقية ـ الايرانية التي استمرت ثمانية اعوام هي واحدة من اطول الحروب في التاريخ التي نكب بها الشعبان العراقي والايراني اللذان لو سئلا عنها لما وجد من يؤيدها الا المنتفعون منها وخاصة تجار السلاح.
لقد كانت حربا مؤلمة الي أبعد حد، لكن العالم كله اهملها وكأنها كانت تدور علي كوكب آخر حتي سماها المعلقون السياسيون (الحرب المنسية) رغم ان دمارها متواصل وضحاياها من قتلي وجرحي ومعوقين وصل الي مئات الالوف.
ومن الملاحظ ان هذه الحرب التي مرت يوم الثامن من هذا الشهر ذكري توقفها التاسعة عشرة لم نجد هناك رواية حقيقية نستطيع بها التثبت ممن بدأها؟ وهل البادئة ايران ام العراق؟ اذ ان لدي كل جهة روايتها التي تناقض الاخري.
لكن الجانب العراقي كان يعلن في وسائل اعلامه عن الاعتداءات علي حدوده من قبل القوات الايرانية كما ان بعض التنظيمات الايرانية الولاء مثل حزب الدعوة كانت تقوم بتفجيرات ومحاولات اغتيال لكبار الساسة العراقيين منها محاولة اغتيال طارق عزيز في الجامعة المستنصرية مما وصفت بأنها عوامل مهدت للحرب!
كما ان الثورة الايرانية بزعامة الإمام الخميني رفعت منذ يومها الاول شعار تصدير الثورة، وللمرء ان يسأل: لمن تصدر هذه الثورة؟ وبالتأكيد انها لا تصدر الي ساحل العاج ولا الي مدغشقر بل الي دول الجوار والي العراق تحديدا حيث المراقد الشيعية التي تعني الكثير لدي الزعامات الايرانية منذ الشاه وحتي الحكومة الاسلامية.
وكان حكام ايران يعتبرون انفسهم مسؤولين عن الشيعة أينما كانوا، خاصة في العراق قبلة شيعة العالم حيث المزارات الكبيرة لآل البيت، كما ان العراق في الآن نفسه مزار للسنة، ففيه مراقد كبار رموزهم من الشيخ عبد القادر الكيلاني الي ابي حنيفة النعمان، كما ان فيه اماكن اثرية تعني الديانات الاخري، وقد قرأت مرة ان غارنر اول حاكم عسكري امريكي للعراق وهو يهودي الديانة كما ذكر قد توجه الي آثار مدينة اور السومرية واحتفل برأس السنة فيها لكون هذه المدينة هي مسقط رأس ابراهيم الخليل الذي يريد اليهود الاستئثار به.
وفي العراق ايضا ضريح ذي الكفل احد انبياء اليهود وقد ذكر انه رمم وتأتيه وفود الزوار بحماية امريكيين.
واعود الي ايران لأقول ان المراقد المقدسة في العراق كان الايرانيون يؤمونها بعشرات الالوف وفي مواسم الزيارات السنوية وخاصة في العهد الملكي، وكانوا يحملون معهم النذور والهدايا حتي ان الاحجار الكريمة النادرة والثريات والابواب المرصعة بالذهب والفضة كلها حملت هدايا من ايران وبلدان آسيوية اخري مثل الهند وباكستان وافغانستان، وتشكل هذه ثروة لا تحصي ولا تقدر بثمن ووصل فيها الصاغة والمصممون ذري هائلة من الابداع.
لكن بعد الاتفاق الذي تم في الجزائر عام 1975 بين الشاه ونائب الرئيس صدام حسين ثم ابعاد الإمام الخميني من العراق الي فرنسا انسحب ما جري علي العلاقات بين البلدين واحدث فيها ارباكا.
بعد تسعة عشر عاما علي توقف هذه الحرب التي تحولت في سنتيها الاخيرتين الي عبث وبدا وكأن كل طرف يحاول انزال المزيد من الاذي بالطرف الآخر فصارت الصواريخ تطال المدن وتوجه نحو الاماكن الحساسة في كل بلد حتي جاء اعلان الخميني بقبوله بايقاف الحرب ووصفه لهذا القرار وكأنه يتجرع السم.
ان ايران ونظرا لسعة مساحتها الجغرافية المترامية سهولا وجبالا ومياها وكثرة عدد نفوسها استطاعت امتصاص تداعيات الخراب الذي حصل. كما ان ايران ـ وهذا ما تأكد بعد احتلال العراق ـ لم تترك العراق حتي بعد توقف الحرب، واستعملت الاسلوب الأكثر ايذاء للنظام العراقي باحتضانها للاحزاب والتنظيمات ذات الهوية الطائفية العراقية والتي تشكل معظمها بدعم منها مثل حزب الدعوة الذي تبني محاولة اغتيال الرئيس صدام في (الدجيل) وهي المحاولة التي حوكم بموجبها وصدر عليه حكم الاعدام وتم تنفيذه بعد توقيع نوري المالكي رئيس الوزراء الحالي وهو الشخص الثاني في حزب الدعوة، وكأن زعماء هذا الحزب ارادوا ان يقولوا: لقد فشلنا في اغتياله بالدجيل ولكننا اعدمناه بهذه القضية دون غير حق، ولا نستغرب عندما ظهر المدعي العام منقذ الفرعون في فيلم قصير وهو مرفوع علي اكتاف البعض وهم يهتفون عند اعدام صدام (منصورة يا شيعة حيدر)! اي ان المسألة انحرفت نحو المنطلق الاساسي منها وهو تصفية حسابات طائفية وعرقية.
كما ان الاستخبارات الايرانية واثناء الحرب مع العراق شكلت ما سمته (المجلس الاعلي للثورة الاسلامية في العراق) ومعه التنظيم العسكري منظمة بدر وفيه عدد كبير من الجنود والضباط العراقيين الشيعة الذين اسروا في الحرب وقبلوا الانضمام الي هذه القوات واطلقت عليهم تسمية (التوابين). واذا كانت ايران رغم توقف الحرب صارت تستعد لاستمرارها عن طريق هذه التشكيلات من العملاء فان النظام العراقي ارتكب حماقة احتلال الكويت التي تمت باغراء امريكي بعد لقاء الرئيس صدام بالسفيرة الامريكية في بغداد.
كأن هذا العمل قد جاء هدية من السماء الي ايران وتزامنا مع هزيمة الجيش العراقي وانسحابه من الكويت اطلقت ايران المجموعات العراقية التي هيأتها لمثل هذا الهجوم، وحصل ما حصل من احتلال مدن الجنوب وبعض مدن الوسط في ما سمي بالانتفاضة الشعبانية.
اي ان ايران اوكلت المهمة لمن يوصفون بالعراقيين، لكن فشل ما حصل واستعادة الدولة للمدن بثمن باهظ من الدم والخسائر لم ينه المسألة فكانت الرسالة التي وجهتها شخصيات شيعية عراقية الي حكومة الولايات المتحدة وتطلب فيها عقد اتفاق استراتيجي مع الامريكان مقابل تسليمها حكم العراق باعتبار الشيعة الأكثرية التي كانت محرومة من هذا… الخ، وقد ثبت الكاتب العراقي فاضل الربيعي نص الرسالة في كتابه الذي نشره مؤخرا مسلسلا علي صفحات جريدة “القدس العربي” وكان هذا بعيد انتهاء احداث 1991، ومن المؤكد ان هذه الرسالة وما تبعها من لقاءات ما كان لها ان تكتب لولا الضوء الاخضر من محركة كل هذه الدمي البديلة، اعني ايران.
ومضت الاحداث نحو احتلال العراق وتسليم مقاليده ليس للشيعة بل للمجموعات الشيعية المدعومة من ايران، وكما نري فان امريكا بعد ان اطفأت المقاومة العراقية غطرستها اصبحت تتفاوض مع ايران علي أمن العراق، وليس مع العراقيين ولا مع البلدان العربية!! لقد سلم الامريكان العراق الي ايران برضي وطيب خاطر فأصبح العراق ورقة مساومة بيد الايرانيين ليمضوا في تنفيذ مشاريعهم وعلي رأسها برنامجهم النووي، اما التهديدات الامريكية فكلها للاستهلاك الاعلامي ليس إلا.
هل كان النظام الايراني الذي كان يسميه الاعلام العراقي استهانة بنظام الملالي اذكي من نظام صدام؟ الاحداث تقول: نعم، فالعراق اليوم محمية ايرانية حــتي يأتي ما يغير هذا! ولا وســيلة لهذا التغيير الا المقاومة بكل الوســائل المتاحة.