استطاعت الضغوط الدولية علي الدول العربية أن تغير حكومات وتسلم وتدمر دولا واقتصادات، وتغير مناهج واسلوب حياة، بل وتغير القيم والمبادئ بالجملة، الا انها عجزت حتي الان عن وقف التعذيب في اقسام ما يسمي امن الدولة في معظم البلاد العربية، حيث تشهد السجون والمعتقلات ابشع اصناف التعذيب التي لم تشهدها البشرية عبر تاريخها. وتدأب قوات الأمن والشرطة العربية علي تعذيب المعتقلين بمختلف توجهاتهم وتهمهم، وإساءة معاملتهم أثناء التحقيقات. وفي معظم الحالات، يقوم المسؤولون بتعذيب المعتقلين للحصول علي اي معلومات، وفي اغلب الحالات تنسب التهم للمعتقلين نسبا، ولا يكون وراءها اي مبرر الا التخويف والارعاب وتصفية الحسابات وممارسة السادية للقائمين علي فروع واقسام الامن في البلاد العربية.
كما تقوم الشرطة احيانا باعتقال ذويهم وتعذيبهم للحصول علي معلومات أو اعترافات من أقربائهم أو إجبار أقربائهم المطلوبين علي تسليم أنفسهم.
وإذا كان التعذيب في البلاد العربية يستخدم عادة ضد المعارضين السياسيين المسالمين، فقد صار متفشياً كالوباء خلال السنوات الأخيرة، حيث يكابده عدد كبير من المواطنين العاديين الذين يجدون أنفسهم بالحبس في أقسام الشرطة كمشتبه فيهم أو في إطار تحقيقات جنائية. ولا تتحرك السلطات العربية في الغالبية العظمي من ادعاءات التعذيب علي الرغم من أن القانون في الدول العربية والقانون الدولي يلزم الدول بإجراء مثل هذا التحقيق. أما في الحالات القليلة التي تم فيها تحريك الدعاوي القضائية ضد بعض الضباط بسبب التعذيب أو سوء المعاملة، فكثيراً ما كانت التهم هينة والعقوبات غير كافية بدرجة لا تتناسب مع الجرم. وقد أدي غياب المحاسبة العلنية والشفافية علي هذا النحو إلي ترسيخ مناخ يشعر فيه الجناة بأنهم معفيون من العقاب.
ومنذ عهد قريب تعرضت أعداد متزايدة من المعارضين الاسلاميين والعلمانيين واليساريين أيضا للتعذيب علي أيدي مسؤولي الشرطة والأمن، وإساءة معاملة بعض المعتقلين من المتظاهرين والأشخاص الذين يزعم أنهم شاركوا او نووا المشاركة ضد مظاهر فساد او دمار في البلاد. وتثبت التقارير المحلية والدولية التي ظهرت قريبا في مصر والسعودية واغلب الدول العربية ان وسائل التعذيب تخالف كل النظم الدولية المتبعة، مثل الضرب بالأيدي والأقدام والأحزمة والعصي والأسلاك الكهربية، والتعليق في أوضاع ملتوية ومؤلمة مع الضرب، واستخدام الصدمات الكهربية، والتهديد بالاغتصاب وتنفيذه والعنف الجنسي. وتنص كافة الدساتير العربية دون استثناء علي ضرورة معاملة أي معتقل بما يحفظ عليه كرامة الإنسان، وتحظر إيذاءه بدنياً أو معنوياً. كما أن قانون العقوبات يعتبر التعذيب جريمة جنائية. ولم يتوقف التعذيب فقط للرجال، بل بات يشمل اعتقالات النساء، مثل زوجات مطلوبين أو فارين، وهو ما ينطبق عليه وصف الرهائن، بحيث يتم احتجاز المعتقلة إلي أن يسلّم زوجها نفسه أو يتم إلقاء القبض عليه، أو العودة من المنفي. وقد سجلت منظمات حقوق الإنسان العديد من هذه الحالات خلال الأشهر الماضية في العديد من البلاد العربية، بالإضافة إلي حالات أخري متفرقة، كالاعتقال بناء علي تقرير مغفل أو لاسباب كيدية. وحينما قامت القوات الامريكية، وهي قوات احتلال بتعذيب السجناء العراقيين في سجن ابو غريب المشؤوم كانت تقلد وتحاكي الطرق العربية في التعذيب، اذ ان هكذ انواع لا انسانية وحشية لا يمكن ان يحدث واحد بالأف منها في البلاد الغربية، مهما كانت الظروف. وبدل ان تجلب لنا امريكا الاساليب الحضارية والديمقراطية في التعامل مع الانسان استسهلت الطرق العربية، وربما رأت انها لن تكون ارحم علي المواطنين العرب اكثر من بني جلدتهم! وخلاصة الكلام ان التعذيب غدا ظاهرة عربية بامتياز، في الوقت الذي انقرض في مختلف مصائر الارض قاطبة، فهل من المنطق السكوت علي اي ظاهرة تعذيب بعد اليوم، ألا يعتبر الساكت عن تعذيب الناس شيطانا، ألا يجب ان تتضافر جهود الاعلاميين والكتاب والمثقفين والاحزاب، وكل القوي في المجتمعات العربية لوقف هذا الشذوذ الانساني ومحاسبة المسؤولين عنه، مرة والي الابد، عبر معاقبة ممارسيه والتصدي لهذه البشاعات وفق القانون، ما هو رأي القارئ الكريم وماذا تقترحون؟
ربيعة علوانباريس6