صفقة الاسلحة الامريكية للسعوديين هدفها ضمان دعمهم لما بعد الانسحاب من العراق

حجم الخط
0

ولاعطائهم الشعور بالثقة بأنهم قادرون علي مواجهة التهديد الشيعي الايراني المتربص وراء حدودهمظهور موقفين في اسرائيل واحد يعتبر الانسحاب كارثة وآخر يري فيه جوانب ايجابية ويركز علي القنبلة الايرانية

توصية الوثيقة التي وُضعت قبل عدة اسابيع علي طاولة وزير الدفاع ايهود باراك كانت واضحة: الصمت. الحفاظ علي مستوي بروز منخفض، من اجل عدم إغاظة الحلفاء الامريكيين بصورة أساسية، وعدم إثارة الانطــــباع الخاطئ بأننا نتدخل في انتخاباتهم.

الوثيقة عبارة عن جملة أفكار أولية غير ناضجة. المهنيون والباحثون في وزارة الدفاع وشعبة الاستخبارات العسكرية أمان وقسم التخطيط في هيئة الاركان وفي وزارة الخارجية وفي مجلس الأمن القومي، يمرون في بداية العملية. المداولات تجري منذ ثلاثة اشهر في الغرف المغلقة. كل هيئة تُجريها بينها وبين نفسها. بين الحين والآخر يقوم أحد الأطراف بدعوة الآخرين للقاءات تنسيق، ويخرجون بوثيقة ايضا.

كل شيء يجري سرا بسرعة بطيئة. يسيرون علي أطراف الأصابع ولا يُنتجون القرارات حتي لا يربكوا السياسيين ويلزمونهم بهذه السياسة أو تلك. ولكن موجة التسونامي تبدأ في التصاعد. كلهم يرونها ترتفع وتعلو ولا يعرف أحد متي وكيف ستنفجر. الأوراق ما زالت خالية من التوصيات الحقيقية. ولكن ليس لانهم لا يريدون وانما لان الامر يتعلق بمجريات ليست لنا أية طريقة للسيطرة عليها. الوثيقة التي وضعت علي طاولة باراك تتعلق بحكاية كبيرة بالنسبة لحجمنا بعدة مرات. تقنيا هي تتعلق باليوم الذي يتلو خروج الامريكيين من العراق. وعمليا ـ يتعلق الامر بشرق اوسط جديد. هزة أرضية.

قبل ثلاثة اشهر جري في القسم الاستراتيجي في قسم التخطيط نقاش أولي حول هذه القضية: كيف سيبدو العراق بعد انسحاب الامريكيين. اليوم بدأوا يبحثون في هذه القضية وآثارها بالنسبة لنا. كل تصريح من قائد اسرائيلي مع الخروج من العراق أو ضده سيعتبر تدخلا في شؤون امريكا الداخلية. ولذلك تقرر عدم تحريك اللوبي اليهودي، وعدم المسارعة للكونغرس وعدم التحدث حول الامر.

الجميع ما زالوا يذكرون تصريحات اولمرت قبل اشهر أمام اللوبي اليهودي التي عبر فيها عن دعمه الكامل لسياسة بوش في العراق، مُربكا بذلك منظمي المؤتمر.800 ألف لاجيء في الاردنفي بداية الشهر الحالي زار اسرائيل بصورة سرية طرف أمني من دولة مجاورة. المباحثات التي أجراها تعلقت بالامور المقلقة الاعتيادية: حماس مثلا، وصعودها في قطاع غزة، الامر الذي يعتبر تهديدا استراتيجيا ليس لاسرائيل وحدها وانما للاردن ايضا. الخوف هو أن حماس قد تصدر الثورة من غزة الي الضفة، ومن هناك الي الاردن. اجهزة الاستخبارات في اسرائيل توافق علي أن هذه العملية محتملة تماما، ذلك لان نشطاء حماس في الضفة يُعتقلون بصورة موقعية فقط، والسلطة الفلسطينية لا تستطيع الوصول الي مراكز السلاح المخبأ لدي حماس. ايضا اغلاق 130 جمعية اسلامية تابعة لحماس في هذا الاسبوع أبعد من أن يكون ضربة قاتلة لجهاز حماس المدني. حيث انهم سيجدون لها بديلا، ومن هنا اذا أُعطيت حماس المزيد من الوقت لتنظيم صفوفها فستسيطر علي الضفة.

ولكن في خلفية المداولات حول المشكلات الجارية تدحرجت قضية حبة البطاطا العراقية الساخنة الي أعتاب الاردن قبل كل شيء. الآن بالتحديد يصل تعداد اللاجئين العراقيين في الاردن وسورية الي مليوني لاجيء. 800 ألف منهم في الاردن. حتي الآن كان هؤلاء مشكلة اقتصادية وبنيوية فقط، ولكن بعد عام، عندما يتحول تيار اللاجئين العراقيين الدافق الي طوفان هائل ستصبح مسألة وجودية تهدد النظام الاردني، واذا تضرر النظام الاردني فسيكون هذا قطعة الدومينو الاولي التي ستُسقط باقي القطع في الفسيفساء الشرق اوسطية كلها.

الخلاصة: علي اسرائيل أن تبذل كل ما في وسعها لتعزيز المصالح الاردنية في المنطقة، أي عدم القيام بأية خطوة تجاه الفلسطينيين قد تلحق الضرر بالاردن، ومساعدة الاردن في تجنيد الدعم الدولي والامريكي لحل مشكلات المياه، ومن خلال اعطائهم التكنولوجيا العسكرية قدر المستطاع. الاردن هو اليوم المنطقة الفاصلة الأهم بين اسرائيل وبين الهلال الشيعي والارهاب الاصولي من الشرق. أهمية السلام مع الاردن كذخر استراتيجي لاسرائيل ستزداد فقط بعد رحيل الامريكيين من العراق.

في المداولات التي تجري في اسرائيل في قضية ما بعد العراق يمكن التمييز بين مذهبين مختلفين: الاول، وهو الأبرز حاليا يقول أن الانسحاب الامريكي في الظروف الحالية سيء جدا لاسرائيل، ذلك لانه سيُفسر كضعف ومن الممكن استشعار آثاره علي المنطقة من ايلول (سبتمبر) القادم، حسب رأي أنصار هذا المذهب.

في ايلول (سبتمبر) ستبدأ ايضا سلسلة المساءلات الدراماتيكية في الكونغرس الامريكي حول النجاحات الامريكية في العراق. في مركز هذه المداولات سيكون التقرير الذي أعده قائد القوات الامريكية في العراق، الجنرال دافيد بتراوس، حول صورة الوضع في العراق في سلسلة طويلة من المجالات.

بدءا من مسار الوفاق الوطني ومرورا بالاصلاح الاقتصادي واحتمالات التوحيد السياسي وفرص منع الارهاب وتقدم الادارة المدنية، وانتهاء بالوضع الأمني. ليس هناك شك ان هذه المساءلات والمداولات ستهز الجهاز السلطوي الامريكي وتضع الرئيس العراقي في بؤرة الجدل الشعبي.

خبراء في اسرائيل يراقبون من الآن الأمواج المتسعة التي ستنجم عن عملية المساءلة في الكونغرس. حسب تقريرهم هذا الأمر قد يتمخض عن توتر قد يصل الي حد التفسخ بين الادارة الامريكية وبين الحكومة العراقية الحالية. أضف الي ذلك، يُعبر السعوديون من الآن عن امتعاضهم من امكانية رحيل الامريكيين عن العراق. الملك السعودي لا يزور واشنطن، والسعوديون يُبرزون حوارهم مع الايرانيين ويستعرضونه حتي يُعبروا عن هذا الامتعاض. ومن اجل اضافة بعض الملح علي الجراح: قام أحمدي نجاد في خطابه في هذا الاسبوع حول الانسحاب الامريكي المتوقع بدعوة السعوديين الي القدوم لادارة العراق مع ايران.

والاسوأ من ذلك: هذه المجريات المتوقعة في شهر ايلول (سبتمبر) علي خلفية تقرير الجنرال بتراوس، ستترافق مع موجة عمليات كبيرة بصورة استثنائية من القاعدة والمتمردين السنة في العراق، وذلك من اجل ممارسة الضغوط علي الادارة الامريكية حتي تنسحب. من هنا سيبدأ ايلول (سبتمبر) القادم في الظهور في المنطقة علي صورة موعد للانسحاب الامريكي. من ناحية اللاعبين الاقليميين ـ من الملك السعودي وحتي القاعدة في لبنان ـ سيكون هذا انسحابا فعليا. وسيبدأون في التصرف وفقا لذلك. الخبراء يقولون أن علي اسرائيل أن تبدأ في الاستعداد لشرق اوسط جديد.

الرحيل الامريكي عن العراق سيقود باحتمالية عالية الي حرب طائفية في العراق. احتمالات وضع أسس نظام سياسي راسخ من قبل الامريكيين قبل الانسحاب، معدومة. هذه نقطة الانطلاق في المداولات الداخلية في اسرائيل حول مرحلة ما بعد الانسحاب، والامريكيون يخرجون من العراق تاركين وراءهم نظاما مناصرا لايران في بغداد. وليس هناك ايضا اختلاف في الآراء حول هذه المسألة، النظام العراقي اليوم، وكذلك النظام المتوقع بعد الانسحاب، هو ائتلاف بين أطراف شيعية وكردية. رئيس الوزراء الحالي، هو شيعي ومن ابتداع الاحزاب والميليشيات المرتبطة بايران. السنة في العراق لن يقبلوا هذه التسوية، والمجابهة المسلحة مسألة لا يمكن ردها. في هذه المجابهة سيقف السعوديون ودول الخليج والاردن، وربما مصر، من وراء السنة. ومن الناحية الاخري سيقف الايرانيون وحزب الله. السوريون سيعملون مع الجميع، فهم مرتبطون بايران، ولكنهم يؤيدون المتمردين السنة الذين ينطلقون من سورية لتنفيذ العمليات في العراق.

صفقة كبيرة لـ ما بعد الانسحاب اعلان الادارة الامريكية عن مبيعات سلاح بقيمة 20 مليار دولار للسعوديين لم يكن صدفة. هذه الصفقة الضخمة مخصصة بالضبط لما بعد الانسحاب، حيث يُفترض أن تعوض السعوديين عن العملية الامريكية الفاشلة وتعطيهم الشعور بالأمن والثقة بأنهم قادرون علي مواجهة التهديد الشيعي ـ الايراني المتربص وراء حدودهم. من هنا، وبالمناسبة، ينبع ايضا السخاء الامريكي المتمثل بزيادة الدعم العسكري لاسرائيل. انسحاب الامريكيين من العراق سيطلق في أرجاء الشرق الاوسط طاقات ارهابية كبيرة كانت متمركزة حتي الآن في العراق. آلاف النشطاء الاصوليين سيبحثون عن عمل لهم في اماكن اخري، وبعضهم سيصل الي لبنان والآخر الي سورية والاردن ومصر واسرائيل. الانظمة العربية المعتدلة ستبدأ في مواجهة مشكلات اللاجئين، ومشكلات الارهاب الصعبة. هذه احتمالية عالية لزعزعة الاستقرار في المنطقة برمتها. هذا الارهاب الاصولي سيربض وراء حدودنا: في غزة وجنوب لبنان والاردن وسيناء. اسرائيل ستضطر لقياس مدي الصواريخ الايرانية، ليس من منطقة المثلث الحدودي التركي السوري الايراني، وانما من تلك المواقع التي أطلق منها العراقيون صواريخهم في عام 1991 كالمنطقة إتش3 مثلا. هذا من دون أن نتحدث بعد عن تركيا. الجيش التركي يقوم من اليوم باطلاق النار علي القري الكردية العراقية. اشتعال النار في العراق ومحاولة الأكراد لتجديد استقلالهم في كردستان التركية سيدفعان بالجيش التركي الي الدخول الي شمالي العراق مع دفعة جديدة من عدم الاستقرار في المنطقة. في ظل الوضع الذي تتدخل فيه ايران في القتال الجاري في العراق – هناك احتمالية عالية لحدوث مجابهة بين القوي المختلفة في لبنان الموجودة أصلا في وضع هش وقابل للانفجار. الحكومة لا تملك اغلبية، ولا يوجد للجمهورية رئيس متفق عليه. صحيح أن السوريين لم ينجحوا في حرف حزب الله ودفعه لتنفيذ خطوة عنيفة تتجسد بالسيطرة علي الحكم، إلا أن الاحتمالية قائمة، وما علي الايرانيين إلا أن يعطوا الضوء الاخضر فقط. هم لم يعطوا هذا الضوء حتي الآن لانهم مشغولون حتي رأسهم باعادة بناء القواعد الايرانية في لبنان التي ترمي كلها الي ردع اسرائيل والامريكيين عن الهجوم. الاستثمارات الايرانية الهائلة تتدفق لحزب الله. الاعمال التي يقوم بها حزب الله تثير الدهشة والاعجاب. يقومون في شمالي الليطاني ببناء مواقع محصنة للحزب بوتيرة جنونية. كما أن العلاقات العسكرية بين حزب الله وسورية قد وصلت الي ذروة لم تصل اليها في أي وقت سابق. واذا كانت نيران المجابهة المسلحة في العراق ستتفشي لتصل الي العقدة اللبنانية، فستتطاير الشرارات نحو اسرائيل. سباق التسلح الاسرائيلي – السوري يمر أصلا في ذروته. تصريحات باراك في هذا الاسبوع حول انخفاض التوتر في الجبهة السورية ترمي الي تلبية الاحتياجات الداخلية وتهدئة الجمهور. إلا أن الانفجار في الجبهة السورية لن يكون بالضرورة في اطار سيطرتنا. من هنا ما زال من المبكر جدا تخفيض مستوي الجاهزية والتأهب. الجهات الاستخبارية البارزة في اسرائيل تلاحظ لدي الرئيس السوري، علي أساس تصريحاته العلنية، شغفا بخيار الخطوة العنيفة ضد اسرائيل. في عام 2009 سنشهد ذروة تعاظم القوة السورية حيث ستُستكمل صفقات السلاح مع روسيا، ويتم هضم ذلك داخل الجيش السوري، وسيصل النضج السوري للحرب الي ذروته. عموما، في عام 2009، ستنضج سلسلة من المجريات المختلفة: الرئيس الامريكي سيتبدل، والسياسة الامريكية في الشرق الاوسط ستتغير، وسيبدأ الانسحاب الامريكي من العراق. وفي المقابل قد تصل ايران في هذه السنة الي نضجها النووي العسكري. حتي وإن لم تكن القنبلة بيديها، فستعطي الانطباع بأنها موجودة. كل هذه المجريات لا تُبشر بالخير لاسرائيل.

ما هو الموعد الصحيح لمعالجة قضية حماس؟

المذهب الثاني في اسرائيل، خلافا للمذهب الاول، يري نقاطا مضيئة ايضا في عملية الانسحاب الامريكي من العراق، وهو يُركز اهتمامه علي القنبلة الايرانية. أولا، أنصار هذا المذهب يدّعون أن الانسحاب الامريكي من العراق لن يكون فوريا وانما علي مراحل. في البداية سيخرج الجيش من المدن نحو المعسكرات الكبـــيرة، وينتــشر ايضا في دول صديقة مثل الاردن وتركيا، الي أن يعود الاستقرار الي العراق. زد علي ذلك: قادة الجيش الامريكي الموجود في العراق يعارضون أية عملية ضد ايران بصورة حازمة طالما بقي الجيش الامريكي في العراق، وادعاؤهم الأساسي هو أن أية عملية ضد ايران ستتسبب باعمال انتقامية ضد الامريكيين في العراق. من هنا سيعفي الانسحاب الامريكي من العراق الادارة من عبء وجود جيشها في العراق، ويُتيح القيام بعملية عسكرية امريكية شاملة ضد المشروع النووي الايراني. وبالمناسبة، لا يصاب أنصار هذا المذهب ايضا بالذهول أو الخوف من المجابهة التي قد تندلع بين السنة والشيعة في العراق، أو بين العرب والايرانيين، بل علي العكس. عام 2008 سيكون عاما حاسما، سيستعد كل اللاعبين في المنطقة خلاله لعملية الانفجار الكبري في العراق. ولهذا السبب تُطرح في اسرائيل خلال المداولات الداخلية من الآن سلسلة من الاسئلة: ما هو التوقيت الصحيح لمعالجة قضية حماس في غزة؟ ربما من الأفضل مواجهة حماس من الآن، من قبل حدوث الهزة الارضية التي ستبدأ مع الانسحاب الامريكي من العراق؟ هل هناك منطق في الجلوس وانتظار السوريين حتي يصلوا الي ذروة نضجهم العسكري؟ وربما من الأفضل تبريد المنطقة قليلا بواسطة الشروع في المفاوضات مع السوريين؟.

اليكس فيشمانالمراسل العسكري في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 31/8/2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية