سكر بنات فيلم اللبنانية نادين لبكي: يلامس قضايا النساء بشفافية عالية

حجم الخط
0

سفيان الرمحي

طوابير طويلة تصطف علي ابواب صالات العرض في باريس، من اجل مشاهدة فيلم اللبنانية نادين لبكي سكر بنات، لقد احتل الفيلم في الاسبوع الاول لعرضه الموقع الثاني علي مستوي عدد المشاهدين، وجاء ترتيبه بعد فيلم فرنسي كوميدي خفيف (الفتاة المشطورة الي نصفين) ومرح يعالج قضايا فرنسية، الامر الذي يفسر الاقبال الشديد عليه، ومن المتعارف عليه ان السينما الفرنسية علي تنوع اتجاهاتها لها دائما جمهورها الخاص، ولذا نادرا ما تنافس الافلام الاجنبية الفيلم المحلي، الا اذا كانت ذات سوية عالية لناحية الاخراج والتمثيل والسيناريو… الخ. من هنا جاء الاقبال الملحوظ علي فيلم كراميل (سكر بنات) الذي رافقته ايضا تغطية اعلامية واسعة، اشادت به، واثنت علي مقدرة مخرجتــــــه وممثلته نادين لبكي في ايصال افكارها الاساسية مـــــــن خلال الحفر في اعماق المرأة العربية، وتسليط الضوء علي اعماقها الحميمة بلغة سينمائية شفافة وعميقة وبعيدة عن السطحية والابتذال وسبر اغوارها بطريقة حضارية.

هذا هو الفيلم الاول للمخرجة الشابة (33 سنة)، وقد جاء موفقا الي حد كبير. عمل سينمائي بسيط، جميل وحساس حول الحياة في لبنان، وخصوصا حول حياة النساء، بعــــــيد عن الكليشيهات، نظرة دافئة علي بيروت كما تراها، فيه الكثــــير من سحر الشرق، وقد جاء الاسم ليختصر الجـــــو الفعلي للعمل، كاراميل اي العجــــــين الذي يستخدم لنتف شعر الجلد لدي النســــاء، ويدخل في تركيبته السكر والليمون، وبالتالي يشكل خليــــطا سائلا حلوا. سكر لذيذ وحامـــــــض، ولكـــــنه يؤلم ويحرق في نفس الوقت. وهذا ما يتركه الفيلم من شعور لدي المشاهد، وبعيدا عن التكلف او الاغراء الساذج.

نساء نادين لبكي يواجهن الثقافة الغربية ويحلمن بالتماهي معها، وفي نفس الوقت هناك ثقل التقاليد والتربية الشرقية والعائلة والدين، ولذا لم تجد هاته النساء التوازن المنشود. يبحثن عنه ويلاحظ المشاهد ان هناك رغبة كبيرة في التحرر، وعيش قضاياهن مثل بقية النساء الاخريات. هن يحاولن ان يفعلن ذلك ولكن مع بعض الشعور بالندم وتأنيب الضمير، ولذا لا يصلن الي الحرية خوفا من نظرة الآخر، وفي نفس الوقت شعور المرأة الخاص بأن تبقي مثالية امام العائلة والاصدقاء والزوج والاطفال. ويحس المشاهد ان هناك نزوعا لدي المرأة لكي تمارس حقها في الحرية وتفعل كل ما تريد، ولكنها تمارس ضبطا كبيرا علي نفسها.

ونجحت المخرجة في تكسير حائط الحياء. واختارت مكانا حميما لكي تتدفق فيه هذه المشاعر والاحاسيس، وهو عبارة عن محل تجميل وصالون حلاقة، وحولته الي ما يشبه محطة أمل، ومن خلاله حاولت ان تستعيد صورة بيروت السبعينات مثلما يفصح عن ذلك الديكور العام. صحيح ان هناك بعض الموجودات التي تحيل الي العصر الراهن، لكن ابراز ديكور مرحلة السبعينات امر مقصود، وهو طريقة في القول ان الزمن نفسه قد شاخ. ويظهر ان القصد من وراء ذلك يتجاوز المكان في حدوده المباشرة الي لبنان واللبنانيين بعيدا عن الحرب، لذا نحسهم يتدفقون بالرغبة العميقة في الحياة، وحتي في لحظات المأساة هم يضحكون من آلامهم لكي يستمروا في الحياة، وبالتالي هم بألوان حميمة دافئة (كارميل)، هنا لا تبوح النساء فقط بمكنونات القلوب، بل لديهن الرغبة في ان يصبحن اجمل، ويخرجن منطلقات ومتفتحات اكثر. ان الجانب الفيزيولوجي مهم جدا في العملية، وليس المقصود من وراء ذلك التصنع، بل ان جميع النساء يشعرن بالرغبة في ان يصبحن جميلات. انه مكان يشعرن فيه انهن في امان وثقة، ولذا تبوح الزبونة بطلاقة شديدة للمزينة التي تعرف كافة تفاصيل جسدها، بنقاط ضعفه وقوته، باخطائه ومزاياه الجميلة، والتي تراهن وتلمسهن علي حقيقــــــتهن بدون زيف او تصنع، وبالتالي ينسحر المشاهد بالقدر الكبير من الحميمية والقرب بين الطـــرفين. وهناك امر جميل آخر وهو ان هذا المكان يشد الرجال من بعيد، لذا يعيشون في ظل شعور قوي بالفضول لمعرفة ماذا يدور هناك، ويتمكنون من الولوج لداخل هذا الصالون الساحر.

خمس نساء يتقابلن في هذا المكان، الذي يشكل عالما شهوانيا مصغرا وملونا للمحيط، فهنا تلتقي عدة اجيال، تتحدث وتتحاور وتتسارر ايضا، وكل واحدة منهن لديها مشكلة خاصة.

تزداد اهمية الفيلم اذا عرفنا ان المخرجة لم تعتمد علي ممثلين محترفين، بل فضلت اختيار شخصيات عادية من الحياة. وعلي ما يبدو لم يكن هاجسها صناعة فيلم يقوم ممثلون محترفون بتأدية الادوار الاساسية فيه، بل ارادت ان تقوم شخصيات فعلية بتأدية ادوارها في الحياة، مع الاشارة الي ان قصص حياة هؤلاء الاشخاص لا تتطابق مع قصة الفيلم. ويبرز هنا نزوع المخرجة في انها حاولت ان تحقق فيلما قريبا من التسجيلي، وبالتالي يمكن القول ان الفيلم تخييلي، تم اخراجه بطريقة واقعية، ولذا تركت المخرجة الممثلين يتحركون بحرية كبيرة.

واذ كان الفيلم يركز في صورة اساسية علي النساء، فانه لا يغفل عالم الرجال نهائيا، فالنموذج الذي تقدمه المخرجة يبدو وكأنه صورة للرجل الذي تحلم به المرأة في الحياة، حساس، شجاع، ولديه شغف بمتابعة التفاصيل. ومثال ذلك حين يدخل يوسف الي صالون الحلاقة فانه لا ينظر الي صدر ليال، وانما ينشد الي يديها وتفاصيل جسدها. وقد كان واضحا ان المخرجة تقصدت ابراز هذا الجانب لدي الرجل، مثلما رسمت صورة للمرأة التي يحلم بها الرجل: حرة، طريفة، لطيفة وعفوية، وخصوصا عفوية، ليست ساذجة بل غير متصنعة، وبالتالي يستطيع الرجل والمرأة علي حد سواء ان يجدا نفسيهما في الفيلم. صحيح ان المرأة تحتل المساحة الاساسية، ولكن الفيلم يفتح نافذة للرجل لكي يري من خلالها هشاشة المرأة وحميميتها وعوالمها والصعوبات التي تكابدها، وبالتالي فهو يشد الرجل بقوة ويلفت انتباهه الي المرأة، التي يلخص الملصق المعبر للفيلم حقيقتها، فهذه المرأة التي تدير ظهرها تمثل كافة النساء اللائي ينظرن الي المستقبل والحياة عبر ستائر مغلقة، ولكنهن ينظرن نحو الأمل والوجود اللذين يدوران وراء النافذة.

وهناك كلمة اخيرة لا بد ان تقال من حول الفيلم، وهي انه يأتي في سياق نهضة سينمائية نسائية عربية، تبرع فيها علي نحو خاص مجموعة من المخرجات اللبنانيات مثل جوسلين صعب ورندة الشهال، والفلسطينية مي مصري، واسماء بكري من مصر، وبعض السينمائيات من تونس، المغرب، الجزائر وغيرهن، الا ان فيلم نادين لبكي يشكل عملا مختلفا لم نر له شبيها في السابق، وخصوصا تطرق المرأة الي الجوانب الحميمية مثل الحب والصداقة. ومن الايجابيات العميقة في الفيلم انه لم يقدم اية محاكمة لأي طرف، ففي الصالون كانت هناك مرآة تعكس فقط مشاعر المتحدثين، وهذا امر ليس بالسهل اذا استطاع المخرج ان يقدمه بجدارة الي شخصيات فيلمه.

ہ سينمائي فلسطيني يقيم في باريس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية