أنماط النقد السبعة!!

حجم الخط
0

خيري منصور

عندما قرأت كتاب وليم امبسون سبعة انماط للغموض لأول مرّة خطر ببالي علي الفور ان هناك سبعة أنماط من النقاد، غالبا ما يختزلهم التعريف الاتباعي والمدرسي الي نمطين فقط، أحدهما بالضرورة اكاديمي، اما الاخر فقد يكون نقد الشعراء الذي وصفه ت. إس. اليوت في أحد مقالاته الشهيرة بأنه أقصي تجليات النقد التطبيقي لأن الشاعر يتعامل مع الكلمة من الداخل، حتي عندما يكتب نصوصه فهو يضيف ويحذف مما يجعل مسوداته نقدا خلاقا وابداعيا بامتياز… أنماط النقاد السبعة ليس مجرد عنوان يتماهي مع اطروحة امبسون، بقدر ما هو بالفعل استقراء استغرق بضعة عقود للمنجز النقدي في الثقافة العربية علي الاقل، واذا كان العرب قد عرفوا في تراثهم طبقات فحول الشعراء، فإن للنقد فحوله أيضا، كما له ثيرانه وقِردته. وهذه الانماط السبعة هي علي التوالي:

الناقد الذي لم يغادر التعريف المعجمي لمهنة النقد وهي دجاجية كما ورد في لسان العرب ومعظم معاجم العرب، هذا الناقد يلتقط فقط، وقد لا يحسن حتي الالتقاط، لأن اعتقاده بأن الصمت ضرب من البطالة يضطره الي قول أي شيء وفي أي مناسبة، والنقد الذي يكتبه هذا النمط أفقي علي الدوام، وهو يتغذي علي النصّ المنقود فيقترض منه حتي مفرداته وتراكيبه اللغوية، وبالتالي يفقره لأنه يمتص دمه وليس حبره فقط!

فإذا تنطّع هذا النمط النقدي لقصيدة قام بشرحها او تشريحها بعد أن ينتف ريش جناحيها وغالبا ما يفوته أن ما يتحدث عنه في القصيدة هو مساحات اللاشعر، لأن الشعر عصيّ علي مثل هذه المحاولة التي تفتقر الي الذكاء والحصافة وأخيرا الي المغامرة، بالحث عن تجليات التأويل، ما دام النص الابداعي يمتاز بدءا بالتعدد كما قال برادلي، ويقبل عدة مستويات ومقتربات للاستقراء كبديل للقراءة السطحية او السياحية.

وما اعنيه بالسياحة النقدية هو بالتحديد الاندهاش أما هذا المعلم او الطّلل، والتقاط الصور الفوتوغرافية بجوار هذا العمود او ذلك القوس، ان هذا النمط من القراءة ذات البعد الواحد غالبا ما يتسم به النقد الذي استثمر أردأ موروثات الأدب، خصوصا ما يتعلق بتحقيب مراحله او تصنيف تياراته في خانات منفصلة ومتباعدة وكل واحدة منها مكتفية بذاتها، علي العكس من مفهوم الاواني المستطرقة الذي يقبل التهجير من الكيمياء الي النقد ما دام تفكيك العناصر في كلا الحقلين هو من صلب مهنة الناقد.

النمط الثاني من النقد، هو ما يسمي الأكاديمي علي سبيل الانتحاء بهذا المصطلح، والانتحاء هو تحميل المصطلحات قيمة تعلق بها قبل ان تأتي في أي سياق، فالاكاديمية بقدر ما هي عامل ضبط منهجي في العلوم، ومجال اعتراف بالقدرة، تصبح في الادب ذات محمول سلبي، يعني اقصاء المغامرة لصالح الطرق المطروقة والمليئة بالبصمات والحوافر.

ولكي لا نظلم هذا النقد علينا ان نفرّق بين مجهود اكاديمي وآخر، وهناك كتب في نقد الشعر والرواية في أدبنا الحديث أسست لمفاهيم، وبلورت جماليات مقابل سلالة لا نهائية من الاطروحات الجامعية التي تتغذي من بعضها، وتكرر المكتوب وتبدو في النهاية داجنة ومنزوعة هاجس الاكتشاف، لأنها تسعي الي الاحتفاظ ببوليصة تأمين نقدية، فلا تجازف بقراءة نصٍ غير منقود، وتؤثر المضيّ في الطرق المعبدة والسالكة ونادرا ما تتورط في البحث عن طريق في الغابة!

لقد كان اكاديموس الاغريقي الذي تنسب اليه الاكاديمية محاربا شجاعا، وحول قبره كان يتحلق الحواريون وعشاق المعرفة، فكيف ينتسب الي اكاديموس من لا يعرفون عن ثقافة الحرب غير الانسحاب والتسليم ورفع الرايات البيض علي اقرب مرتفع؟

النمط الثالث من النقد، يمارسه المبدعون انفسهم، سواء من خلال ما يضيفون ويحذفون في مسوداتهم كما أشار اليوت او حين يكتبون عن زملائهم.

ويزدهر هذا النمط من النقد في الفترات التي يبدأ التبشير فيها بحساسية حديثة وبوعي مفارق للسائد. الشعراء الرومانسيون في الغرب والشرق علي السواء مارسوا هذا النقد علي نحو تبشيري دفاعا عن اتجاه او رؤي، وقد لا يكون هناك فارق كبير بين الدوافع التي استجاب لها الثالوث الرومانسي الانكليزي شيلي، وكيتس وكولوريدج والدوافع التي استجاب لها شعراء ابولو من الرومانسيين العرب.

نجد ايضا ان هذا النمط من النقد الابداعي لدي من كتبوا مقدمات لأعمالهم او لأعمال شعراء آخرين، خصوصا في بواكير الحداثة العربية في عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وهذا النمط النقدي بشكليه المباشر وغير المباشر يجب ان لا يغوينا بالمجانسة او المشاكلة بين تبشير غنائي ونقد ذي رؤية ومنهج، فبعض الشعراء ممن يكتبون عن أنفسهم او زملائهم يقترحون نموذجهم علي العالم، بل يبدأون منه كمركز للدائرة بخلاف آخرين أقل ارتهانا وخضوعا لهذا الالحاح النرجسي، وحين نراجع اليوم ما كتبه شعراء عرب عن شعراء آخرين خصوصا من خلال مقدمات لها بعض ملامح المانفستو نجد ان الكثير منها قد طواه الزمن وتجاوزت النصوص والذائقة والحساسيات، لكن ما تبقي هو ما كان وثيق الصلة بالمنابع وتخطي هواجس الاسترضاء والتدليك وثنائية الهجاء والمديح نحو الاستقراء المشحون بالحدس والمرفود بطاقة معرفية متعددة المصادر.. والتاريخ نفسه يتولي احيانا تكذيب المقدمات أو منحها صدقية، فهناك شعراء خذلوا من قدموا لهم مثلما خذلوا أنفسهم والشعر معا، ومنهم من صمت او انتحر شعريا او اكتفي بالاجترار والمراوحة ومحاكاة الذات وهي أردأ مراحل المحاكاة لأنها تقع ضمن دائرة ما يسمي التقريد لا التقليد!

النمط النقدي الرابع، صحافي، بايقاعه وشكل أدائه وأدواته ورؤاه، فهو لم يكتب اصلا ليعيش اكثر من يوم او اسبوع، ولدينا في الصحافة العربية التي حوّلت الصفحات الادبية الي ضاحية فقيرة، وشبه مهجورة نادرا ما تصل اليها الشرايين امثلة تتجاوز اية محاولة للإحصاء او الحصر!

النقد الصحافي له وصفة شبه سحرية، لكنها سرعان ما اصبحت متداولة كورقة نقدية قليلة القيمة، لأن هذا النمط من النقد يبدأ بالتعريف وينتهي بحكم القيمة عبر مفاضلة لا ترتكز الي اي معيار خارج معيار المزاج الذاتي وحسابات الربح والخسارة، وما يتعلق بهذا كله من ثقافة المقايضات والرّبا!

لهذا نادرا ما يجازف نقاد الصحافة بنشر كتب تجمع مقالاتهم، لأنها لو قرئت متجاورة يفتضح سرها، بعكس ما كان يحدث قبل عقود عندما كانت أهم الكتب النقدية هي تلك التي تضم عددا من المقالات المرشحة للحياة… النمط الخامس، استثماري بالمعني الدقيق، يمارسه قراء تراكمت لديهم معرفة يعزّ عليهم الانتشاء بها فقط، خصوصا عندما يرون السائد النقدي وهو ينشر بلا أية مصفاة او غربال، رغم ان النقد بخلاف الابداع افراز عقلي وحضاري بالغ التعقيد ولا نوافذ خلفية فيه للهرب بحجة الحق الوهمي للشاعر الذي لا يحق لسواه!

ويتيح هذا النمط من النقد لمن يمارسونه السرعة والتساهل والاستخفاف، لأنهم مدرجون في قوائم الهواة، وليس المحترفين، والذريعة المتكررة هي تدوين انطباعات تعكس أمزجة قرائية شخصية وبالغة الخصوصية. والنمط النقدي السادس هو ما يمكن تسميته تصفية الحسابات، وممارسة الاعدام الرمزي من خلال الاقصاء، فالناقد يتوهم احيانا انه الحارس الوحيد علي باب جنة الابداع، بل هو صاحب الكلمة الفصل في التقييم والتصنيف، متناسيا انه فرد بين جمع من النقاد الاخرين المختلفين رؤية ومنهجا ومقدرة علي الاكتشاف.

وجذر هذا النقد قد يعود الي ما تورطت به المسكينة ام جندب عندما فاضلت بين قصيدة زوجها واخري لعلقمة الفحل فدفعت ثمن نزاهتها الطلاق والفراق!

والنقد الذي يوظّف لتصفية الحسابات يفوته ان فقدانه للنزاهة يحوله الي مجرد خشبة تصلح مقعدا او آلة موسيقية او عقب بندقية او منصة اعدام!

النمط السابع وهو ليس الاخير الا قدر تعلقه بهذه المقالة، ايديولوجي، يقصي الفن وجمالياته لصالح الموقف الجاهز، مارسه ويمارسه نقاد حزبيون أفرزتهم تنظيمات سياسية احيانا لعدم صلاحيتهم لأي نشاط سياسي او عسكري او دبلوماسي، ثم يتحولون الي دونكيشوتات محرومين من الرفيق سانشو المكلف بابلاغ ذويهم بالانتصار الوهمي علي الطواحين.

ورغم حالة الهجوع التي اصابت النقد الايديولوجي خلال العقود الثلاثة الماضية الا انه عاد الان بكامل اسلحته الوهمية، وغالبا ما يخطيء هدفه فينحاز الي الورم علي حساب العافية، وللزؤان علي حساب القمح!

لكن هذا النمط النقدي قصير العمر، ومرحلي لأن بذرة موته وفقدان صلاحيته للبقاء من صلب منهجه وأدواته… هناك نمط ثامن للنقد قد لا نجد ما يماثله في أي ادب غير ادبنا ولغتنا خلال العقد الأعجف من حياتنا، ولأنه عديم اللون والطعم وكريه الرائحة نعفّ عن الاقتراب منه!!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية