د. ايمن يوسف
تشير اغلب الدراسات والمصادر والادبيات، الاولية والثانوية، سواء كانت وثائق او كتب او دوريات ومجلات او مواقع الكترونية والتي تناولت حركة حماس في فلسطين بالعرض والتحليل، ان الحركة هي بالاساس احد تفرعات الاخوان المسلمين التي تم تأسيسها عملياً في مصر في عام 1928 تحت قيادة الشيخ حسن البنا. ورغم ان الوجود الاسلامي الاخواني في فلسطين يعود الي فترات الثلاثينات والاربعينات من القرن العشرين حينما شارك بعض قيادات العمل الاسلامي في المؤتمر الاسلامي الذي انعقد في القدس في عام 1931، وحث علي انشاء جامعة اسلامية في القدس الشريف تكون منارة للعلم والعلماء، وتكون علي غرار الأزهر الشريف بهدف تثبيت الهوية العربية والاسلامية في فلسطين، وفي القدس علي وجه التحديد. وقد تعزز الوجود الاسلامي في فلسطين، واشتد عوده عندما قام عبد الرحمن البنا ـ شقيق حسن البنا ـ بزيارة فلسطين في عام 1935 ولقائه مع مفتي القدس والديار الفلسطينية، الحاج امين الحسيني. الا ان الانطلاقة الفعلية للتيار الاخواني كانت في عام 1945 عندما قام سعيد رمضان، احد قيادات الاخوان في فلسطين، بافتتاح فرع الاخوان في القدس.
تعمق تأثير الجماعات الاسلامية في فلسطين في اعقاب هزيمة عام 1967 حيث وفرت هزيمة جيوش الانظمة العربية في هذه المواجهة مع اسرائيل مبررات ومسوغات جديدة استغلتها الحركة الاسلامية لادانة الانظمة العربية خاصة القومية والثورية منها لانها فقدت الشرعية الوطنية والقومية عندما خسرت ما تبقي من فلسطين، وفشلت في استرداد القدس الشريف والتي هي اولي القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. ان هزيمة عام 1967 كانت من اهم العوامل والمتغيرات التي اعطت دفعة معنوية واخلاقية عالية للحركة الاسلامية في فلسطين لان الحرب ادانت القوميين والفكر القومي الذي فشل ايضا في تجاربه الوحدوية والنهضوية، فضلاً عن عدم قدرته لتحرير فلسطين التي كانت احد شعاراته العريضة. تلقي العمل الاسلامي في نهاية السبعينات من القرن الماضي دفعة قوية الي الامام بسبب عاملين اثنين: اولهما خارجي تجسد في نجاح الثورة الاسلامية في ايران التي انتصرت علي الشاه والذي كان مؤللاً بالمال والعتاد الامريكي، حيث كان هذا الحدث بمثابة دفعة قوية لكل الحركات الاسلامية التي كانت تحارب وتقاوم الظلم والاستبداد والتسلط، فضلاً عن الاستعمار والامبريالية. اما العامل الثاني فهو داخلي ومرتبط مع اتساع دائرة التعليم العالي في فلسطين ونشوء العديد من الجامعات الفلسطينية كجامعة بيرزيت والنجاح الوطنية وبيت لحم، فضلاً عن الاسلامية في غزة. وقد لعبت هذه المؤسسات التعليمية دورا محوريا في احتضان واستنبات الحركة الطلابية الاسلامية التي كانت، وما زالت تعمل تحت اسم الكتلة الاسلامية. وقد حافظت الكتلة الاسلامية علي وجود قوي داخل حرم الجامعات وتبوأت المراكز الاولي في العمل الخيري والدعوي والتطوعي، ناهيك عن نشر معاني الترابط الطلابي والاخلاق العامة. كانت الانتفاضة الاولي التي اندلعت في نهاية عام 1987 فرصة ذهبية ثمينة استغلتها حماس من اجل تدشين انطلاقتها الرسمية، والتي فعلاً تمت في اواخر هذا العام. ان مشاركة حماس في الانتفاضة الاولي كانت حتمية، وتداخلت ظروف داخلية وخارجية اهمها ان الحركة الاسلامية كانت قد اكملت تقريباً مرحلة الاعداد والاستعداد، وبناء الجيل الايماني المقتنع فعلاً باهمية ترسيخ قاعدة الشرع الاسلامي، وبناء النموذج الاخلاقي لمعالجة مختلف القضايا الحياتية بما فيها مناهضة الاحتلال. واتضحت براغماتية وواقعية حماس السياسية من خلال ربط استراتيجية مواجهة الاحتلال في الانتفاضة الاولي مع الامكانات والقدرات المتاحة، حيث بدأ العديد من قيادات حماس بما فيهم الشيخ احمد ياسين في الحديث عن اشارات ايجابية حول امكانية القبول بالمشروع الدولاني الفلسطيني علي اراضي عام 1967 حينما تقوم اسرائيل باخلاء مستوطناتها، اضافة الي ضمان عودة اللاجئين الفلسطينيين الي ديارهم والسيطرة الفلسطينية الكاملة علي القدس الشرقية والاماكن المقدسة فيها.
بعد التوقيع علي اتفاق اوسلو في عام 1993، عملت حماس ضمن استراتيجية مزدوجة بحيث كان الشق الاول منصبا علي معارضة اوسلو لانها وقعت في وقت كانت فيه الظروف الاقليمية والدولية في انحدار شديد ومواتية اكثر لاسرائيل حيث الدعم الامريكي لاسرائيل والتفكك العربي الرسمي، فضلاً عن الاستحقاقات والمسوغات الشرعية للاتفاق. اما الشق الثاني فهو متصل بفكرة اسلمة المجتمع الفلسطيني من خلال توسيع نطاق الادلجة الشرعية، وبناء تيار اسلامي قوي يخترق كل الطبقات تقريباً بما فيها البرجوازية الوطنية والانتلجنسيا والطبقات الفقيرة والمعدومة. في عام 1998، اصدرت حماس ميثاقها العام الذي تضمن فقرات وعبارات طويلة موحية ان حماس تتفهم الواقع الفلسطيني الجديد الذي يمكن ان يفضي الي دولة فلسطينية مستقلة علي اراضي عام 1967. كما ان عبارات وردت في الميثاق تدل في مضامينها ومكنوناتها انها تتقبل النظام الديموقراطي والذي يمكن ان يتزاوج مع النظام الشوري في مرحلة لاحقة. ان النظام الديمقراطي الشوري، حسب وجهة النظر الحمساوية هذه يجب ان يقبل بنوع من التعددية السياسية والحزبية المتنافسة في انتخابات دورية توصل الي سدة الحكم.
مع فشل مفاوضات كامب ديفيد بين الرئيس ياسر عرفات وايهود باراك برعاية الرئيس الامريكي بيل كلينتون في صيف 2000، تفجرت الانتفاضة الفلسطينية الثانية علي اساس ان تشكل رافعة ميدانية مقاومة ومساندة للعمل السياسي الفلسطيني الذي اصطدم بالتعنت والعنجهية الاسرائيلية، والانحياز الامريكي لاسرائيل. شاركت حماس من خلال جناحها العسكري في يوميات الانتفاضة، واستطاعت الحركة تنفيذ العديد من العمليات الفدائية في العمق الاسرائيلي. وقد شكلت الانتفاضة رافعة ميدانية ساهمت في النهاية في خلق وضعية من توازن الرعب مع الاسرائيليين، علما ان اسرائيل استنفدت كل خياراتها العسكرية والسياسية، ومنها ما كان الاقسي علي الفلسطينيين، وتمثل باغتيال بعض قيادات العمل الوطني الفلسطيني كياسر عرفات، واحمد ياسين وابو علي مصطفي وغيرهم من الشهداء.
تجلي التفكير الحمساوي البراغماتي بشكل واضح من خلال جنوح الحركة الي العمل السياسي قناعة من قيادة الحركة وقواعدها الشعبية والجماهيرية من ان العمل العسكري لوحده لا يكفي بل هو بحاجة الي استراتيجية عمل سياسية تستثمر التضحيات الهائلة التي قدمتها الحركة والشعب الفلسطيني عموماً. ويبدو لي ان التفكير الحمساوي في هذه المرحلة كان يركز علي ان العمل العسكري ليس بالضرورة ان ياخذ طابع العمل الجهادي الماضي الي ما لا نهاية، وانما هو سلسلة من العمليات العسكرية التي يجب ان تستثمر سياسيا من خلال عمل سياسي واع ومنظم. ولعل دخول حماس الانتخابات البلدية والقروية، والانتخابات التشريعية في مرحلة لاحقة قد مثل هذه البراغماتية الناشئة في الخطاب الحمساوي الجديد والمتجدد والذي يحاول ان يتأقلم ويتكيف مع معطيات دولية ومتغيرات اقليمية ومحلية.
تعرف البراغماتية علي انها منهج سياسي واقعي يراعي الجمع بين القدرات والامكانات المتوفرة من جهة، وبين الاهداف والمقاصد التي يجب تحقيقها بحيث لا تتغلب او تقفز هذه الاهداف علي القدرات، وقد تمثل هذا في العمل الحمساوي حيث جنحت حماس الي العمل السياسي عندما وصلت الي قناعة ان ظروف الشعب الفلسطيني قد ساءت، وان هدف المقاومة النهائي يجب ان يكون تثبيت الفلسطينيين علي اراضيهم، وعدم استنزاف كل الخيارات المتاحة.
استغلت حماس مجموعة من العوامل والمسببات في معركتها الانتخابية التي خاضتها في العام الماضي، وعلي رأس هذه العوامل كان العمل الخيري والطوعي المنظم الذي قامت به الحركة في السنوات الاخيرة، فضلا عن انتشار الفساد والترهل الاداري، كما ان الانتخابات القروية والبلدية اعطت مؤشرات حقيقية علي قوة الحركة وتمكنها من القاعدة الشعبية في الشارع الفلسطيني. ومنذ اليوم الاول لفوزها، سعت حماس بقوة الي تشكيل حكومة وحدة وطنية، ولعل هذا هو احد المؤشرات البراغماتية حيث ان هذه الحكومة الوطنية هي بالاساس بين كتل سياسية وايديولوجية تضم الاسلاميين والوطنيين واليساريين. ومن هنا غلبت حماس برنامجها السياسي والاقتصادي الحياتي علي بعض الرموز والشعارات والابعاد الايديولوجية الدوغماتية لخدمة المصلحة الوطنية العامة. فالوطنيون واليساريون الفلسطينيون ـ حسب التفكير الحمساوي ـ يمكن ان يشكلوا جسورا ومواقع صلبة من اجل العبور الي عالم السياسة الدولية المتحفظ اصلا علي مشاركات الاسلاميين في الحكم بسبب صور نمطية وقوالب ذهنية مسبقة شكلتها الادبيات ووسائل الاعلام الغربية حول الاسلاميين والحركات الاسلامية.
ورغم ان مصطلحات ومفاهيم مثل الاسلام السياسي، الاصولية الاسلامية و الاسلام الجهادي قد صيغت في سياقات غربية واسقطت علي الحركات الاسلامية المعاصرة الا ان التعمق فيها يكون بمثابة جني فائدة كبيرة حتي يستطيع الباحث العربي المحايد والموضوعي استخدام مثل هذه المصطلحات، ويلم بعملية اسقاطها علي الاسلامويين المعاصرين. من الظلم والاجحاف تقييم السنة الاولي لحكم حماس في فلسطين دون الاشارة الي الظروف الاستثنائية التي مرت بها القضية الفلسطينية خلال هذا العام حيث قوطعت حماس وحكومتها، وحوصر الشعب الفلسطيني. ومن هنا يجب ان يكون مدخل التقييم الفلسطيني ذا خصوصية واستثنائية حيث يجب ان يراعي مثل هذه الخصوصية، اي خصوصية الحكم من دون سلطة او سيادة. ان انخراط حماس في العمل السياسي السلمي، والفوز بالانتخابات التشريعية، وتقبل النظام الديموقراطي القائم علي دورية الانتخابات التداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات الثلاث واستقلال القضاء واعلاء شأن حقوق الانسان، والمحافظة علي التعددية السياسية والثقافية والحزبية، كل ذلك مثل مؤشرات قوية باتجاه سعي حماس لأدلجة المجتمع واسلمته لكن مع ابقاء السلطة السياسية والمؤسسات الحكومية مكاناً للمنافسة السياسية، والسجال السياسي مع الوطنيين الوسطيين واليساريين.
دخل علي القاموس الحمساوي في آخر عام الاستخدام المكثف لمصطلحات ومفاهيم علي شاكلة الشراكة السياسية، والتعددية السياسية، والنظام السياسي والخيارات الديمقراطية للشعب الفلسطيني، والانتخابات والشفافية والمساءلة، فضلا عن الحقوق المدنية والسياسية وحقوق المرأة وحقوق الاقليات. ورغم ان العديد من المختصين بالشأن الداخلي الفلسطيني، سواء علي صعيد النظام السياسي او الادارة العامة، كانوا قد انتقدوا بعض التعيينات التي قامت بها الحركة من خلال ادخال كوادرها الي الوزارات والاجهزة الامنية حيث ان بعض هذه التعيينات كان قد خلا من الشفافية والكفاءة، الا ان السياق العام للسياسات الحمساوية بقي دون درجة الصدام مع حالة الوضع الراهن الذي خلقته فتح في الوزارات والمؤسسات الحكومية. فالمنهاج الوطني الفلسطيني الذي انهت صياغته وزارة التربية والتعليم العالي في زمن حكومة فتح، قد بقي دون تعديل او تغيير باستثناء توسيع دائرة الاهتمام بالتربية الاسلامية علي حساب المدنيات، اما السياسات التي تخص المرأة وحقوقها، والصحف المحلية والسياسات الاعلامية، والمسارح ودور السينما والمعارض الثقافية، والحريات السياسية والاكاديمية قد تمت المحافظة عليها رغم بعض حوادث الانفلات الامني ضد بعض المحلات التي كانت تبيع كاسيتات وسيديهات محملة بالاغاني الفاضحة.
ان قبول حماس للدخول في حكومة ائتلاف وطني مع فتح، ومع القوي الاخري يمثل تحولاً هاماً في الفكر السياسي للحركة، وان النجاح سيكون بمدي قدرة فتح و حماس علي تبني برامج سياسية واقتصادية قابلة للتنفيذ مع مراعاة الحركة لحالة الضبط والتوازن والتناغم بين العمل السياسي والعمل العسكري.