زهير حمداني
يمثل السعي الي توريث الحكم في الانظمة الجمهورية العربية بدعة سياسية غريبة ومحيرة، فجمهورياتنا غالبا ما تكون اطول عمرا من الملكيات، تعديلا وتمديدا ومماطلة الي ان يشتد عود الورثة ويتشربوا مبادئ الآباء الجمهوريين ونظرياتهم في المحافظة علي الصولجان والتمسك بالملك الجمهوري حتي ما شاء الله ان يكون، ولهم في هذا الباب طرق ومناهج واساليب يبتدعونها ويطورونها ويتداولونها، وان اختلفت باختلاف الواقع القطري والتوازنات السياسية. وحسب دور الورثة ومدي استعدادهم، وفي سياق هذه الظاهرة تعتبر ليبيا حاليا النموذج الابرز حيث تؤكد عدة مؤشرات امكانية تغير واردة وقريبة حيث يتحرك سيف الاسلام في الآونة الاخيرة بنشاط وحيوية ويبدي استعدادا ملفتا وبشكل مختلف بما يعزز رغبة والده ويسندها.
فهو يختلف مثلا عن زميله، جمال حسني مبارك المرشح للخلافة في مصر، والذي يشغل منصبا رفيعا في حزب والده ويتم تاهيله بحرص وتؤدة للوراثة لذلك فهو لا يبدي لهفة ويقبع ساكنا، تحت عباءة ابيه الدافئة منتظرا فعل الزمن ويحافظ علي قدر كبير من الهدوء والحيطة والحذر، متمسكا بخيارات الاب وتوجهاته التي تمضي في النهاية حثيثا نحو تثبيته علي سدة الرئاسة رغما عن ارادة المصريين الذين يتوقون الي تداول حقيقي علي الرئاسة بشكل ديمقراطي شفاف قوامه انتخابات حرة ونزيهة. سيف الاسلام وريث من نوع آخر، ينتهج اسلوبا مختلفا، لا يكتفي بالسير الي السلطة متلفعا بعباءة الاب، قانعا، مترصدا فحسب بل هو يسعي ويتحرك في جميع الاتجاهات ويوفر علي والده الكثير من الجهد ويسهّل عليه الكثير من الخطوات التي من الممكن ان تكون مربكة ومحرجة في التعامل مع مسألة التوريث، ليس علي مستوي القبول الشعبي (فهذا غير مهم وغير مطروح)، بل في ما يتعلق بنظرة الغرب لهذه الخطوة، في وقت تسعي فيه ليبيا لترتيب اوضاعها مع الولايات المتحدة واوروبا. وفي هذا السياق اصبح سيف الوريث والمنقذ لسلطان ابيه من خلال سعيه لبناء جسور مع كل الاطراف الغربية ذات العلاقة بما يمكن من تصفية كل الملفات العالقة والخطيرة والتي تشكل كوابيس بالنسبة للعقيد الهِرم الذي يبدو انه يريد قضاء شيخوخة مريحة بعيدا عن التبعات والمحاسبات وكل اشباح الماضي التي صنعها بنفسه. سيف الاسلام الذي لم يشد اليه الانظار سابقا مثل الكثير من ابناء الرؤساء والملوك العرب واصبح الآن نجما كثير الظهور خاصة في المحطات التلفزيونية الوقورة يروج لافكار تحمل نقدا لاذعا وجارحا لنظام والده وتوجهاته بشكل لم تفعله حتي حركات المعارضة الليبية في الخارج. تصريحات الابن تمس في العمق سياسة العقيد القذافي ونظرياته في الحكم التي ضمّنها في كتابه الاخضر فهو يري ان ما يحصل في ليبيا ما هو الا عملية تزوير باسم الشعب وباسم الديمقراطية المباشرة وهو ينفي الديمقراطية والحرية عن الدولة ويصمها بالاستبداد والتسلط (وان كان لم يضف جديدا) وقد لخص الرجل كل مقولاته وانتقاداته وتوجهاته المستقبلية في التجمع الجماهيري الكبير في مدينة بنغازي يوم 20 اب (اغسطس) 2007 ضمن ما عرف بخطاب الخطوط الحمراء والذي يعتبر سابقة لها دلالات (خطاب آب ـ اغسطس من السنة الفارطة كان متلفزا)… خطوات سيف الاسلام في اتجاه وراثة ابيه تبدو حينئذ شديدة الدهاء، رغم ما يشاع عن صاحبها فهو يجهر بما يهمس به الليبيون ويتداولونه بخوف في مجالسهم السرية المغلقة، وهو يحطم الكثير من المحاذير و التابوهات السياسية التي لم يتجرأ احد علي الاقتراب منها طوال عقود بما يساهم في امتصاص الغضب الكامن في الصدور والتنفيس عن الاحتقان الشعبي تجاه نظام حكم والده… وهو يتبني افكارا وينفذ اصلاحات تدغدغ آمال الكثير من الليبيين في الخروج من حالة التخبط والتيه التي طالت اكثر من اللازم وهو الذي اطلق مشروع معا من اجل ليبيا الغد في آب (اغسطس) 2006… وهو بالتأكيد يمثل اللاعب الرئيسي في هذا الغد الذي يسطره بنفسه، وكل هذه الخطوات وما سيليها علي الصعيد الداخلي تهدف الي تلميع صورته الشخصية واكسابه شعبية تمكنه من ارتداء عباءة الديمقراطي المصلح والتخلص من جلباب الاب الذي تلطخ ببقع كثيرة طوال فترة حكمه المديد، وهو ما استوجب من الشاب التواق الي الحكم ان يضع والده في محور نظرية الخطوط الحمراء التي ابتدعها في خطابه الاخير بما يضمن حصانته ضد اي تبعات مهينة مستقبلا اسوة ببعض الحكام العرب الذين ضمّنوا هذه الحصانة في نصوص الدستور ومواده. وفي السياق الخارجي لهذا المسار كان القذافي الابن قد اسس لعودة العلاقات مع الغرب واشرف علي مختلف خطوات التقارب مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وهو لا يمانع وفق تصريحاته في فتح ليبيا لمختلف مجالات الاستثمار الغربية عامة والامريكية خاصة، وقد حصل الكثير منها فعلا واعلن عن استعداد الجماهيرية منح تسهيلات عسكرية وربما قواعد للامريكيين كما انه لا يمانع في الحديث مع الاسرائيليين والعمل معهم معبرا عن ذلك بقوله لصحيفة هآرتس: ليس هناك اي سبب جوهري يدعو لوجود خلاف ولو بسيط بين الشعبين الليبي واليهودي في كلا الدولتين… وهو حينئذ اذا تميز بكل هذا الادراك للمتغيرات الدولية وهذه الاستجابة للانتظارات الغربية وهذا الحس التطبيعي الاستباقي يمثل كنزا سياسيا ثمينا للولايات المتحدة لا يمكن بأي حال التفريط فيه بل ان مناقبه تلك تشفع لأبيه وتغفر كل زلاته وخطاياه وتبيّض له تاريخه وتبدّل سيئاته حسنات. ان سيف الاسلام هو بلا مواربة رجل المرحلة المقبلة في ليبيا بكل ما تحمله من متغيرات وتحولات وفي انتظار ذلك من المرجّح ان يتراجع دور معمر القذافي تدريجيا، وهو الذي لم يعد فعلا بذلك النشاط الثوري، فقد خفت صوته وفترت همته وقل اندفاعه وضاعت احلامه وطاشت نظرياته وربما سيكتفي لاحقا بدور المرشد العام للدولة او اي تقليعة سياسية جديدة يبتكرها، وسيترك لابنه مهام تفصيل نظام حكم جديد قد يكون قوامه نظرية الخطوط الحمراء بديلا عن الكتاب الاخضر العتيد، فيرث الابن الحكم المديد، الذي تتغير فيه الالوان ويبقي الاصل واحدا. 8