يحسُن ان تنفق المال في تعزيز الطبقات والفئات التي تريد البقاء هنا والمكافحة
بعد ثمانية اشهر من عطلة في مدينة جامعية هادئة لطيفة في الولايات المتحدة، جاءت غيلي ـ وهي بروفيسورة في علم الحياة في الخمسين من عمرها، من الجيل الثاني من ذريات الكارثة واسرائيلية اصلية ـ لثلاثة اسابيع تزور الوطن. التف حولها فورا جميع اصدقائها الكثيرين، يطلبون لقاءها، وسماعها واسماعها.
من اجل التخفيف عنها حددنا لقاء كبيرا كانت فيه ضيف الشرف. بعد ان انتهت من التأثر الانفعالي والتحدث بمبلغ اشتياقها الي الجميع بدأت الاسئلة. كيف؟ ماذا؟ أهي مشتاقة؟ من المحقق انه صعب عليها، لان امريكا كما يقولون هنا. بيد ان اجاباتها لم تُقدم الاجابة المأمولة. قالت بحزن حقيقي تصعب العودة، يُكتشف فجأة مبلغ كون هذه الدولة غير قوية، وقذرة، وكل شيء فيها محطم ومُهمل. بعد أن نحيا هناك فقط ندرك أننا قد أصبحنا دولة شرقية، بالمعني السيء للكلمة. لم أُصدّق أن غيلي، وهي الاسرائيلية الأشد فخرا، تقول هذه الاقوال، لكنها استمرت آنذاك بوطئها المؤلم لقروحنا جميعا. تبين لي مبلغ كون العيش هناك لذيذا، قالت. سهل. كل شيء أسهل. هل تريدون الحقيقة؟ أفهم اليوم ما لم أفهمه قط وهو كيف يستقر رأي الاسرائيليين الأكثر أصالة علي ترك عائلة واصدقاء هنا والانتقال للعيش هناك. الإغراء كبير، صدّقوني.
بقينا ذاهلين. في الاسبوع الماضي، عندما انقضت ايام العطلة، التقينا مرة اخري. وذلك لكي نودعها. قالت لي علي نحو مفاجيء أنا حزينة، الليلة أعود ولا أشتهي المغادرة. اريد البقاء معكم، هنا. من فضلك، أربما تقررين، احتضنتها بارتياح كبير. قررت، جزمت. كل ما قلت قبل ثلاثة اسابيع صحيح. لكن مع مرور الوقت، عندما دهشت أنا نفسي من نفسي، فكرت كثيرا في الاقوال وأدركت أن المكان الوحيد الذي أريد العيش فيه وتربية أبنائي هو هنا. أنا ذات صلة، أنا اسرائيلية، أريد ان أكون جزءا من التجربة الاسرائيلية الشعورية، لان هذا هو معني حياتي بقدر كبير. بعد نصف سنة سأعود الي البلاد، رغم العروض المغرية التي تلقيتها هناك، وهي مُغرية جدا.
منذ ايام كثيرة يجري نقاش حول الكشف الصحافي عن مغادرة 25 ألف عامل هاي تيك للبلاد. الحديث عن 100 ألف اسرائيلي علي الأقل، من البالغين والاولاد، تركونا الآن، ولا يعلم أحد هل سيعودون ومتي. وهؤلاء ناس هاي تيك فقط. زيدوا علي ذلك عشرات آلاف من الاكاديميين في جميع المستويات وهم يُغادرون البلاد، وستحصلون علي كارثة الصهيونية الكبيرة. ان أفاضل أبنائها يتركونها. يقول الجميع ان الامر لسنين معدودة فقط، وأنهم سيعودون، وان كثرتهم الكثيرة تريد العودة لكن هذا لن يحدث، فللحياة حِراكها الخاص، وللولايات المتحدة جاذبيتها الخاصة.
هناك من سيقولون ان هذا ثمن العولمة. فالناس ينتقلون من دولة الي دولة بنفس سهولة انتقالهم من شقة الي شقة. وسيقول آخرون ان الامر كذلك. يختار الناس البالغون مكان سكنهم وهذا لا بأس به. هكذا يجب أن يكون الامر. جميعهم علي حق. ومع كل ذلك لا تستطيع دولة اسرائيل ان تسمح لنفسها بأن تفقد هؤلاء الناس الذين ينتمي أكثرهم الي الطبقة الوسطي أو التي هي أعلي او أدني، والتي تحمل علي كتفيها مئات آلاف لا يعملون، ولا يخدمون في الجيش ولا يُسهمون للدولة.
أدرك هذه الحقيقة أرباب البلاد ايضا، واستعدادا للاحتفالات الستين يُعدون خططا مختلفة يُفترض ان تكون إغراء لاولئك الاسرائيليين المُغادرين ليعودوا الي البلاد. الحديث من جملة ما يُتحدّث عنه عن تخفيفات بمئات آلاف الشواقل، وعن ارسال طلاب ثانويين يقنعون بسذاجة وبحماسة أنه لا توجد لنا ارض اخري وما أشبه ذلك. فلنوفر مالنا لان التسهيلات الاقتصادية لن تُعيدهم الي هنا. سيكون من الأجدي عليهم اقتصاديا دائما البقاء هناك. اذا ما سمعتم عن الأجور التي يحصل عليها هناك اساتذة الجامعات، والاطباء، والممرضات، ومُختصو العلاج الطبيعي، وأناس الهاي تيك، فستدركون انه لن يكون بالامكان إغراؤهم بالمال. وكذلك لن يفتح الثانويون اللطيفون قلب من استقر رأيه علي الانفصال عنا. يجب علينا نحن وهم ان نفهم بمرة واحدة والي الأبد أن ليس الحل في المستوي القومي لخطط خمسية مختلفة. الحل اذا وُجد في المجال العائلي والشخصي.
سيعود من يشعر بأنه جزء من هذه البلاد، ومن الواقع الاسرائيلي. قد يستغرق الامر عشر سنين أو عشرين سنة لكنه سيعود. من يعتقد انه يريد أن يُربي أبناءه علي حسب الروح الاسرائيلية، للحسن والسيء فسيُعيدهم الي هنا لكي يشبوا اسرائيليين. ومن يشعر بالانتماء فسيأتي آخر الامر، أما من لا يشعر فلن يأتي. يحسُن انفاق عشرات ملايين الشيكلات التي ينوون انفاقها علي مُغادري البلاد علي اولئك الذين ما زالوا يناضلون هنا ويرفضون الآن رفضا باتا كل تفكير في مغادرة البلاد: علي الأزواج الشابة، وعلي المُسرحين من الجيش المُعدمين، وعلي العائلات من الطبقة الوسطي التي تحاول البقاء في الصعوبات اليومية في البلاد. اما اولئك الذين أصبحوا هناك فإما أن يعودوا أو لا يعودوا. اذا عادوا فسيكون وضعهم الاقتصادي أحسن كثيرا من اولئك الذين لم يدوروا الدورة كلها، من اجل ان يدركوا أن امريكا هناك لكن اسرائيل هنا. ياعيل باز ـ ملمادكاتبة يسارية(معاريف) 31/8/2007