صبحي حديدي
ا
متطي (إذْ هكذا يتوجب القول!) ظهر قاذفة أمريكية عملاقة من طراز B-2 Spirit، انطلقت به من قاعدة أندرسون الجوية في جزيرة غوام، ضمن مشاركته في المناورات العسكرية الأمريكية التي حملت اسم الدرع الباسل. وفي التغزّل بهذه الأعجوبة العسكرية، كتب يقول: قاذفة هائلة قادرة علي حمل سلاح نووي، تتسلل كالشبح، وقيمتها البالغة 1,2 مليار دولار تجعل باقي الطائرات بضاعة رخيصة. وبعد الغزل، كان لا مفرّ من أن يمارس هوايته الكبري، أي إطلاق النبوءات الأقرب إلي الأمنيات، فقال: هذه هي الطائرة التي ستقصف إيران، عمّا قريب!
طيّار مقاتل؟ ضابط؟ خبير عسكري؟ مراسل حربي؟ مهندس أسلحة فتاكة؟ كلا، بل روبرت د. كابلان، كاتب ومفكر سياسي غزير الإنتاج، وصحافي رحّالة ديموغرافي إثنوغرافي، وكبير معلّقي شهرية أتلانتيك الأمريكية، التي تنشر تحفته الحربية هذه في عددها الحالي، أيلول (سبتمبر). هو، في تسمية أخري لا ينفر منها صاحبنا بل تروق له، عرّاف القرون الكفيل بقراءة غيوب السياسة الدولية وتلاوة تفاصيلها عن ظهر قلب. ولعلّ هذا الإختصاص في قراءة كفّ القرون، وليس العقود وحدها، أو حتّي أنصاف القرون، هو ما يبرّر الخيط الرفيع المتين الذي يجمع الرجل بكلّ من شارلز روبرت دارون (1809 ـ 1882)، أو نظريته في الإنتخاب الطبيعي بصفة محددة، والقسّ البريطاني ونبيّ التشاؤم الإقتصادي توماس روبرت مالتوس (1766 ـ 1834). وإذا كان هذا التكامل عبر العصور والقرون لا يبدو مستغرباً من أناس ينتمون أصلاً إلي أرومة حضارية غربية واحدة، بل ويشتركون في اسم علم واحد علي الأقلّ هو روبرت، فإن المثير أن يكون الآخَر (الشرقي، المسلم، الأفريقي…) هو مادّة الإجتماع والإجماع.
جانب ثانٍ من المسألة يتّصل بالتأثير الواسع الفوري الذي تمارسه أفكار كابلان ونبوءاته، علي قادة الكون وراسمي التخطيطات الأخيرة لمصائر العالم، وصانعي القرارات التنفيذية بصدد تلك التخطيطات. أي، في عبارة أوضح، علي خبراء البيت الأبيض، وعلي ربّ البيت نفسه، بوصفه ضارب الطبل الأول الذي علي إيقاعاته يرقص العالم الحرّ، قبل الترقيص القسري لـ المجتمع الدولي. ويُقال إنّ سرعة التماهي مع تنظيراته تشبه سريان النار في الهشيم، ففي العام 1993 نشر كتابه أشباح البلقان مع سقوط القذائف الأولي في حرب البوسنة، فتلقفته الدوائر المختصة في البيت الأبيض واعتمدته كوثيقة تحليلية كبري وجوهرية. إليزابيث درو، في كتابها علي الحافة، تكاد أن تقسم بأغلظ الأيمان أن نبوءات كابلان هي التي ردعت (نعم: ردعت) إدارة كلينتون عن تطبيق مبدأ إنقلْ القوات، واضربْ، خصوصاً وأن تمزّق يوغوسلافيا العتيقة إلي إثنيات ما أُنزل بها من سلطان كان يبرهن في كل صبح وعشية علي رؤيا كابلان… معمدان ما بعد الحرب الباردة!
بعد عام واحد نشر دراسة كارثية أخري، حول أفريقيا هذه المرّة، بعنوان الفوضي القادمة، اعتبر فيها أن القارّة السوداء لم تعد بكراً ولكنها ساحرة شيطانية حبلي بآلاف الأهوال المرشحة للسفر هنا وهناك في أصقاع العالم، المتمدّن وغير المتمدّن. ومرّة أخري تلقفت الإدارة خطّ تفكير الرجل، بل وذهب تيموثي ورث (مساعد الرئيس للشؤون الدولية، آنذاك) إلي حدّ وصف المقال بـ الإنذار الهام، وأخذ يقتبس فقرات كاملة منه كلما توجّب علي الإدارة أن تواجه قضية أفريقية.
بعدها نشر دراسة مطوّلة عن سلام الشرق الأوسط، ضمّت سلسلة نبوءات تقشعرّ لها الأبدان: سوف يكرّر التاريخ أمثولة البلقان والبلقنة، ومسيحيو الشرق (وكابلان يخصّ بالذكر مسيحيي مصر وسورية والضفة الغربية فقط، ولا ندري السبب في تجاهله لمسيحيي لبنان والعراق والأردن علي سبيل المثال) سوف يلاقون المصير ذاته الذي لاقاه مسلمو البلقان؛ والأحلام الإثنية القديمة سوف تستيقظ من سبات طويل، ثم تنقلب إلي مشاريع دويلات لا تفلح في تهدئة جنونها سوي نيران الحرب وأنهار الدماء؛ وسورية سوف تنقسم إلي دويلات، وستلحق بها مصر، ثم تركيا وإيران.
وبعد 11 أيلول(سبتمبر)، 2001، كان لا مهرب من خروج كابلان علي العالم بصاعقة ـ لطمة، هي أنّ الغرب بعد سقوط البرجين صار بحاجة ماسة إلي… تلبّس الروح الوثنية! كتابه سياسة المحارب: لماذا تحتاج القيادة إلي روح وثنية لم يمنح فضيلة الشكّ لصالح جورج بوش، الخارج إلي أفغانستان والعراق بروح القرون الوسطي وإلهام الملك آرثر وحمية فرسان المائدة المستديرة، وها هو كابلان يريده أن يتحلّي بالروح الوثنية الخالصة: تلك الحكمة الواقعية المتحرّرة من أيّ وكلّ مثال ومثالية، التي تميّز بها أضراب المؤرّخ الأثيني ثوسيديديس (400 ق. م.)، والسياسي والكاتب الإيطالي نيكولو مكيافيللي، والفيلسوف السياسي الإنكليزي توماس هوبز، ورجل الدولة البريطاني ونستون تشرشل.
كان الكتاب صغيراً من حيث الحجم (198 صفحة)، ولكنه انطوي علي ما لذّ وطاب في إشباع شهوة الفتح التي تجتاح البيت الأبيض، ولن يكون عجيباً أن يحمله جورج بوش في جيبه أينما حلّ وترحّل. وكيف لا يفعل إذا كان كابلان يشدّد علي قاعدتين أساسيتين في الروح الوثنية المطلوبة اليوم: أنّ أمريكا ليست معنيّة بكلّ هذا الهراء حول حقوق الإنسان؛ وأنّ أمريكا ليست مدجّجة بما يكفي من الأسلحة، وينبغي أن تتسلّح أكثر وأكثر!
وكيف يُلام، إذاً، علي كلّ ذلك الغزل بالقاذفة الأمريكية الساحرة الفاتنة الأعجوبة!