صلاح سرميني
في الفترة الأخيرة، تسني لي متابعة مهرجانين عربيين، الأول هو (المهرجان الدولي للفيلم العربي)، والذي انعقدت دورته الأولي في وهران/الجزائر خلال الفترة من 28 تموز (يوليو)، وحتي 3 آب (أغسطس)، والثاني هو (المهرجان الدولي لأفلام الهواة)، والذي انعقدت دورته الـ23 في قليبية/تونس خلال الفترة من 11 وحتي 18 آب (أغسطس) 2007. ظاهرياً، المُقارنة بين المهرجانين صعبة، معقدة، مجحفة، وغير عادلة.
ولكن، سوف أتورط فيها عمداً كي أتوصل إلي نتائج تكشف عن حال المشهد المهرجاناتي العربي، والسينما العربية، انتاجاً، توزيعاً، وثقافة. يشترك الاثنان بانعقادهما في بلدين مغاربيين متجاورين، تجمعهما سينما مختلفة أثبتت جدارتها، ونوعيتها علي مر تاريخها.
وبفخر، تتذكر أدبيات السينما ما قدمته الجزائر من أفلام، ومخرجين: الأخضر حامينا، أحمد راشدي، مرزاق علواش، عبد العزيز طولبي…. وما قدمته تونس منهم: نوري بو زيد، الطيب الوحيشي، فريد بوغدير، مفيدة تلاتلي… ووصلت أفلام البلدين إلي أهم المهرجانات العربية والدولية، وحققت نجاحاً مُبهراً، وحصدت جوائزها الكبري.
ولأن البلدين علي مقربة (تاريخية، وجغرافية) من أوروبا، فرنسا خاصةً، فقد استفاد صناع السينما فيهما من الثقافة الفرانكوفونية التي انعكست سلباً، وإيجاباً في أفلامهم، وفي مدن الجزائر (سينماتك) لا تتوفر في أي بلد عربي آخر، بينما تتباهي تونس بالجامعة التونسية لهواة السينما (FTCA)، ونوادي سينما في طول البلاد وعرضها، وأكثر ذلك، تحتفي بمهرجانات عريقة، أهمّها علي الاطلاق (أيام قرطاج السينمائية). بمعني، يمتلك البلدان المُعطيات الضرورية لتأسيس مهرجانات علي مستوي عال من البرمجة والتنظيم.
ولكن، لماذا جاءت الدورة الأولي للمهرجان الدولي للفيلم العربي في وهران مخيبة للآمال، علي عكس الدورة الـ23 للمهرجان الدولي لأفلام الهواة في قليبية؟
علماً، بأن الأول مهرجان محترف، ينظمه محترفون، والثاني مهرجان هاو ينظمه هواة. الذريعة المُعلنة، والمتوقعة، بأن مهرجان وهران يحتاج إلي دورات أخري من الخطأ، والصواب كي يتفادي ارتباكاته البرمجية، والتنظيمية، بينما يتمتع مهرجان قليبية الهاوي بعمر مديد (23 دورةً دولية، و23 دورة وطنية علي مدي 46 عاماً). وعلي الرغم من الميزانية المريحة التي تمتع بها مهرجان وهران، وظهر ذلك من عدد المدعوين، ونوعيتهم، ومحاولات الاهتمام بهم، ومنها طائرة خاصة نقلتهم من الجزائر العاصمة إلي وهران، وبالعكس، والأهمّ زيارة مفاجئة (أو مخططة مسبقاً) للسيد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وتحيته لضيوف المهرجان، وهي مبادرة (تجميلية) لم تحدث في أي مهرجان سينمائي عربي آخر، وكانت من أكثر الأسباب إرباكاً للتنظيم. بعد متابعة المهرجانين إذاً، وقراءتهما من مسافة زمانية (متعمدة) عن تاريخ انعقادهما، فإن ما تبقي في ذهني عنهما يستحق التفكير، والنقاش، ومجموعة النقاط التي سوف أوردها تباعاً قابلة للاقتناع، أو الرفض، دون الحاجة لردود فعل متشنجة، ومألوفة في حواراتنا العربية (للأسف)، لأنني ـ هنا ـ لا أدعي تقديم وجهات نظر ثابتة، وغير قابلة للتعديل، ولا أرغب من ملاحظاتي هذه أن تقلب موازين، ومعادلات السينما العربية، ومهرجاناتها.
مهرجان وهران، أتمني أن يكون متواجداً قبل دورته الأولي، وبعدها، فهو ودون (مزايدات) إضافة حقيقية للمشهد المهرجاناتي العربي، بهدف تدعيم دورة الإنتاج السينمائي، وتطوير الثقافة السينمائية المحلية، وأن يبدأ المهرجان بكل عقباته، أفضل بمليارات السنوات الضوئية من أن لا يري النور أبداً، هذه بديهية لا جدال فيها.
ولكن، كما بدا لي، ولآخرين، بأنه انطلق من تظاهرة استثنائية كبري (الجزائر عاصمة للثقافة العربية)، وهو واحد من أنشطتها التي حفلت بها عموم المدن الجزائرية، وكان المهرجان من نصيب وهران لأسباب معلنة لم نَعِها، أو نتعرف عليها علي أرض الواقع خلال فعاليات المهرجان، ومع بهتانه، وانحسار المتفرج المحلي عنه، كان الأجدر بأن ينعقد في الجزائر العاصمة.
هو إذاً مهرجان مناسباتي، احتفالي تمّ تنظيمه، وبرمجته علي عجل، ربما قبل ثلاثة شهور (وهي غير كافية لتنظيم مهرجان). كما طغت أشكال (كرم الضيافة) علي نشاطاته السينمائية المأمولة، فأزاحت بعضها، وألغت أخري، وبسببها (وليس بفضلها)، اختفي أي نشاط سينمائي بعد الثامنة، وأحيانا السادسة مساءً، وحاول المهرجان تقليد احتفاليات مهرجانات عربية أخري مثل دمشق، القاهرة، ودبي، دون امتلاك خبراتها بالتوفيق ما بين نشاطها السينمائي، والاحتفالي.
ومن الملاحظات المؤلمة لأي ضيف مخلص للسينما، فراغ القاعات الثلاث المخصصة للعروض، إلاّ من جمهور وهراني عابر، قاده الفضول وحده للدخول إلي قاعات كئيبة، ليحتمي من حر الصيف، أو علي أكثر تقدير، ليشاهد ما لم يتوفر له خارج إطار هذه الاحتفالية (كانت القاعات قبل ذلك مغلقة منذ سنوات)، بينما (والحمد لله)، كانت الحفلات الليلية أكثر دقة، وتنظيماً، وانضباطاً، ومكتظةً، ونشيطةً، وعامرة بما لذ، وطاب من أطعمة تشتاقها الأفواه الجافة، والعابسة في شوارع المدينة.
لا أدري لماذا تصر المهرجانات السينمائية العربية علي إثبات كرمها الغذائي، وبالآن، تصدع رؤوسنا بامكانياتها المحدودة عندما يتعلق الأمر بنشاطات سينمائية حقيقية؟
ولا أدري لماذا يعتقد منظموها بأن صناع السينما، ومثقفيها جياع، فيهتمون بالولائم أكثر من السينما.
سوف يذكرني هؤلاء بأمثلة أبدية، وخاصة بما يحدث في مهرجانات كبري، مثل كان، وبرلين، وفينيسيا… ويؤسفني بأن ثقافتهم السينمائية/المهرجاناتية تنحصر في مثل هذه المهرجانات فقط، واحتفالياتها بالتحديد، بينما هم غائبون غالباً عن مئات أخري تستحق بأن نستوحي منها، ونستفيد من خبراتها، وتجاربها، وبرمجتها، أو علي الأقل نقلدها.
علي حين جاء مهرجان قليبية متواضعاً، بسيطاً، هادئاً، قنوعاً بإمكانياته، وهو الذي تأسس عن رغبة حقيقية في صنع الأفلام، ونشر، وتطوير الثقافة السينمائية.. والزحام الذي تشهده عروض (أيام قرطاج السينمائية)، والذي عاينته من جديد في قليبية، يشعرك بأن جهود الجامعة التونسية لهواة السينما لم تذهب هباء.
لقد كانت روح الهواية تطغي علي مهرجان قليبية إلي حد الاحتراف، فتحسب نفسك في مهرجان محترف، وموجه للمحترفين، وكانت السينما هي الهم الأكبر لضيوفه العرب، والأجانب، وأهل البلاد، وخاصة أعضاء النوادي، ولم يمنعهم ذلك من الاستمتاع الأقصي بالمدينة، وجمالها، وبحرها، وسهراتها المرتجلة إلي ساعات متأخرة من الصباح.
والأطرف في قليبية، طبيعة الجمهور الذي لا يتذمر من (ثلاثين دقيقة إلي ساعة) تأخير روتينية رافقت كل فعاليات المهرجان، وأضفت الهزل، والمرح علي أجوائه، علي عكس حالات التأخير، أياً كان مصدرها، وأسبابها (التنظيم، الضيوف، نزوات المخرجين، اعتذارات السينمائيين، وزيارة السيد الرئيس..) تلك التي حدثت في مهرجان وهران، وأربكت كل اللقاءات، والندوات، والعروض، وزادت من حالات الكآبة المسيطرة علي أجواء المهرجان لولا تواجد الشاب خالد وتواضعه، وطيبته، وروح المرح، والهزل التي يتمتع بهما، وهي سمات، وصفات أذهلت الجميع بمن فيهم المصريون ملوك الدعابة، والنكتة، والدم الخفيف. كنت واحداً من الذين فكروا بالعودة إلي أوطانهم بعد يومٍ، أو يومين من متابعة مهرجان وهران، بينما ذهبت حزيناً إلي مطار قرطاج الدولي في اليوم التالي من ختام مهرجان قليبية، وكدت أقفز مبتهجاً عندما أخبرتني موظفة شركة الطيران التونسية بإلغاء موعد عودتي (لأنني لم أؤكد الحجز قبل أيام)، وتأجل سفري يومين إضافيين في تونس (بضيافة مهرجان قليبية/ ووزارة الثقافة) كنت أتمناهما أكثر كي أتمكن من متابعة (ملتقي هرقلة السينمائي)، لولا ضرورة عودتي إلي باريس، والاستعداد للسفر إلي (قازان) عاصمة جمهورية تاتارستان لمتابعة فعاليات الدورة الثالثة للمهرجان الدولي لسينما الدول المسلمة. واحدة من الملابسات المتعلقة بمهرجان وهران، وغموض توجهاته المستقبلية، هي (عنوانه) نفسه (المهرجان الدولي للسينما العربية). ـ ماذا يعني ذلك العنوان بالضبط؟
ـ كيف يمكن أن يكون المهرجان (دولياً) للسينما العربية؟
ـ لماذا يرفع المهرجان شعاراً كبيراً، وفضفاضاً، وهو في أمس الحاجة إلي خصوصيته العربية؟ ـ هل إلصاق (الصفة الدولية) علي المهرجان سوف تمنحه مكانةً متميزة، ومختلفة عن باقي المهرجانات العربية؟
ـ هل عرض أفلام إسبانية (وهي لم تعرض أصلاً بسبب الارباكات التنظيمية) مبرر كافٍ للاستنجاد بالصفة الدولية؟ ـ هل يعرف المنظمون بأن أهمية أي مهرجان، تكمن في خصوصيته (مونبلييه، آميان، نانت، كليرمون فيران، مارسيليا، لاروشيل، كريتيي، سينما الحقيقة…)، وأن أي واحد لا يشبه الآخر؟
ومع ذلك، كتب رئيس المهرجان السيد (حمراوي حبيب شوقي) كلمةً افتتاحيةً في الدليل الإعلامي مستغرباً: ـ لستُ أدري لماذا كلما أطلقنا الصفة العربية علي أي فعل ثقافي، هناك من يأتي ليزايد علينا.. لماذا تضعونه في قفص الغيتو العربي؟
من هؤلاء المزايدون، وأين كتبوا، وأين عبروا عن مزايداتهم؟
والحقيقة، أن من (يزايد)، ومن (يناقص) ينتظر أي مبادرة سينمائية عربية خالصة، فهي نادرة، ولا يوجد مهرجان واحدٌ في الجغرافيا العربية مخصص حصراً للسينما العربية، بينما ظهرت تلك المبادرات، ومنذ زمن، في باريس، روتردام، نيويورك، بروكسل، وحتي في اليابان…. وهي مرشحة في بلاد الواق الواق إلاّ الدول العربية.
أن يكون مهرجان وهران (دولياً) للسينما العربية، فهو كحال اللهجة الجزائرية المركبة من خليط مشوه من العربية، والفرنسية (وربما بعض الإسبانية، والامازيغية). أما مهرجان قليبية، وعلي الرغم من صغره، وتواضعه، وإمكانياته المحدودة.. فهو(دولي) بحق، علي الأقل فيما يتعلق باختيارات مسابقته الدولية، بالإضافة لمسابقته الوطنية، ومسابقة أفلام المدارس. ويكتسب (دوليته) من الأفلام القادمة من كلّ أنحاء العالم، لا من رغبة هوسية يبحث عنها مهرجان القاهرة (مثلاً) من أروقة مكاتب (الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام FIAPF)، ولا من عنوان قسري، غامض، وملتبس اختاره مهرجان وهران بتسرع.
وعلي ذكر الأفلام، والبرمجة تحديداً، وهي الأهم في أي مهرجان بعيداً عن حسنات، أو سيئات تنظيمه، فقد كانت حصيلتي من وهران 10% من أفلام لم أشاهدها مسبقاً، هي تحديداًُ الأفلام الجزائرية الجديدة، بينما شاهدت الكمّ الباقي (قصيرة، وطويلة) في مناسبات أخري خلال السنوات الثلاث الماضية، وهذا يعني، أن المهرجان لم يضف لي جديداً، ولا يعنيني حصيلة ضيوف لا يكترث معظمهم بمشاهدة الأفلام أصلاً، لا في وهران، ولا في غيرها، من بينهم أشخاص التقيت بهم صدفة في الطائرة التي نقلتنا من الجزائر إلي وهران، ومرة أخري، بالصدفة أيضاً، في الطائرة التي نقلتنا من وهران إلي باريس، أشخاص يحومون من بعيد حول فيلم من أفلام المسابقة، ولا يمثلون، لا الجهة الإنتاجية، ولا الفريق التقني، أو الفني للفيلم، وطبيعة عملهم الإعلامية التقنية لا تؤهلهم للذهاب إلي أي مهرجان غير الذي يعملون من أجل الترويج له، فكيف، ولو كان ذلك الضيف مصحوباً برفيق، أو رفيقة، زوجاً، أو زوجة.. بينما هناك العشرات من صُناع السينما، ومثقفيها أكثر فائدةً للمهرجان، وللثقافة السينمائية العربية.
كان الأحري بمهرجان وهران التدقيق أكثر في قائمة ضيوفه (وهي رغبةٌ موجهة لكلّ المهرجانات العربية المُتساهلة) كي يتفادي دعوة صحافي/ة لا يعرف من هو (الأخضر حامينا)، ولا يتساءل ما هي الجائزة التي حصل عليها؟! أو الاحتفاء بممثلة معتزلة لم نشاهدها مرة واحدة في قاعة عرض.
بينما وصلت حصيلتي في مهرجان قليبية إلي 90% من أفلام لم أشاهدها مسبقاً، بالإضافة لمشاهدة أفضل أفلام السينمائيين الهواة في تونس، وهي فرصة لن تتحقق في أي مهرجان آخر، كما الحال مع الأفلام الخليجية التي نشاهدها من خلال (مسابقة أفلام من الإمارات)/ أبوظبي. وهي الخصوصية التي لم يعِها مهرجان وهران منذ البداية، وكان عليه أن يتشبث بالسينما العربية، والجزائرية تحديداً، فقد تساءلت، كما غيري عنها في مهرجان جزائري، ولماذا لم يخصص لها برنامج استعادي لتعريف الضيوف، والجمهور المحلي علي بعض أهمّ علامات السينما الجزائرية، بدل الذهاب (عنوةً) إلي صالة العرض لمشاهدة فيلم سبق لي أن شاهدته، وأكثر من ذلك، تحمّل الأحاديث الجانبية، وضوضاء دخول وخروج اعتباطي لجمهور فقد عادة الذهاب إلي السينما، وصرير أبواب صدئة، ورنين هواتف محمولة، شريط صوتي مباشر يطغي غالباً علي الشريط الأصلي للفيلم، وممارسات لا يفكر منظمو المهرجانات العربية بتفاديها، ويتساهلون معها بغرابة، وهي لوحدها تحوّل حرمة واحترام الفرجة السينمائية إلي جلسة عائلية أمام شاشة التلفزيون.
وبينما خصص مهرجان وهران ثلاث قاعات لعروضه، كان من نصيب مهرجان قليبية صالة اجتماعات في مدرسة الصيد البحري، ومسرح الهواء الطلق لدار الثقافة، وهي ليست قاعة عرض سينمائية أبداً ولكنها كانت مثالية لجذب الجمهور المحلي، بينما لم يستغل مهرجان وهران مسرح الهواء الطلق في المدينة، وبدل أن يخصص عرضاً ليلياً لفيلم ما جماهيري، أو نخبوي، ويحقق الفائدة المرجوّة، فقد اقتطع من وقت المهرجان، ونشاطاته السينمائية ليلتين، خُصصت الأولي لكاظم الساهر، والثانية للشاب خالد، ومعهما اختلطت توجهات المهرجان المعلنة، والمضمرة، وطغي الجانب الترفيهي علي الهمّ السينمائي، وتعددت التساؤلات من نوع: ما علاقتنا نحن صناع السينما، ومثقفيها بهذا الكرم الاحتفائي/الغنائي البعيد عن السينما التي ذهبنا من أجلها إلي وهران؟
وماذا يضيف كاظم الساهر، والشاب خالد لواحد مثلي، أو لأي ضيف آخر، ولم تكن حفلتاهما إلا إعادة لأغانيهما القديمة التي نشاهدها، ونسمعها ليلاً، ونهاراً في معظم القنوات العربية، والأجنبية (بالنسبة للشاب خالد). بينما كانت الأفلام الجزائرية التي كنا نتمني اكتشافها مـــن جديد حبيسة علبها تنتظر أي فرصة لعرضها علي الجمهور، وهل هناك فرصة أهمّ من مهرجان سينمائي في الجزائر؟
ہ سينمائي من سورية يقيم في باريس