حيلتان وذاكرة

حجم الخط
0

الياس خوري

لخّص طرفة بن العبد الحياة بثلاث يصنعن لذة الفتي: الخمر والمرأة والحرب، ومات وهو في العشرينات من عمره. ماذا كان ليقول لو عاش حتي الثمانين؟ هل كان سيسأم مثلما سئم زهير بن ابي سلمي من تكاليف الحياة، ام كان سيري بأسي كيف وثب به الزمن، كأن الحياة ليست سوي ذاكرة الحياة، كما كتب المتنبي؟

حكاية موت طرفة شابا ليست هامة بالنسبة له او بالنسبة لنا، فالاموات لا اعمار لهم، او هم جميعا في عمر واحد، لان برزخ الآخرة يختلف عن برزخ الدنيا، ولأن الذاكرة لا تحتفظ من الموتي سوي بحكاياتهم، متجاهلة التفاصيل التي يمحوها الزمن.

كان طرفة الشاب يريد تقصير الوقت وتسريعه، فكتب في معلقته:

وتقصير يوم الدجن والدجن مُعْجِبٌببهكنة تحت الخباء المعمّدالمرأة ـ البهكنة تقصّر اليوم الممطر، وتقضي علي السأم. الحب والحرب والخمر، ثلاث يتحدين الزمن ويختصرنه، فنبدد الحياة بهن مثل لحظة واحدة تمتزج فيها الازمنة.

حين تغيب هذه المتع الثلاث في الكهولة، لا يبقي امام زهير سوي السأم، وتحتل الحكمة مساحة العمر، كأن الحياة ليست سوي عبرة. غير ان المتنبي، وهو شاعر الحكمة بامتياز، يمتلك رأيا آخر، فالعمر، وشبابه ولحظات المتع تصير كأن لم يكن: وكيف التذاذي بالضحي واصائلياذا لم يعد ذاك النسيم الذي حبايذكرني وصلا كأن لم افز بهوعمرا كأني كنت اقطعه وثبا.

حتي الوصل صار كأنه ما كان، فالعمر يثب، والحياة تمضي، والذاكرة مخادعة لانها لا تحمل من الاشياء سوي ذكريات رائحتها وطعمها.

لكننا لا نجد، في كل لغات الارض، اسماء دقيقة للروائح او النكهات. نصفها بغيرها، ولا نستطيع تمييزها عن بعضها البعض، الا في شكل سلبي، وبذا تصير ذاكرة الاشياء مجرد اطياف لما كان.

عدم وجود كلمات محددة للروائح والنكهات، دليل علي عجز اللغة عن الاقتراب من الحميمي والداخلي، الذي يبقي بلا ادوات تعبر عنه، ويصير كقبض الريح، جاعلا من ذاكرة المرء ملعبا للنسيان.

سؤال الحياة في الثقافة والأدب، هو سؤال الذاكرة. كيف ستقوم الذاكرة بتلخيص حيوات مئات الملايين من البشر، بكلمات قليلة، لا تقول سوي اختصارها لاعمار خالها طرفة لا تنتهي، وتحتاج الي من يقصّرها، كي يستطيع الشاعر احتمال بطء الزمن.

نقول في كلامنا اليومي، عن لعب الورق، او غيره من وسائل المتع الصغيرة، بأن الانسان يقوم باضاعة الوقت، او قتله. اي اننا نقتل الزمن، كي نكتشف خطأنا الفظيع حين نقترب من النهاية، ونري كيف خدعنا العمر ووثب بنا الي الموت.

لا أدري كيف احس طرفة بالزمن، عندما طلب من قاتله ان يعطيه كأس خمر وهو يفصد له شريان قدمه، كي يموت بطيئا، مستبدلا روحه التي تنزف بروح الكرمة، كما وصف ابو نواس الخمرة.

تروي لنا الحكاية كيف مات الشاعر، لكنها لا تروي بماذا شعر وهو يطيل موته، لأن الشاعر كان يبحث في تلك اللحظات عن نكهة الحياة ورائحتها، والنكهة والرائحة لا اسماء لهما. اما المتنبي فلم يقل لحظة موته سوي ان شعره قتله. الشعر الذي كتبه الشاعر كي لا يموت، ويبقي حيا في ذاكرة الناس، صار اداة موته! في تلك اللحظة الرهيبة، حين هم الشاعر بالهرب من قاتليه، واجهه خادمه بأبياته.

تقول الحكاية ان الخادم حين رأي سيده علي وشك الهرب، قال له ألست انت القائل: الخيل والليل والبيداء تعرفني.. جمد المتنبي في مكانه، وتذكر بيتا آخر: ومن لم يمت بالسيف مات بغيرهتعددت الأســباب والموت واحـد.

كما مر في ذهنه انه قال: نعـد المشـــرفية والعواليوتقتلنـــا المنون بلا قتال.

فقرر ان لا مفر من مواجهة الموت، ولعن الخادم الذي حفظ اشعار سيده، مثلما حفظها ويحفظها الكثيرون: وما الدهر الا من رواية قصائدياذا قلت شعرا ردد الدهر منشدا.

لم يكتب الرواة ماذا دار في ذهن الشاعر قبل ان تقتله المجموعة التي قيل ان خال ضبة قادها، ثأرا لشرف اخته المهدور، في اسوأ قصيدة كتبها ابن سقاء الكوفة.

المعالي التي صارت دار غربة، كما كتب المتنبي في هجائه لضبة وامه الطرطبة، كانت الفخ الذي وقع فيه الشاعر، من دون ان يمتلك اي خيار آخر.

في لحظة المواجهة بين الشعر والحياة، صار الشعر هو القاتل، بعكس ما يعتقده الشعراء والادباء، فالأدب ليس وسيلة لمواجهة الموت، بل هو احد اشكاله، بل شكله الوحيد الذي يتحلي بالجمال.

لذا يستطيع الادب ان يخاطب الموتي كما يخاطب الاحياء، بل ربما كان الجسر الوحيد بين عالمين لا تواصل بينهما، الا عبر الكلمات، التي تضع ذاكرة الاحياء والاموات معا.

لكن للذاكرة خياناتها، فهي تحتفظ بما تشاء لنا، لا بما نشاء لها. والصراع في الذاكرة وعليها، هو لب التجربة الادبية. لذا احتال رواة القصص والحكايات، علي حيل الذاكرة، بحيلة الالتباس. تبدأ الحكاية الشعبية بعبارة كان يا ما كان، اي كان او لم يكن، يصير من المحتمل للذي كان ان لا يكون، مثلما يستطيع الذي لم يكن ان يكون. حيلتان تتصارعان امام الزمن، حيلة الموت التي تحيله الي ماضٍ بلا ذاكرة، وحيلة الأدب التي تجعل من مزق الذاكرة ماضيا لا لما كان فقط، بل ايضا لما سيكون.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية