تغريدة مكاوي سعيد الروائية: تأبين لواقع أم حلم مكذوب؟
القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من محمود قرني:
تنخلع الرواية الجديدة في مصر ـ شيئا فشيئا ـ من محاولات التنميط التي أصابتها في السنوات العشر الأخيرة علي الأقل، فرواية السيرة الذاتية ـ نوفيلا غالبا ـ التي طغت علي اتجاهات الكتابة الشابة، مستجيبة لدرجة عالية من الرغبة في الانقلاب علي صورة الأيديولوجيا في الرواية الراسخة، الستينية تحديدا، بتجذيراتها الواقعية الفائضة. كانت ـ الرواية الجديدة ـ تستهدف التأكيد علي النزوعات الفردية، واستعادة الذات التي تحولت إلي هوية مرفوضة غالبا من تلك الاتجاهات، غير أن ما حدث في الواقع أن الكثير من المآخذ والأعطاب عطلت النمو الطبيعي للوعي الجديد، فبدا المشهد مأزوما خلال فترة وجيزة، وهو ما ساعد بعض الروائيين الجدد علي التمرد والنكوص في آن معا، وعادت الكثير من الأعراض التقليدية في أثواب جديدة، لتعير لنا صورة متوازنة لفكرة الوظيفة الفنية، فعادت اللغة المركبة بمستوياتها الدلالية المتعددة، وعاد الصوت الملحمي، والواقعي، والخطاب الأيديولوجي وإن كان ذلك يتم بوعي جديد ومتقدم يتجاوز فكرة الراوي عن الأنا المطلقة، صانعة الحكاية، وخالقة الخيال.
وتعتبر رواية تغريدة البجعة للروائي مكاوي سعيد، وهو أحد روائيي جيل الثمانينيات، في هذا السياق المتمرد علي النمط الذي شاع في السنوات الأخيرة، وهو وعي يكشف عن نفسه عبر قدرة الحكي الفائقة علي تشريح الواقع شديد التناقض وشديد الصراع والثراء في الوقت نفسه، وذلك عبر آليات تستريب في كل ما تم الاعتقاد أنه مؤثر وموجه في حقبة ما بعد الحداثة في وجهها العولمي، لذلك لا تخشي الرواية من الخوض في الصراع الطبقي، وصورة العمل السياسي لشباب يتشكل داخل وخارج أسوار الجامعة، وصورة الفن والإبداع وما آل إليه الوضع الاجتماعي والمفاهيم العامة التي تؤطره وتسيطر عليه، والكشف عما سمته الرواية صورة الوهابية الجديدة في المجتمع المصري.
وإذا عرفنا أن تغريدة البجعة هي آخر تجليات حياتها، فإن الرواية الصادرة تحت الاسم نفسه عن دار الدار للنشر ستكون بالفعل وبقليل من التصويت التنهيدة الأخيرة لواقع يحتضر، هو واقع الراوي البطل وكل ما يحوطه، وهو مزدحم، وموغل في الضجر والألم.
فرواية سعيد الحاشدة، الممتلئة والمكتنزة 290 صفحة بعيار أيامنا تعد سجلا مأساويا بحق لشبكة متضخمة من العلاقات المعقدة التي تستعصي علي الحصر، فهي مضمار لصراع طبقات عجيب، أنصاف متعلمين، وأشباه، وشعراء، وفنانين، وصحافيين، وقتلة ومستشرقين جدد يحتلون الكثير من صفحات الرواية، وجمعيات حقوقية تمارس الدجل وفضح المجتمع بصور مختلفة تحت وطأة التشرد والجوع والفقر، كما يتبدي ذلك في محاولات انتاج فيلم عن أطفال الشوارع والكشف عن تفاصيل مخزية وغير إنسانية في حيواتهم المريبة دائما، عبر شخصية مارشا الأمريكية التي تبدو محركا أساسيا للأحداث في الرواية، فهي رفيقة البطل وعشيقته، وتظل العلاقة بينهما ملتبسة طيلة الرواية رغم انه يؤكد دائما علي شخصيتها التسلطية غير المحتملة، لكنها تبدو شخصية مؤثرة في محيط الجالية الأمريكية، ولا تمنع الراوي علاقته بمارشا عن إقامة علاقة عابرة كادت تنتهي بالزواج من زينب، الصحافية الشابة القادمة من جنوب مصر، والتي تنحدر من أسرة شديدة الفقر، تكشف العلاقة الجسدية مع البطل عن تلك الندوب والأقاديد الروحية التي تكتنف حياتها، فهي تدعي أنها عذراء، حتي تدق طبول العراق الجسدي فيكتشف البطل انها إمرأة مجربة، فتضطر إلي الاعتراف له بأن أول من اغتصبها وحولها إلي امرأة هو خالها، وتتوالي الأحداث حتي تتزوج زينب برجل مكسيكي وتذهب معه إلي هناك مدعية لأهلها أنها ستذهب مديرة لمكتب جريدتها في المكسيك.
ثم يستطرد البطل في سرد تلك التفاصيل البازخة عن حياته برفقة صديق عمره الفنان التشكيلي عصام الذي عايشه في مصر ثم سافرا معا الي الكويت ثم إلي السعودية، ويفضح من خلال المكان تلك العقلية التي أنتجتها الثروة النفطية الريعية ويعرض لشخصية أحد المصريين المقيمين بالمملكة منذ ربع قرن بعد أن حصل علي كل شيء يتمناه، ومع ذلك فهو مصر علي أن يبقي وعندما يسأله الراوي لماذا لا تعود إلي مصر يقول له لن أغادر السعودية أبدا حتي لو لم يتبق فيها غير الملك وأنا، بينما الملك يقف بيده ريالان فوق قمة جبل أحد، بعد أن يعلن إفلاس المملكة، حينئذ فقط سيصعد إليه ويقتسم معه الريالين، ثم يرحل.
ثم ينتقل البطل الي فصل جديد من سيرته بصحبة مدير الانتاج السينمائي القديم يوسف حلمي الذي عاش حياة هادئة وحيدا بعد رحيل زوجته وزواج ابنه الوحيد، وتتنامي العلاقة حتي يستطيع أن يحصل علي مذكرات كاملة من يوسف حلمي، ثم فجأة يتحول ابنه الي رجل مدجن في صفوف الجماعات الإسلامية فيبدأ باضطهاد والده موجها إليه النصح والإرشاد الدائمين بأن حياته حرام في حرام ويبدأ بنفسه في التخلص من حاجيات الرجل وهو حي، سواء كان ذلك فيما يتعلق بالتسجيلات النادرة أو الصور والهدايا والنياشين، ثم يصل الأمر به إلي التعدي علي البطل وإهانته وطرده بدعوي أنه يساعد الأب علي الفساد.
يقول الراوي: هذا البغل شريف لم يعطني فرصة لاحتضان أبيه ووداعه، أمسك بياقة قميصي كما تمسك سيدة المنزل بالأرنب المدجن، أبعدت يده بعنف مكتوم فثار وراح يتهمني بأنني لص استغل عجوزا مخرفا للكسب من وراء حكاياته الخرفاء، ثم هددني بأفاعيل كثيرة، كان يوسف حلمي يصرخ بوهن كي يمنعنا من التشاجر.
وبعد أن مات الرجل الذي شارك في انتاج أعظم أفلام السينما المصرية في غرفة العناية المركزة، لم يقم ابنه بالإعلان عن وفاته بأي طريقة من الطرق، ورفض ابنه أن يدفنه في المدفن الذي اشتراه بنفسه قبل رحيله من نقابة المهن التمثيلية ودفنه في مدفن خاص بعائلة زوجته المنقبة، مفرقا بينه وبين أمه التي أوصي يوسف حلمي بأن يدفن إلي جوارها.
ثم يعرض الراوي لجانب آخر من زخم المدينة الحافل في تلك العلاقة التي تبدأ مع كريم ووردة وهما من أطفال الشوارع، ويسرد من تلك التفاصيل ما هو مفارق الي حد الفانتازيا، فيما يتبدي الواقع أكثر ملكة وسوادا حول مصير هؤلاء التعساء الذين أدمنوا الكٌلة وهي مادة سامة مسكرة للصق الأحذية، وتحكي البنت علي المقهي أمام الجلوس كيف اغتصبها سبعة عشر ولدا ذات مرة، وعشرون عامل نظافة مرة، أو خمسة عساكر وثلاثة مخبرين مرة أخري، بعد ذلك تكتشف أن الأطفال يتحولون إلي مادة للتمويل من بعض الدول الأوروبية، ثم مادة فلكلورية تستحق الاحتفاء، والتأكيد علي تحضر الضمير الغربي تجاه التخلف الشرقي.
وسط تلك التناقضات والصراعات يدخل البطل في حالة من حالات الشيزوفرينيا التي تستدعي متابعة طبية مستمرة، ويقول الراوي للطبيب في حوار عبثي: الشيزوفرينيا بدأت في مجتمعي أيها الطبيب أنا مجرد عرض لها، عبرت الزمن فجأة من عصر الميني جيب والشورت الساخن إلي الإسدال والخيام السوداء التي ترفع طرف النقاب لتدخل في فمها ملاعق الكشري أو عصا الآيس كريم.
ويبدو الراوي محتدما في سياق الكشف عن مفردات ذلك الواقع المؤلم الذي يتأكد شيئا فشيئا عبر شخوص مختلفة بينها شخصية أحمد الحلو المهندس الناجح والخطيب اليساري المنوه منذ سنوات الجامعة الذي جند البطل في إحدي الخلايا، وانتهي به الحال مهندسا متفوقا في إحدي شركات البترول السعودية، ثم تم طرده بسبب تحريضه للعمال، وفي مصر التحق بإحدي شركات البترول ثم انتهي الأمر بانضمامه لصفوف الجماعات الإسلامية ثم استقال من عمله ووقف يبيع البسبوسة امام الشركة التي كان يعمل بها باعتبار أن ما يحصل عليه منها حرام لأنه من حكومة كافرة، في المقابل تعرض الرواية لصور شديدة التناقض وتعكس حالة الاستقطاب الواسعة في داخل المجتمع يتبدي ذلك مثلا في ذلك السؤال البيزنطي الذي توجه به أحد المستمعين لواحد من الشيوخ يتساءل فيه: هل كان الصحابة يسيرون خلف الرسول أم إلي جواره أم خلفه، فيجيبه الشيخ أنهم كانوا يمشون معه حسب أشعة الشمس فلو كانت أشعتها خلف النبي أو في مواجهته فسيمشون بجواره لأن ظله الكريم سيكون أمامه أو خلفه، وبذلك لن يطأ الصحابة ظله الكريم، وإن كانت أشعة الشمس من يساره فظله الكريم سيكون علي يمينه وصحابته سيكونون عن يساره حتي لا يطأون ظله وهكذا صورة أخري تبدو أكثر تعبيرا عن ذلك الاستقطاب عندما يأتي الراوي بإحدي المومسات التي تكتشف انها منقبة ولا بد أن يصلي الفرض قبل أي شيء، ثم يتحدث إليها الراوي ـ طالما هي كذلك ـ عن علاقتها بزميل قبطي ـ فتقول له: أنا معرفش أصلي بصراحة ما بحبش أعمل الحاجات دي مع مسيحيين، حرام!! في المقابل تبدو صورة الماضي أكثر إشراقا حتي لو كانت مكللة بالأمل، لذلك تظل قصة الحب المشتعلة التي تحتل جانبا مهما من الرواية بين البطل وهند زميلة الجامعة حالة نادرة في تلك الأجواء التي غادرتها البراءة، ويبدو الفصل الذي كرسه المؤلف للحديث عن فجيعته بموت هند في إحدي المظاهرات الطلابية من أفضل أجزاء الرواية سبكا وأعلاها لغة، ويبدو في الإجمال استعادة لمناخات الرومانسية بلغتها المشبعة والعميقة التي تغادر كثيرا مستوياتها السردية الأدائية فحسب ـ يقول الكاتب في احدي مقاطع هذا الفصل: اجلس منتظرا هبوط الغروب علي مقهي في شارع باب الوداع بجوار مدفن باب الوزير، وما إن يبدأ الغروب، أتسلل بين شواهد القبور مخترقا طرقا ترابية طويلة حتي أصل إلي مدفنها.
تتفرق السبل وتستمر الحياة بكافة وجوهها، فيستمر الصديق عصام زوجا ذي نهاية مأساوية لامرأة شرق آسيوية قبيحة لكنها شديدة الثراء، وتذهب هند إلي الموت وسوسن إلي حيث لا يعلم البطل الذي كان يعشقها، وتظل مارشا المستشرقة الأمريكية قوية قامعة قاهرة، ويظل البطل أسيرا لها حتي أنه يضطر لرثاء نفسه في نهاية الرواية عندما يقول: لم أكن سيدا في حياتي، كنت خادما ملعونا لوسائل الرزق، ختامي مسك وسام وجنون، عشت غبيا خوافا لم تتجاوز أفكاري قفصي الصدري، بضعة أشهر قضيتها في المعتقل في أول حياتي أحالتني لسلة قمامة لكل قاذورات العالم، لم أعد بعدها أجرؤ علي أن أجلس المسيسين حتي علي المقاهي.
إن رواية تغريدة البجعة ـ في الإجمالي ـ تغريدة أخيرة لواقع يموت أو هو في طور الاحتضار، وتتحول الرواية ـ بحق ـ إلي سردية فريدة في قسوتها وقدرتها علي صياغة المأساة المجتمعية دون خطابات رفيعة مؤدلجة، عبر لغة تتحسس قوتها وصرامتها وشاعريتها بعيدا عن حرية الحركة الزمنية في السرود والشخصيات، ويتبقي القول ان الرواية ـ بسبب تزاحم شخوصها المركزية ـ بدت وكأنها روايات منفصلة رابطها الوحيد هو البطل الراوي، وبقليل من الاختزال كان يمكن للرواية أن تكون طلقة نافذة في محيطها لولا ذلك العالم الشركي المتشابك، الذي استطاع ـ رغم ذلك ـ أن يردف عالم الرواية ويطرحها كنموذج دال علي التعدد والتنوع.