يعتبر أن إخبار المرء عن نفسه رغبة في الاغتراب عن هذه النفس ـ محمد أبي سمرا: ما يؤلم شخصياتي الروائية ولادتها من أمهات عديمات الانوثة

حجم الخط
0

ناظم السيد

بيروت ـ “القدس العربي” ـ من ناظم السيد: بدأ شاعراً نشر قصائده في صحف ومجلات إضافة إلي قصيدة واحدة في كتاب كل الجهات الجنوب الذي صدر عن المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، لكنه لم يصدر مجموعات شعرية. كان الشعر تمريناً علي فن آخر هو الرواية. ومنذ روايته الأولي بولين وأطيافها (1990) كرّس نفسه في المشهد الروائي اللبناني. روايته الثانية الرجل السابق (1995) لاقت استحسان الكثيرين ولا تزال حتي الآن حاضرة كواحدة من الروايات اللبنانية الجيدة في جيل الحرب وما بعدها. محمد أبي سمرا أكثر الكتّاب كسلاً في لبنان. فهو الذي بلغ الخمسين أخيراً لم ينشر سوي ثلاث روايات كان آخرها سكان الصور (2003)، إضافة إلي كتاب عن أكراد كردستان بعنوان بلاد المهانة والخوف. لكن الحقيقة أن أبي سمرا وضع الكثير من جهده في العمل الصحافي من خلال شغله الدؤوب والثاقب في صناعة تحقيقات لطالما ميّزته وامتاز بها. بالطبع، هذا العمل لا يجعلنا نغفل أهمية الروايات الثلاث لدي الروائي لا من حيث قدرتهما علي التفكر وتفكيك المجتمع فحسب وإنما من حيث تأسيسهما مع روايات أخري لروائيين لبنانيين، فناً روائياً جديداً في لبنان أحدث قطيعة مع جيل ما قبل الحرب، أي رواية الريف اللبناني. روايات هذا الجيل تنشأ من تحوّلات ديموغرافية أحدثتها الحرب الأهلية، تنشأ من علاقات مدينية جديدة، متبنية أساليب حديثة في السرد تتخذ من السوسيولوجيا بعداً للكتابة الإبداعية من غير إغفال الجماليات أو غيرها من العناصر الأدبية.

التقيت محمد أبي سمرا في صحيفة النهار حيث يعمل في مكتبه الذي يطل علي مرفأ بيروت من جهة الغرب وخيم المعارضة اللبنانية في ساحة الشهداء من جهة الشرق. وكعادته يمدُّ يده للمصافحة مرفقة بابتسامة. يختار من القمصان الألوان الفاتحة ومن البناطيل الجينز. يفكر قبل أن يتكلم. لاحقاً اكتشفت أنه يكون في لحظات صمته يبحث عن الصياغة المناسبة لكل فكرة. الأفكار واللغة متشابكة لدي هذا الروائي سواء تكلم أو كتب مقالاً أو صنع رواية. هادئ باستمرار لكنه يخفي تحت نحول جسمه طاقة عصبية من النادر أن يبديها لأحد. عموماً، قد يكون هذا الحوار امتداداً لهذا البــورتريه الموجز ولتلك الروايات القليلة. في رواياتك دائماً هناك وصمة الأصل والمنبت، كأنك تتنكر لجذورك الاجتماعية أنت المسلم، متماهياً مع الآخر المسيحي. ما الأسباب وراء هذا التنكر؟ ولماذا لم تنظر إلي جذورك كغني في المجتمع اللبناني؟ لا غني في الجذور، بل في بترها والانقطاع عنها. الغني هو في استقبال العالم الذي نباشره ما إن نخرج من رحم أمنا إذا كانت هذه الرحم جذراً. الجذور لا أعلم عنها شيئاً سوي أنني أضيق بها، وهي أصلاً أمر وهمي كأي شيء في هذا العالم. أمسلمة كانت هذه الجذور أم مسيحية، لبنانية أم غير لبنانية، هي سيان. وممتع هو الابتعاد عن الجذور كالسفر، كعلاقة محتملة، عابرة، كنظرة من نافذة قطار.

علي الصعيد الاجتماعي، أتريد أن أبقي في شبعا (بلدة الروائي) ومزارعها وأطالب مع المطالبين بتحريرها؟ أحب كثيراً أن أبني بيتاً في مزارع شبعا وأن أزوره مرة في الشهر لأن لا جذور لي فيها. أزورها كأنني ذاهب إلي زمن قادم لا أعرفه. ثم ماذا تريدني أن أكتب إن لم أنقطع كل يوم عما يُفترض أنه الجذور. لا كتابة من دون الخروج من النفس واستقبال العالم، ولا رواية من دون انقطاع عن زمن متصل ويُفترض أنه الأصل والمنبت. الرواية هي أن تفترض دائماً أنك تعيد رواية حادثة واحدة علي نحو مختلف مئة مرة، وكل مرة علي نحو جديد. إن الرواية ليست الحنين إلي ما انقطعنا عنه أو خرجنا منه ولا بكاء علي طلل بل هي مقدرتنا علي إعادة تركيب الحوادث والوقائع علي نحو يمكّننا من فهم أنفسنا والعالم بطريقة جديدة. هناك روائيون جنوبيون مثلك أغنوا المشهد اللبناني ببيئتهم أمثال حسن داوود، حنان الشيخ، علوية صبح، أحمد علي الزين وغيرهم، وهؤلاء يشكلون جزءاً أساسياً من الرواية في لبنان في مرحلة الحرب الأهلية وما بعدها. كيف تري إلي نتاج هؤلاء؟ جميعهم منقطعون عن جذورهم. حسن داوود أين هي جذوره، في بيروت أم في قريته؟ هو يكتب عن جده وأمه في البناية التي أقام فيها فترة من حياته في بيروت وعن أشخاص كثيرين غيرهم، لا ليعيد وصل ما انقطع بل ليلتذ بهذا الانقطاع. وعلوية صبح أظن أنها تكره الجنوبيين أكثر مما أكرههم. بالطبع ليس كأشخاص أو كبشر بل كثقافة عيش مؤلمة وقاسية. الشخصيات الروائية هي صور وليست وقائع اجتماعية وتاريخية، وهي أيضاً ابنة مصائر مصنوعة بالكتابة. أستغرب دائماً أن يُسأل الروائيون عن مقدار مطابقة أو ابتعاد شخصياتهم الروائية عن الأشخاص الذين يعرفونهم في وقائع حياتهم. لم يسبق أن سأل أحد ممثلاً سينمائياً عن شبه قيامه بدور الأب في فيلم بأبيه هو نفسه. أظن أن إصرارنا علي المشابهة والمطابقة بين ما نكتب وبين أقاربنا وأنفسنا سببهما تحجّرنا علي صورة واحدة لأنفسنا. ما معني أن تقع في غرام امرأة غريبة لا تعرفها إن لم تكن هذه الواقعة تغييراً لصورتك عن نفسك؟ ألا تري أن ثمة فرقاً بين الممثل الذي يلعب أدواره وبين الكاتب الذي يؤلف أدواره؟ في هذا المعني لنضع المخرج مكان الكاتب. كل شخص يروي سيرته بطريقة مختلفة بحسب الشخص الذي يُروي له. وهذا الشخص الذي يُروي له غالباً ما يكون مجهولاً. أعني أننا في روايتنا نعيد في كل مرة تأليف الوقائع وتذويبها علي نحو جديد غير متوقع. وليس المهم في ذلك المطابقة بين الرواية والوقائع بل أن نُكسب الوقائع معاني ومصائر جديدة لا نعرفها. صحيح أن البطل في الرواية كائن نصّي بتعبير رولان بارت. لكن إشكالية الرواية والسيرة ذاتية مطروحة أيضاً في الغرب كما يبدو من المصطلح النقدي التخييل الذاتي الدارج اليوم هناك. لنتذكر علي سبيل المثال عبارة فلوبير مدام بوفاري هي أنا أو تصريح آلان روب غرييه أحد مؤسسي الرواية الفرنسية الجديدة القائمة علي موت المؤلف بأن جميع أعماله تتضمن سيرة ذاتية أو كتاب إلياس كانيتي محاكمة كافكا الثانية الذي أعاد فيه تأليف رواية المحاكمة وفقاً لوقائع مستمدة من حياة المؤلف ورسائله. راوي السيرة الذاتية نفسه ليس لديه رواية واحدة لهذه السيرة. فهو إن روي سيرته في حقبة معينة ووعي معيّن من حياته، سوف تتغير هذه الرواية كلياً لو تسني له روايتها في حقبة أخري ووعي آخر. هناك عشرات الكتّاب لسيرة واحدة. وفي كل مرة تأتي هذه السيرة مختلفة. في ثقافتنا العربية ينعدم فن كتابة السير. معظم نجومنا لم نكتب لأحدهم سيرة واحدة. ماذا بقي من عبد الحليم حافظ وأم كلثوم غير صوتيهما؟ وماذا بقي من معظم نجوم السينما غير أدوارهم؟ لا نزال نحسب أن كتابة السير أقرب إلي تركيب مقلة والتلصص علي الأشخاص أنفسهم. في الثقافة الغربية ما من ممثلة إلا وستجد لها أكثر من سيرة. ماذا عنك أنت شخصياً. كتبت في أعمالك الروائية سيرة العائلة: سيرة أمك في بولين وأطيافها وسيرتك وسيرة أخيك وأبيك في سكان الصور وسيرة صديقك في الرجل السابق. هل تنظر إلي هذه السير كوقائع حياتية واعترافات؟ هذه ليست سيرة ووقائع حياتية بل هي توقهم إلي الخروج عما هم فيه وعليه وعن مصيرهم الفعلي. إنها سيرة رغباتهم التي تصير مستقلة تماماً عنهم ما إن يُكتب فيها حرفٌ واحد. في حياتنا العادية نحن نؤدي أدواراً. بمعني أننا نقدّم أنفسنا في صيغ وأشكال متباينة في كل لحظة. والعالم بلا وعي روائي هو عالم مميت وقاتل، لأنه يصير بلا لغة وبلا مشهد. لماذا تقول هذه الصورة التي أخذت لي ليست جميلة ولا تعجبني، لو أنها لم تكن مختلفة تماماً عما أنت في الواقع؟ وأنت في الواقع هل تبدو شخصاً واحداً؟ فلو كنت شخصاً واحداً لما احتجت إلي صورة. أشعر أن في رغبة كل شخص في الإخبار عن نفسه رغبة عارمة في الاغتراب عن نفسه. والحب رغبة في الاغتراب عن النفس.

أنوثة الغريب يقلُّ المتخيل في رواياتك، إذ ان كتابتك الروائية أقرب إلي التفكر منها إلي السرد، وإلي الرصد منها إلي التأليف. هل توافق؟ في الرجل السابق كان تفكر هذا الرجل بنفسه وحياته ومَن هو بارزاً في سياق السرد. أما في الروايتين الأخريين بولين وأطيافها و سكان الصور فقد غلب السرد علي تفكر الشخصيات في نفسها ومصيرها. هذه الرواية الرجل السابق التي أعدت طباعتها هذه السنة، يعتبرها البعض أفضل رواياتك. هل يعني هذا أنك تنجح في التفكر أكثر مما تنجح في السرد؟ أظن أنها أسهل من الروايتين الأخريين قراءة. التفكر أسهل من السرد، لأن السرد عالم حسي يتطلب مساحة لغوية شاسعة مطابقة لزمن السرد نفسه. أما التفكر فلا زمن له ولا يحتاج إلي رسم مسرح دقيق للعالم. في رواية سكان الصور عشرات الشخصيات التي تتحادث في ما بينها وتغيّر كلامها وسلوكها بحسب الزمان والمكان اللذين تكون فيهما. أما الرجل السابق فيترك زمام الرواية للتداعي كما يريد، وهو أصلاً صوت منفرد في الرواية كلها. أحبَّ القرّاء هذه الرواية لأنها لا تتعبهم بينما قد تكون قراءة سكان الصور مرهقة. في هذه الرواية قادك التنكر للمنبت والأصل إلي إسباغ نقائص علي بيئتك المسلمة وإطلاق صفات قد تكون متخيلة علي الآخر المسيحي الذي لا يقلُّ ريفية وعدم تمدّن عن المسلم. لا حياة من دون شعور بالنقصان. علينا أن نكفَّ عن اعتبار الرواية وثيقة اجتماعية مباشرة. المسيحيون في سكان الصور أشدُّ ضيقاً بحياتهم من المسلمين بحسب تصنيفك. وأشدُّ قدرة علي امتلاك هذه الحياة. وهذا ما يرغب المسلمون في أن يكونوا عليه في حياتهم. أنا المسلم كما أنت تفترض لا أري ما يجذبني أبداً في المسيحيين بوصفهم كائنات اجتماعية. أظن أن الدونية المفترضة في المسلمين حيال المسيحيين بحسب ما قُرئت رواياتي ليست إلا محاولة لتهرّب هؤلاء القرّاء من الاعتراف بأنهم ما زالوا يشعرون بهذه الدونية. بعيداً عن هذه الأمور، ما يؤلم معظم الشخصيات الروائية في رواياتي هو ولادتها من أمهات عديمات الأنوثة، وهم عبثاً يحاولون مطاردة هذه الأنوثة. فالأم في رواية الرجل السابق هي ليست أكثر من امرأة عضوية، وما يطلبه هذا الرجل هو أن تكون رقيقة مع نفسها وجسمها فقط. لهذا بدت الجارة أم جوزيف في سكان الصور رمز الأنوثة والإغواء معاً؟ قبل أم جوزيف، سعاد في بولين وأطيافها هي صورة لفتاة علي مصطبة الجيران. وهي في الرواية سوف تبقي هكذا إلي الأبد. أما في الواقع فسعاد ليست الآن سوي أرملة مخيفة في أميركا. أم جوزيف امرأة جيران أيضاً (يضحك). وحين يراها فتية الشوارع تشطف مصطبة بيتها تثيرهم لأنها غريبة عنهم. وأظن أن هذا أمر شديد العادية في حياتنا. الأنوثة التي تطاردها شخصياتي الروائية ليست مسيحية ولا مسلمة بل هي أنوثة الحداثة والغريب. الطريقة التي ترسم بها شخصياتك تقودنا إلي نوع الرواية التي تكتبها. إنها رواية الراوي العارف بكل شيء كما يُقال، إذ يتم استنطاق الشخصيات وتحميلها أفكار الروائي، كما يتدخل الراوي مطلقاً أحكامه في كل تفصيل. يعني أنت لا تترك شخصياتك يفكرون ويتكلمون ويشعرون بحرية أو كما هم في الواقع. لنقل إنه استبداد من نوع آخر. ما رأيك؟ أظن أن هذا إذا كان صحيحاً هو نتيجة ضآلة ابتعادنا عن الجذور وعيشنا في مجتمعات ينكشف فيها الناس بعضهم للبعض الآخر بسهولة، بل في مجتمعات مزدحمة تعبد هوياتها. وقد يكون ما رأيته في هذه الروايات دليلاً علي ضعفها الروائي. وهذا الضعف نتيجة ضيق في عالمنا وفي ثقافتنا ونتيجة كسل وقلة انصراف للكتابة.

لست جمعية إنمائية رواياتك تعرض لاصطدام المهاجرين الأوائل من الأرياف بالعاصمة بيروت. لكن هذه الروايات قلما تتفهم هؤلاء المهاجرين لا بل تنظر إليهم نظرة مترفعة إذا صحَّ التعبير غير آخذة في الاعتبار ظروفهم محملة إياهم مسؤولية ترييف المدن. ألا تري أن مسألة الترييف هذه سياسية في المقام الأول، وذلك علي ضوء سيطرة الأحزاب القومية واليسارية علي الحكم والتي نقلت جماهيرها من الأرياف إلي المدن العربية؟ ثم ألا تري أن المدن في كل العالم مكان نموذجي للتناقضات الوافدة والمقيمة من ثراء وفقر، تمدّن وبربرية، حداثة ومحافظة، انفتاح وانغلاق… ؟ لستُ جمعية إنمائية ولا حكومة تضع مشروعاً لدمج الريفيين بالمدينة. ثم إنني أستطيع أن أكون جمعية تنموية وحكومة تنموية أكثر من الجمعيات والحكومات المعروفة. علي مستوي التنمية والدمج الاجتماعيين أري أن كل ما يحدث في لبنان الآن هو صنيعة إهمال متمادٍ، إهمال الناس والجماعات لحياتها وإهمال الجمعيات والدول للمجتمعات. حين يقف مدرّس في صف من مدارس الضواحي ويستنتج استحالة عملية التعليم في هذه المدارس لا تنفعه في شيء الخطط التربوية والإدارية. علي الصعيد الاجتماعي يحتاج اللبنانيون إلي مهندسي حياة لهؤلاء الذين يتركون حياتهم كلها سائبة ومتروكة لأقدار إلهية أو يرمون بالمسؤولية علي الدول والسياسيين والأغنياء.

روائياً، لا معني لكل هذا. الرواية أشدُّ اعترافاً بالواقع من الواقع نفسه، الواقع كما هو غير مرئي بعيني مصلح اجتماعي أو مبشّر أو شخص مأخوذ بالشفقة علي الريفيين أو الذين يدمّرون حياتهم. الشفقة هي أن تُري في الرواية شخصاً ما أن حياته لا تُطاق وأن تحرّضه علي الخروج منها. غياب المعني السياسي لهذه المأساة الاجتماعية في رواياتك موجود في كتاب آخر لك بعنوان بلاد المهانة والخوف الذي كتبته عن كردستان. ورغم تشابه النتائج بين أبناء الريف اللبناني والأكراد فإنك بدوت أكثر رأفة هناك وأكثر تسيساً. هل من فرق بين الرواية والعمل الصحافي لديك؟ لا أظن أن الفرق كبير. أنا تعلمت الكتابة الروائية من الصحافة. والسياسة عندي هي المقدرة علي هندسة الأفراد والجماعات لحياتهم وامتلاك مصائرهم امتلاكاً ذاتياً. أما تحويل السياسة إلي برامج مطلبية فهو عمل الأحزاب. أن تكون كائناً سياسياً يعني أن تكون شخصاً فرداً وتفكر تفكيراً فردياً في كل شيء حتي وأنت تكتب تحقيقاً عن ظاهرة فتح الإسلام. قد يكون مظهر التعاطف مع الأكراد مبعثه غربتي عنهم. لو كنت كردياً يعيش في أربيل أو في الحسكة مثل حسين بن حمزة راوي طفولته الكردية هناك، لكان حقدي الكتابي علي تلك الطفولة قوياً. تشغلك قضية الأنظمة التوتاليتارية، وقد كرّست معظم وقتك لإجراء تحقيقات صحافية عن النظامين السوري أو الإيراني أو حزب الله أو الجماعات السنية السلفية. هل تعتقد أن تهديد مجتمعاتنا يأتي فقط من هذه الأنظمة أو من هذه الأحزاب والجماعات؟ وماذا عن علاقة الأصولية التي تنتقدها بالغرب من ناحية الدعم المالي والعسكري والاستخباراتي؟ في هذا المعني كل شيء صنيعة الغرب من القميص الذي أرتديه حتي بن لادن. حين يذهب شخص من مخيّم نهر البارد (شمال لبنان) أو من مجدل عنجر (البقاع) إلي قندهار في أفغانستان يكون هو المسؤول عن ذهابه حتي لو أغراه جورج بوش بالمال. هو في الحقيقة السوسيولوجية غير مسؤول عن ذهابه لأنه منقاد إلي ما يعتبره خرافة السلف الصالح، غير مسؤول عن ذهابه ما دام يعيش الحياة التي يعيشها في المخيم أو في مجدل عنجر. بما أنك معني بموضوع الحريات والليبرالية، كيف تري إلي تحالف الديمقراطيات الغربية والديكتاتوريات العربية أو في امريكا اللاتينية، الذي وسم القرن العشرين كله وأعيد تجديده أخيراً؟ تارة نريد من الغرب أن يعين شعوبنا علي الخلاص من أنظمتها وتارة نهدده بالويل والثبور إذا تحدّث عن ضرورة تغيير البرامج التربوية في بلداننا. ليس الغرب مثل المسيح ولا هو جمعية للبر والإحسان. لا أجد نفسي قادراً علي البت في أمور التحالفات السياسية في القرن العشرين أو غيره. ما أستطيع أن أؤكده هو أننا غير قادرين علي بناء مجتمعات سياسية قبل أن نتهم أحداً بالمسؤولية عما نحن فيه. لست داعية للديمقراطية الغربية بل أشعر فقط أنني أستطيع أن أكون حراً وأخجل من إلقاء اللوم علي الآخرين. أكره في شتي أنواع الأيديولوجيات والدعوات السياسية أدوار الضحايا لأنني أري أن هؤلاء الضحايا أردأ أنواع الناس لأنهم غير قادرين علي امتلاك قرار حياتهم ويعتبرون أنفسهم ضعفاء بالولادة وأسري ضعفهم مهما كانوا قساة علي أنفسهم وعلي الآخرين. مع ذلك هناك ضحايا حقيقيون، ضحايا سياسات الأنظمة الوطنية والسياسات الخارجية. هل تري أنها مسألة صحية أن ننظر إلي الغرب علي أنه المرآة التي لا تعكس إلا الوجه الجميل؟ لا أري أوضاعاً مزرية في مرآة الغرب. أراها مزرية بحدِّ ذاتها. ثم إن الغرب يطرح سلعه وأسلحته وقوته علي الطريق. وقد تكون هذه كلها مغوية لكن علينا أن نعلم كيف نقود هذه الغواية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية