محمد بن قطاف: المسرح لا يخضع لأي انتماء!

حجم الخط
0

الجزائر ـ “القدس العربي” ـ من أنور محمد: رجل يملكك بدماثة خلقه، ليس كمدير للمسرح الوطني الجزائري، ولمهرجانه الذي أقيم ما بين 24 أيار (مايو) وحتي 7 حزيران (يونيو) 2007، ولكن كمسرحي يعرف كيف يستخدم عقله ـ لا يعطله ـ فتري الديمقراطية تدفع مهرجانه ليكون واحدا من أهم المهرجانات العربية. أنت من أكثر الكتاب الجزائريين غزارة في التأليف، عدا أنك من أبرز الممثلين. نذكر مسرحياتك: حسناء وحسان 1974، وقف، جحا والناس، ويا ستار وارفع الستار، وعقد الجوهر 1984، وجيلا لي زين الهادات، العيطة ـ التي حصلت علي الجائزة الأولي في مهرجان قرطاج 1989، إلي مسرحية فاطمة. مع هذا نري أن المسرح الجزائري يشكو من ندرة النصوص المحلية؟ فعلا، كما قلت في سؤالك، فأنا غزير الإنتاج في التأليف، تحديدا التأليف المسرحي وعلاقتي بهذا الشكل الفني مرتبطة أساسا بتجربتي الطويلة علي الخشبة كممثل ومخرج مسرحي إضافة إلي رصيدي ضمن المسرح الإذاعي.. وإذا كان حكمك أن المسرح الجزائري يشكو من ندرة النصوص المسرحية المحلية، فهذا معناه أنه يلجأ إلي الاقتباس أو الترجمة أو الاعتماد علي نصوص غير جزائرية؛ رغم أنني اعتبر أن المسرح إنساني، لا يخضع لأي انتماء، لأنه يترجم الإنسانية بالكلمة والفعل.. ومثل هذه الظواهر السابقة الذكر هي عموما مكرّسة عالميا ولا نجد أي ريبرتوار عالمي في المسرح لم يلجأ إلي مثل ظاهرة الاقتباس.. إن الكتابة المسرحية في الجزائر لا تغطي كما قلت سيل الإنتاج وأنا شخصيا لا أستطيع أن أغطي أيضا هذه الاحتياجات الجميلة.. لسبب واحد أن أغلب الذين يكتبون ينتجون نصوصا أدبية تلامس فقط محيط الدراما وهذا بحكم ابتعادهم عن الصنعة المسرحية.. ولكن بكل تأكيد ان حركة التأليف المسرحي في الجزائر تحاول أن تتجاوز أدبية النص إلي دراميته. وهو تواصل حقيقي مع الخشبة.. أنبهك مثلا الي ان لجنة التحكيم في المهرجان الوطني للمسرح المحترف يترأسها الدكتور واسيني الأعرج وهو أكاديمي وروائي، قد تتساءل عن هذا الاختيار؛ نقول ببساطة: أغلب الأعمال المقدمة في المسابقة اعتمدت نصوصها المسرحية علي أعمال روائية وهي ظاهرة صحية. كأنها أزمة إبداع، أم أنها أزمة حرية في قول ما يجب أن يقوله المبدع، سيما وأن المسرح من أكثر الأجناس الفنية انحيازا للضمير الأخلاقي. حسب فهمي للسؤال أري أنك تشير إلي العلاقة بين الحرية والمسرح، وكأنك تقول بلسان المخرج الانكليزي بيتر بروك ( إذا أردت معرفة ديمقراطية أي بلد فادخل مسارحه) وتحدثت عن رسالة المسرح كخطاب أخلاقي وتعليمي.. دعني أقل لك بكل فخر؛ إن الجزائر هو البلد العربي الوحيد الذي لم تصادر فيه أي مسرحية منذ الاستقلال إلي يومنا هذا.. حتي وإن كان خطاب المسرحية يملك انتقادا مباشرا للسلطة بكل أنواعها: الدينية والاجتماعية والسياسية.. وبالتالي فالمسرح الجزائري هو الذي يصنع لنفسه فضاء للحرية وبدعم من الدولة. سورية صنعت مسرحها، كذلك العراق ومصر ولبنان وتونس والمغرب ـ ما الذي يمنعكم من صناعة مسرحكم، وعندكم علي الصعيد الأكاديمي معهد للفنون المسرحية، وخشبات مسارح، وكتاب، وممثلون، ومخرجون؟ نحن أكثر اعتزازا بالتجربة العربية المسرحية، ويمكنك العودة إلي ريبرتوار المسرح الجزائري فتجده سواء علي مستوي النص أو الإخراج قد استفاد من هذه الخبرة المتميزة.. إننا أكثر انفتاحا علي كل التجارب العربية وعلي هذا التراكم المسرحي الذي يشكل في جوهره إرثا ثقافيا يجب حمايته والاعتزاز به. لكن دعني أقل لك وبصراحة المسرحي: إن المشرق العربي منقطع عن التجربة المغاربية، فعلا لدينا المعهد العالي للفنون المسرحية وهناك بعض الطلبة السوريين يدرسون فيه.. وإن هذا المعلم العلمي استقطب منذ تأسيسه أسماء كبيرة للمسرح العربي.. نحن انفتحنا علي المشرق بدون عقد ونملك جذورنا، وبالمناسبة إن أقدم نص مسرحي اكتشف في العالم العربي كان نصا جزائريا وقد حققه الدكتور مخلوف بوكروح. إن المسرح الجزائري الذي يغيب عن التوثيق ما زال يملك حضورا عربيا.. إن المسرح الجزائري لا تصنعه الدراما التلفزيونية إنما تصنعه الخشبة المسرحية.. نحن في المشرق العربي نعرف فن الرواية الجزائرية ـ أو نعرف الجزائر من خلال محمد ديب وكاتب ياسين رغم فرانكفونيته، والطاهر وطار ورشيد بوجدرة وعبد الحميد بن هدوقة وآسيا جبار وواسيني الأعرج وأحلام مستغانمي وغيرهم، وهم من يصنع الحالة الثقافية الجزائرية، فيما لا نعرف مسرحيا واحدا؟ مع انك تقر إنني أكثر الكتاب الجزائريين غزارة في التأليف المسرحي ثم يتهيأ لي أنك تقوم بنفي ما قلته: لا نعرف مسرحيا واحدا أخبرك أن الطاهر وطار، رشيد بو جدرة، محمد ديب، رضا حوحو، مولود معمري، محمد الطاهر فضلاء، عبد الحليم رايس وآخرين كتبوا للمسرح؛ الفرق الوحيد أننا فعلا مقلون في نشر النصوص المسرحية لأنها نصوص كتبت للخشبة، وباللغة العامية، وبالتالي المشكل ليس في غياب كتاب مسرح؛ بل في طبع أعمالهم وتوزيعها، و هذا مشروع بدأ يأخذ طريقه للنشر وبالتالي للتوثيق رويدا، رويدا. أليس هناك من مشروع مسرحي. لقد لاحظت أن الرواية صارت تتمسرح، فصارت تذهب إلي المسرح. لقد شفنا في المهرجان الوطني للمسرح المحترف في دورته العربية 2007 المنعقدة الآن مسرحية (النهر المحوّل) عن رواية لرشيد ميموني، وأنت من قبل قمت بإعداد مسرحية عن رواية (الشهداء يعودون هذا الأسبوع) للطاهر وطار وغيرها؟.. إن مسرحة الرواية أو القصيدة وحتي القصة تجربة مهمة، لأنها تسلط الضوء علي النص الروائي ليطلع عليه جمهور مختلف.. ربما هناك تفاوت علي مستوي معالجة النص بطريقة درامية، لكنها تجربة جديرة بالاكتشاف والمواصلة، خاصة أن أغلب الروايات والقصص تملك جوا دراميا تسهل ترجمته للخشبة بعد المعالجة. كأنكم مختصون بإبداع هذا الجنس الأدبي، فيما المغاربة مختصون بإبداع الفكر الفلسفي والمسرحي؟. نحن لسنا مختصين بإبداع هذا الجنس الأدبي؛ نحن مسكونون بالإبداع ـ مهما تعدد شكله ـ الذي يحرك العواطف ويسائل الفكر.. نحن أبناء الفرجة.. أبناء الحلقة؛ أبناء الحكواتي؛ نحن في الجزائر صّناّع الفرح. والمسرح في حياتنا أكثر من عرس.. نحن نملك كنزا شفويا غير مكتوب يعمل حاليا الكثير من الباحثين علي جمعه. لماذا لا تصنعون نهضتكم المسرحية سيما، وكما علمت من بعض المثقفين والمبدعين الجزائريين وبتعبير يكشف عن فرحهم، وكأنها لحظة ثمينة يجب أن تدوم ـ بل ولا تفوّت: إن وزيرة الثقافة خليدة تومي هي امرأة من ثقافة، بل ومن الوزراء الذين ينتصرون للثقافة الوطنية؟. نحن نؤسس ولا نصنع.. النهضة المسرحية هي جزء من النهضة الثقافية والفنية التي بدأت تتشكل منذ زمن طويل، وأدّت إلي خلق الوعي الثوري والحصول علي استقلالنا الوطني، والجزائر المعاصرة تسير بخطي ثابتة صوب ترسيخ حركة ثقافية وخاصة المسرحية، و بدعم مباشر وغير مشروط من طرف الهيئة الوصية خاصة من معالي وزيرة الثقافة السيدة خليدة تومي، بنضالها في خدمة الثقافة والتي يعتبرها الكثير استثناء في المشهد السياسي العربي، ونحن نغتنم وجودها علي رأس وزارة الثقافة، لنؤسس ونوثق ونبني حركة مسرحية شاملة تتعدي حدود المهرجانات وسنوات العواصم الثقافية العربية. تعليق الصور: محمد بن قطاف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية