بين الإخبار المهني والانغماس في تيار الحياة اليومية

حجم الخط
0

خطوة باتساع الأزرق لوليد علاء الدين:

أحمد محجوب

في كتابه خطوة بإتساع الأزرق (مشروع ارتياد الافاق ـ ابوظبي) يجتهد الصحافي والشاعر المصري وليد علاء الدين في الكشف عن الجزائر أو قطعة الفسيفساء المغاربية التي أصبحت رؤيتها ضبابية حينا وغائبة كليا أحيانا. فهو حين يتعرض لموضوع السرد الرشيق حول الجزائر يبدو كمن يرغب في ملامسة الأجزاء الحساسة من النسيج الجزائري غير أن تلك الرغبة تتحرك من مكان لآخر بعدة أوجه للقلق. مثلا رغبة السارد نفسه في استخدام الكتابة الصحافية المجردة في أدب الرحلات؛ تلك النوعية من الكتابة التي تعتمد علي المعلومة دون الرأي والخبر دون التعليق عليه فتضغط مجال القراءة من التأمل إلي العلم بالشيء. الكاتب ليس متخصصا في الجغرافيا وليس احصائيا مولعا بالأرقام والجداول فالرجل شاعر بالأساس والمشاهدات الإنسانية التي يتضمنها كتابه ـ منشورات دار السندباد الجديد ـ مع عمقها وثرائها تصلح كخلفية للنصوص الشعرية وبشكل صحافي تعتبر مرادفا لمقتبسات الأعمدة الصحافية ومقالات الرأي دون أن تتطور إلي تقرير خبري مفصل عن الجزائر. لذلك تدخل المعلومة الصحافية في عراك مستتر مع الصورة الشعرية تلك التي عبرت عن نفسها بشكل مكتوم في أول الصفحات التي تضمنها الكتاب حين مد بصره من نافذة الفندق لتتحدث ذاته الشاعرة بحسرة كمن يؤجل ذاته بعصبية طفل هذا المشهد لا يصلح إلا للرسم. طيلة صفحات الكتاب المائة يري القارئ موكبا صغيرا مكونا من الشاعر وزوجته وطفلهما الصغير أحمد. يتجول الموكب في مطبات زمانية ومفارقات بسيطة تمس علي استحياء المفارز شديدة الحساسية في الجسد الجزائري ككل لكنها وبشكل غير مباشر تتمتع بالسهولة تضع نفسها في موقف المفعول به علي الدوام حيث يختار الكاتب علي الدوام أبناء البلد نفسها كسائق التاكسي أو عامل الغرفة ليقترب ـ كابن بلد وصاحب دارـ من المنطقة الخطرة من وطنه. فلا حديث عن أثر الاستعمار والأحوال السياسية والاقتصادية الراهنة سوي من أبناء البلد الجدعان، أما الأسئلة التي قد تثير الغبار فاكتفي الكتاب بآراء بعض الأكاديميين المتخصصين في التاريخ القديم والوسيط للجزائر وهي الفترات الزمنية التي شكلت حقا الهوية الجزائرية حتي الآن. فجاءت الإشارات الأكاديمية من أساتذة التاريخ كعملية إعادة ترتيب لما تركته مشاهدات الكاتب وتعليقات أولاد البلد من انطباعات أولية في وعي القارئ.

مصر التي… ترك علاء وليد الدين مصر منذ فترة ليست بالقصيرة وفي زمن الهجرات المتكررة يعتقد البعض أن فكرة الوطن المحمول أصبحت سخيفة أو علي الأقل مفرطة في الرومانسية غير أنك بمجرد أن تقرأ قليلا مذكرات أو أدب رحلات المثقفين المغتربين تجد أن محورا هاما من الكتابة نفسها يدور حول صورة مصر نفسها في عيون الآخرين وأثر ما يحدث لها وفيها علي ما يحيط بها. فعلاء وليد الدين كزائر جديد للجزائر التي ارتبطت شرطيا في الذهن بالثورة والفرنسيس لم يجد نفسه مضطرا للتعريف بجنسيته طيلة الرحلة، ربما كانت اللهجة والسيولة الإعلامية المصرية أعفت الكاتب من عبء التعريف لكنها لم تعفه من التساؤلات حول مواقف سياسية يقوم بها النظام المصري ويراها البعض ـ وفي الحقيقة الكثيرون ـ غير مفهومة. وجد الكاتب نفسه أيضا أمام صور مختلفة للمصري غير تلك النمطية التي ربما تعود عليها في الإمارات ـ حيث يعمل صحافيا ـ فعوضا عن خفة الدم التي أصبحت تهمة مصرية صميمية ومدخلا للتدليل علي ممارسات غير أخلاقية كالنصب وغيره، وجد الكاتب سائق تاكسي من أولاد البلد يتهم المصريين ـ بناء علي خبرة سابقة ـ بالتعالي والتكبر وهي التهم المضادة تماماً لصورة المصري في الخارج، وحين حاول الكاتب اكتشاف الجنسية التي كانت مقررة للموكب الصغير من قبل السائق أوضح الأخير أن ظنه اتجه إلي كونهم قطريين! وارجع الأمر والاختلاط لتشابه اللهجتين المصرية والقطرية!

ورغم كل البروبجندا التي تحيط بمعني وتعريف مصر الدولة وتصر علي عروبتها إلا أن هذا السائق الحمش قد قرر قرارا ً ونفذ منه سهم القدر المصريون فراعنة ونحن بربر هكذا بضربة واحدة يتلقي الكاتب ثلاثة تصورات غير نمطية ولا رسمية عن ذاته الجغرافية والسياسية فهو أولا قطري أما مصر ـ قلب العروبة في أدبيات القوميين ـ فهي فرعونية وحسب أما الجزائر فدولة البربر وربما نضيف أن المساندة المصرية لثورة الجزائر كانت هدية بين عرقين مكتملين (فراعنة وبربر) ورغم ذلك أوضح السائق رأيه ببساطة أن هذا النفي الحالي للجذور الطبيعية للسكان في المنطقة العربية دليل تخلف، وأن أية أرضية لا تعترف بهذه الجذور لن تتمكن من تجاوز الحساسيات أو تحقيق أي تقدم. وهو رأي وافق عليه الكاتب ضمنا فهذا السائق لا يقف في صف التغريب ـ ممثلا في فرنسا ـ لكنه فقط يود لو تمتع البشر بحقوقهم الطبيعية في التعرف علي الجذور وبناء مستقبل علي هذه الأسس التي ربما تجعل شيئا يلوح في الأفق. في البداية يتصور المرء أن ما تربي عليه وشربه مع الماء من العادات والتقاليد والأحكام المسبقة هو الشيء الأكثر قداسة وثقة وقيمة في الحياة غير أن السفر بعيدا والتجوال في بلاد الله فضلا عن العين الخبيرة والروح التي تستطلع بلا حدود يكسران الحواجز التي فرضتها الذات حول نفسها باستمرار. يزور الكاتب في صدفة مبهجة متحف السينما الجزائري ويكتشف بنفسه أحد أكبر متاحف وارشيفات السينما العربية فحسب الكتاب يحتوي المتحف علي أكثر من 10000 نسخة من الأفلام مملوكة ملكية تامة للمتحف منها أفلام عالمية وعربية ذات تاريخ مثلا فيلم المؤمياء الشهير. غير أن هذا الكم الضخم يدفع السرد لتناول الذات مرة أخري والعودة ـ ولو من خلال الروح ـ إلي فكرة الوطن الجوال والهوية محكمة الغلق.

فالسينما الجزائرية المعروفة عالميا لم تزل تنحدر في عالم التوزيع السينمائي عربيا، وحتي داخل الجزائر نفسها انخفض عدد دور السينما العاملة إلي الثلث في عشرة أعوام تقريبا ويراجع الكاتب ذاته متأملا حالة ثقافية بحتة. فهل أنتجت الدراما المصرية انغلاقا كاسحا علي الذات وعنصرية معينة ضد المنجزات الدرامية للبلدان العربية الأخري؟ ونتساءل أيضا هل كانت الذات المصرية في أي فترة تاريخية مصابة بكل هذا العدد من دعاوي الانغلاق والتراجع مثلما هو عليه الحال الآن حيث يتحول أداء ممثل سوري لدور في مسلسل مصري لمعركة وطنية تفرد لها الصفحات وتعلق عليها خمسة عشر قناة فضائية علي مدار الساعة؟

يقول الكاتب في مصر لا أحد خارج مصر، لم نعرف عن الجزائر في مناهجنا المدرسية سوي أنها احدي الدول العربية عاصمتها الجزائر، أهم الموانئ، وعدد سكانها.. الخ. هنا نتفهم أن الكاتب والإنسان ككل لا يعيد اكتشاف الأماكن بقدر ما يستعين بالمكان والزمان الجديدين علي إعادة بناء ذاته وإنضاج محتواه الفكري والنفسي بدرجة أولي. فالكاتب يسرد عن معرفته بالجزائر من خلال كرة القدم والانطباع العام بخشونة الجزائري ـ وربما المغربي بشكل عام ـ الذي ترسخ في ذهن ملايين يشاهدون مباريات الكرة ليل نهار. أيضا يتساءل الكاتب عن المليون شهيد ـ الصورة التلفزيونية عن الجزائر ـ وعن حقيقة هذه المعلومة الضخمة والدموية وكيف أننا إلي الآن لم نعرف من هذا العدد الضخم ولا حتي شهيداً واحداً. فحتي جميلة بو حريد المناضلة الجزائرية التي تعيش لليوم لا نعرف كمصريين علي وجه اليقين هل بالفعل تشبه الممثلة ماجدة التي قامت بدورها أمام العدسات أم نصدق الدعاوي التي تتردد الآن بأن جميلة مجرد عميلة انكشف أمرها ونحن نتابع الأداء علي الشاشة؟ سلاطين وكتبة ينقل الكاتب نصوصا كاملة وحرفية من خطاب ألقاه الرئيس الجزائري بوتفليقة في الجلسة الافتتاحية لندوة الرحالة العرب بالعاصمة الجزائرية ونقل الكاتب لهذه المقتطفات ليس من قبيل التهكم ولا أظن حس السخرية قد أسس لهذه الاقتباسات فقط الدهشة من الطريقة التي يتعامل بها الحكام العرب ـ باعتبارهم آلهة بشريين ـ مع المسائل الأكثر حسما وحساسية في تكوين الدولة برمتها أي الهوية وأزمتها العميقة في كل دولة عربية علي حدة.

فبمدئيا مهد حرس السلطان لقدومه المهيب فقرروا أن أحمد طفل الكاتب ذا الثمانية أشهر عنصر قد يثير الشغب في حضرة الرئيس ـ الذي لم يكن موجودا حتي ـ فوقع الكاتب فريسة الحيرة فأين يمكنه أن يخبئ هذا الإرهابي الصغير؟ لكن وعلي ما يبدو مما سرده الكاتب أن حراس السلطان قد انتهوا من قرارهم باعتبار الطفل إرهابيا أو مثيرا للشغب ولم يكن من بديل سوي لفتة إنسانية من موظفة بالمكتبة الوطنية ربما كانت أما أو ستكون لكنها بالتأكيد تحب الإرهابيين الصغار. أتي الرئيس بوتفليقة ـ حسب الكتاب ـ متأخرا عن الموعد أكثر من ساعة ليقرأ كلمة مطولة استغرقت بأنفاس متلاحقة قرابة النصف ساعة اشتكي فيها الرئيس من وجود المصادر التاريخية للجزائر في دول متفرقة مشيرا إلي المحاولات الحثيثة التي تبذلها جهات لم يسمها بهدف تشويه التاريخ الجزائري مستشهدا بمقولة عنصرية لإبن عبدون تجرم بيع الكتب للنصاري واليهود. ويعلق الكاتب أن تلك الإشارات العنصرية ربما كانت للرد علي اتهامات الصحف الجزائرية نفسها لبوتفليقة بالسعي لعلاقات قوية مع إسرائيل. ثم أسهب الرئيس في التحدث عن الصعوبات والعراقيل التي تواجه الباحثين الوطنيين في متابعة تاريخ وطنهم معبرا عن غضبه الشخصي من الصمت العربي والإسلامي علي ما تمارسه المراجع ودوائر المعارف الغربية من تشويه للتاريخ العربي خاصة في الجزائر. هنا يطرح الكاتب انطباعه الأساسي متسائلا إذا كانت جل مطالب الباحثين العرب أن توفر لهم الدولة الدعم لإنجاز مشاريعهم البحثية فإلي من يوجه رئيس الجمهورية خطابه في افتتاحية الندوة؟ وإذا كانت قناعته (الرئيس) قد وصلت إلي حد تبني خطاب الباحثين فما الذي يحول دون تبني الفعل؟ نحن بدورنا ـ كقراء ـ نتساءل إذا كان باحث في التاريخ أو صحافي ماهر قد كتب خطاب الرئيس الواردة نصوصه الحرفية في كتاب (خطوة باتساع الأزرق) فهل لم يطلع السلطان علي ما كتب خصيصا له؟ هل انشغلت عيونه التي تمتد شمالا حتي ساكوزي وشرقا حتي إسرائيل حتي عن استيعاب العبارات الواضحة وما تحمله من مفارقة بين خطاب أقرب إلي الشكوي ومواقف الرئيس نفسه؟ نتساءل بحرقة هل اختلطت الأوراق علي الرئيس في مفارقة كوميدية لتقع في يده شكوي ولأحد الباحثين المخلصين للجزائر والتاريخ بدلا من الخطبة الرئاسية العصماء؟ حتي وإن كان فهل من اشتراطات الزعامة العربية أن يؤدي الزعيم دوره علي المسرح كأي ممثل مبتدئ يتم تلقينه النصوص من خلف الستار؟ الشاعر يتنفس يقف الكاتب متأملا التاريخ ورافضا له في آن فهو وإن كان كصحافي مهتماً بالمعلومة الموثقة خاصة في رحتله فنراه يبحث بشكل حثيث عن كتيب رسمي أو ورقة بحثية ذات ثقل إلا أن ذاته الشاعرة والطفلة سرعان ما تجد المساحة والمكان الملائمين للخروج من كمين الصحافة ومعلوماتها المجففة والمضغوطة. فمنذ أن أعلنت الذات الشاعرة في بداية الكتاب انهيارها الاضطراري تجاه المعلومة الصحافية القياسية كانت هذه الذات تمارسا طقسا باطنيا عظيم الشأن فكأنها تترك سير الأحداث في بداية الكتاب والكتابة برمتها حتي تصل إلي الفصول الاخيرة منه فتبدأ شيئا فشيئا بالتعبير عن نفسها دون مزاحمة للمعلومة وتستخدم لسان الرواي الضمني لتتحدث ـ كما في السير الذاتية ـ عن الشجون التي أثارتها الشهادات بطول الكتاب وكأنما تقوم الذات الشاعرة بهضم منتظم لكمائن العمل الصحافي وتبدأ في صبغ الياقوتة بزيها التقليدي علي لسان البطل الذي يرتد إلي ذاته الشاعرة بأحاسيس طفولية كردات فعل متعددة.

بطول الكتاب يستعيد وليد علاء الدين أدواته ـ كشاعر ـ فور اصصدامه بالمفارقة بين ماهو راسخ وتاريخي وموثوق به وبين ما هو متغير وقلق وموجود بالفعل. فيبدأ الشرخ بين المعرفة والكشف عن الإنسان في الجزائر وداخل الكتاب نفسه. فتتحول الرحلة إلي حالة شجن ونقد للأشياء والإنسان معا وهنا اللحظة التي نفذت منها الذات الشاعرة لتعبر عن قلقها الشخصي ـ وقلق وليد كذلك ـ من التاريخ بعبارات انحبست طويلا تحت المعلومات الصحافية وآن لها قبيل نهاية الكتاب والكتابة أن تتنفس قليلا يقول الشاعر عن نفسه في أحد الفصول الأخيرة التاريخ في ذاكرتي رجل ضخم الجثة، غليظ الصوت، يضع نظارتين سميكتين تبدو عيناه من خلفهما ثقبين لحميين متورمين، يمسك في يده عصاً رفيعة كالسوط، يلوح بها بصورة مستمرة. ولا يتورع أن يهوي بها علي جسد من يقابله ويضيف الشاعر التاريخ في ذاكرتي هو معلم التاريخ ذلك الرجل الذي بدا رغم قسوته الشكلية، بسيطا وعفويا، ماهراً في التقاط المفارقة، يجيد حبك النكات القاسية علي كل من يقدم نفسه مادة للتنكيت. أليس التاريخ كذلك؟ من بداية بوح الكاتب الذاتي وانطلاقه كتابيا فيما بعد منتصف الكتاب وحتي نهاية صفحاته المئة يتخلي وليد علاء الدين عن رغبته المهنية في التسجيل، فتبرز رغبته المباشرة في اكتشاف الحياة، ولكن هذه المرة ليس من أجل الكتابة التقريرية للصحف بل من أجل البهجة، فيواجه ذاته في نفس الوقت الذي يستكشف فيه الحياة، تاركا لكتابته ـ بنغمتها الشعرية ـ كامل الحرية كي تنساب دون تعقيد حتي النهاية لتحكي ببساطة عن غربة اختيارية لشاعر وصحافي ورحلة عمل تحولت بقصد ٍ أو بالصدفة البحتة إلي ما يشبه التسجيل النفسي لسندباد جديد.

شاعر وكاتب مصري [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية