المطلوب التفكير وعدم الانجرار بصورة عاطفية بدافع الانتقام والعقوبات الجماعية
ذلك اليوم الذي ستكون فيه لدي الجيش الاسرائيلي طائرات اف 35 المراوغة القادرة علي الوصول الي ايران والعودة منها، ليس ببعيد. ليس بعيدا ذلك اليوم الذي ستصبح لدينا فيه سفن حاملة للصواريخ بعيدة المدي وجيش من الدبابات الأكثر تطورا في العالم، والذي يتزود فيه من أخمص قدمه حتي رأسه بالرادارات والاقمار الصناعية التي تُظهر لنا ما يشربه بشار الأسد في غليونه وهو جالس في قصره. ومع ذلك، لا تنجح اسرائيل هذه بقدراتها الكبيرة في مواجهة أكثر الاسلحة بدائية الموجودة لدي العرب.
في حرب الخليج أطلق العراق علي اسرائيل 39 صاروخ سكاد، متقادمة مع رؤوس متفجرة يبلغ وزنها 250 كيلوغراما. أسطول كامل من الطائرات الامريكية ووحدات الكوماندو البريطانية والاقمار الصناعية التي تراقب من الجو مناطق اطلاق النار لم تنجح في كشف أو تدمير حتي قاعدة اطلاق متنقلة واحدة. في عملية الحساب والعقاب في عام 1993 بقي الجيش الاسرائيلي داخل لبنان، ولم ينجح اسحق رابين كوزير للدفاع، وايهود باراك كرئيس لهيئة اركانه في ايقاف اطلاق صواريخ الكاتيوشا علي الجليل. ايضا في عملية عناقيد الغضب في عام 1996 لم ننجح في تخفيض مستوي اطلاق صواريخ الكاتيوشا وايقافه. هذا من دون أن نذكر حرب لبنان الثانية التي لم نتمكن فقط خلالها من ايقاف اطلاق الصواريخ والكاتيوشا، وانما تركنا وراءنا عدوا تمكن بعد عام من التسلح مرة اخري بعشرين ألف صاروخ جديد من كافة الأنواع.
مع ماضٍ كهذا تحول صاروخ القسام الذي بدأ مسيرته الحربية كذبابة مزعجة، خلال السنوات السبع الأخيرة، الي جهنم بالنسبة لسكان سديروت. بدائية هذا السلاح تحولت الي نقطة قوة كبيرة بالنسبة له، فهو سهل الاطلاق وصعب علي التشخيص؛ الجيش وجد نفسه عاجزا أمام ذلك. والعجز في الاغلب تمثل في الجلبة الناجمة عن ذلك والتي تفوق الضرر نفسه. ولكن مع الوقت وصل مدي هذا الصاروخ ودقته الي درجة أكبر وأخذ يغطي التجمعات السكانية اليهودية في غلاف غزة والي الأهداف الاستراتيجية في عسقلان نفسها. مع الوقت بدأت كمية اكبر من صواريخ القسام تنفجر في وسط مدينة سديروت. ومهما كانت هناك معجزات بقدرة القادر، الا انه من الواضح ان حدوث الاصابات المدمرة المباشرة لمدرسة مثلا، والتي تؤدي الي عدد كبير من الضحايا، هو مسألة وقت فقط.
اضراب المدارس في هذا الاسبوع والمظاهرة في القدس كانا خطوتين احتجاجيتين مبررتين جدا في مواجهة الاستخفاف الذي يتعامل فيه الجهازان الأمني والسياسي مع اطلاق الصواريخ المتواصل منذ سبع سنوات علي سديروت. الخطأ الأساسي ارتُكب من قبل ارييل شارون الذي لم يُبق في قطاع غزة قوة عسكرية مؤقتة بعد اخلاء المستوطنات في 2005، مُنتظرا ظهور طرف يتحمل المسؤولية هناك لتسليمه المفاتيح. حماس والجهاد ونصف دزينة من التنظيمات الارهابية ملأت هذا الفراغ. من الممكن التضامن مع السكان الغاضبين الذين يدّعون أنه لو كانت صواريخ القسام تسقط في رمات أفيف أو هرتسليا بيتوح، لحوّل الجيش الاسرائيلي بيت حانون ومحيطها الي أنقاض من الدمار منذ زمن طويل.
ولكن سديروت ايضا هي مدينة أساسية من مدن اسرائيل. والوضع الذي سلّمت به الدولة وقبلته، لا يُطاق. ليست هناك دولة في العالم توافق علي قصف احدي مدنها يوميا طوال سبع سنوات من دون رد ساحق. ايهود اولمرت قال علانية بأنه قد أمر الجيش الاسرائيلي بالقضاء علي القسام.
هذا شعار جميل للصحف ولكنه ليس بسيطا اذا أخذنا في الحسبان ما حدث إثر الأمر السابق الذي صدر عنه في قضية لبنان.
باراك قال ذات مرة ان الانتقام في منطقتنا هو نهج حياة، وان من يتنازل عنه يفقد مكانته الاعتبارية. ولكن في هذه النقطة الزمنية ستضطر اسرائيل الي إبقاء تسوية الحسابات حتي تمكّن الجيش الاسرائيلي من اعادة تأهيل نفسه وبنائها بُعيْد فشل حرب لبنان الثانية، والي أن تُستنفد مساعي التسوية مع الفلسطينيين في قمة تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
الاقتراحات الهذيانية المتمثلة بقطع الكهرباء والمياه والوقود عن غزة طالما بقيت الصواريخ تُطلق منها وإخافة السكان هناك من خلال فرقعات اختراق حاجز الصوت، هي عقوبات جماعية تشير الي فقدان البوصلة. ممارسة الضغط علي السكان لم تخفف أبدا من مواقف قادة الارهاب، لا بل تسببت في المقابل باثارة الرأي العالمي ضدنا.
في معسكر اليمين تتدحرج اقتراحات مختلفة. أحد هذه الاقتراحات هو زيادة كمية عمليات الاغتيال والقتل المستهدف ورفعها الي مستوي القيادة الأعلي (خالد مشعل مثلا)، او القيام بقصف كثيف لـ مصادر اطلاق النيران الذي يعني المس بالتجمعات السكانية المدنية، لابعاد مدي القسام. ولكن تهديد وزير الدفاع بأن الجيش الاسرائيلي يقترب من عملية برية واسعة النطاق في قطاع غزة، مفاجئ ومقلق في الأساس. ليس فقط لان المجلس الأمني الوزاري لم يقرر ذلك بعد، وانما لان هذه العملية هي من نوع الحروب التي يعرفون كيفية يدخلون اليها، ولكنهم لا يعرفون الخروج منها. هذا هو الوقت الملائم للتحرك من الرأس وليس من البطن ـ لا يتوجب بأي شكل من الاشكال الوقوع في مصيدة الاجتياح البري لغزة.
يوئيل ماركوسكاتب في الصحيفة(هآرتس) 7/9/2007