رحلة وقصص وحكايات من ضفة النهر الصنهاجي (1 من 2)
في قرية ماتام الموريتانية عليك أن تتخلي عن لغتك العربية الحسانية التي جلبت معك، إذ لا يلزمك منها إلا القليليعرفون أنهم من موريتانيا ويتحدثون عنها كأنها دولة أجنبية، من يسأل عن اصلنا يثير حفيظتنا، لأنه يطمع في عقولنارحلة وقصص وحكايات من ضفة النهر الصنهاجي (1 من 2)مصطفي محمد جمالهذه رحلة في العادات والتقاليد علي ضفتي نهر السنغال وهي عن النمطيات وعن المواقف التي يحملها سكان الضفتين عن بعضهم البعض: اي السنغاليين والموريتانيين وفيها بعض المعلومات الانثروبولوجية عن المعتقدات والعادات والسحر والشعوذة.عادات، عقليات: تهريب.. نهر الصنهاجة، دموع السماء الغينية، سماء فوتا جالون الباكية بحرقة، تضرعا وخوفا من الله، الباكية من الآثام، من بعض الآثام تبكي السماء، فتولد الحياة! طوبي لبعض الآثام!؟، الآثام التي تحدث تحت تلك الرقعة من السماء، فتعتصر مهجتها، فتبكي بدون توقف. منطق مستعص علي الإدراك! تبكي السماء فتضحك الأرض، تعبس الأرض فتبسم السماء، أهو التوازن الفيزيائي للكون؟! بكاء هناك، ضحك هنا، تعاسة هنا، نعيم هناك.. كذلك النهر الصنهاجي من المنبع الباكي إلي المصب الضاحك!.عندما انطلق في رحلته الأبدية الطويلة والشاقة، اجتاز عديد الوديان والأحراج، والوهاد والصحاري.. انحدر، ارتفع، استقام والتوي، كان يواصل بتصميم واندفاع، لا يلوي علي شيء، بعد نفس طويل انعطف، استراح، التف حول نفسه. عند بعض تلك الانعطافات كانت تتبرعم أحياءٌ، تجمعات، قري ومدن، بعض سكان تلك المدن والقري يولدون معها، بعضهم يفد إليها مدفوعا بالرغبة في تأمل استراحة النهر الأسطورية، لاكتشاف سره الدفين في أحشائه، النهر طيب القلب لأنه كان ولا يزال يسخي بسمكه، لكنه في المقابل يضن بأسراره، السكان يجهدون في تفسير تلك الأسرار، ينسجون الأساطير، يحيكون القصص، يلوكون الخرافات، لكن النهر لا يُستفز، فأضحي حضنه موئلا لكثير من الاعتقادات المحكية. الخرافة في حمي النهر تتفرهد، تشيخ وتتجدد، من أسطورة آمدو بيدا إلي كرامات الولي آده.قري توفوندسيفي، سيو، كرلي، كونديل، توكومادي جاءت متفرجة علي استراحة النهر، فاكتشفت أنها ليست الوحيدة، فمدينة ماتام السنغالية كانت تنغرز علي الضفة الأخري منذ زمن، ولأنها السباقة في المكان احتكرت دور الأمومة لتلك القري الصغيرة المتعيشة علي خبزها الممروق، كان علي تلك القري أن تقبل بالتبعية مدفوعة بالاتكالية. أهم تلك القري ماتام الموريتانية (توفوندسيفي)، فهي أشبه بالبنت غير الشرعية لمدينة ماتام السنغالية، فقد أعارتها اسمها وسمحت لها بتداول عملتها (الفرنك الإفريقي FCFA) وظلت تلقي إليها ببعض فتات الخضار وأنواع رخيصة من السمك المجلوب أصلا من موريتانيا، فضلا عن لهجة سكانها من البولار وطريقتهم في النظر إلي الأشياء، اللون، الموسيقي، الرقص، طريقة الطهي، الاحتفال بالمناسبات الاجتماعية والدينية (الأعراس، الموالد)، الإيمان بالرقي، تقديس الأشياخ والأرواح الشريرة، تبجيل الشرفاء. يدرك الزائر لأول وهلة -وبلا دليل- أنه يعيش وسط مجتمع (موري سنغالي)، ولكي يجد متعة الاكتشاف الحقيقي عليه أن ينزل إلي النهر الذي يسميه السكان المحليون بالبحر، ويسبح في مائه، ويغطس فيه ويتجرع. في قرية ماتام الموريتانية عليك أن تتخلي عن لغتك العربية الحسانية التي جلبت معك، إذ لا يلزمك منها إلا أكثر من النصف بقليل، ولتكن عباراتك التي ستستخدم طلائية مبسطة، من القشرة العليا، إن استخدمت عبارات غائصة أو عميقة فستبدو كمن يحدث نفسه، وسيكون الحديث عندئذ (حوار طرشان)، ستكمل النصف الباقي باللغة البولارية، وعليك أن تتعلمها حتي تكون علي دراية بما يدور حولك من مظاهر اجتماعية طقوسية. وإذا كنت مثلا لا تعرف أن (الباغال BAGAL) اسم للدلو الذي يستخدم لجلب الماء، فإن العطش سيودي بك حتما في فصل الصيف الشمامي الحار، وإن كنت لا تحبذ أو تتجنب أو تخاف شرب ماء النهر الذي يقال بأنه يسبب الكوليرا ودودة غينيا ويحتوي علي الزامور (فرس البحر) الذي يلتهم الغرباء أو يغرقهم في الأعماق. إن كنت لا تدرك أن كلمة (كاي KAY) التي تنطق بفتح الكاف مع المد هي تكملة كلام فسيضيع عليك معني الكثير من التعابير التي تحوي عدة قصص غريبة وخيالية حول السحر ومتعاطيه (السَّلُّ) أو (المَصّ)وممارسيه والشرفاء والأولياء الذين تأتي علي أيديهم البركة وجلب الأزواج للعوانس والفتيات الصغيرات، وإذا كانت كلمة (اللانَّه LANA) بتغليظ اللام، لا تعني لك الزورق الصغير فإنك حتما ستعبر فيها إلي ضفة السنغال المواجهة، لكنك ستكون عرضة للضحك والسخرية إذا نطقتها زورقا، ذلك الإناء المستطيل المصنوع من الخشب الذي يتهادي علي صفحة النهر، يدفعه صبي من زنوج النهر الذين يسمون توبولا TOUBOULA بواسطة مجداف خشبي ينــتهي بيد تشــــبه ملعقة العيــــــش الرغــــيد ( المرغاية). لا تخف من ماء النهرسيستحوذ عليك الوجل والخوف للوهلة الأولي وأنت علي صدر ماء النهر الرقراق، لكن عمر الصبي الذي قد لا يتجاوز أحيانا 6 سنوات سيعيد الاطمئنان إلي نفسك، وإذا كنت صاحب شهامة أو تحتفظ بمثقال ذرة من إحساس بالرجولة، فإن عمر ذلك الصبي سيشكل لك تحديا، لكن حذار، ثم حذار من الغرور، فذلك الصبي معمد بماء النهر، وسيموت في النهر ويعيش من وحي النهر، إنه دلفين بشري، فبإمكانه أن يغطس من الشاطئ إلي الشاطئ، وفي زمن الخريف حين يصل النهر إلي منتهاه علي الجانبين ويكون في عنفوان اندفاعه وقوة منسوبه، أولئك أولاد البحر (النهر) أولاد قبيلة توبولا ورثة النهر وحماته منذ الأزل وسيظلون كذلك.. يحتفظون بعيد النهر كل عام، أجساد أطفالهم زلقة كما لو أنها مطحلبة من كثرة ألفتها للنهر، شعور رؤوسهم منفوشة وناثلة، أكلها ماء النهر، كل ما عندهم للنهر مقابل أن يعطيهم النهر كل ما عنده، إنه اتفاق قديم أبرم بين النهر والأجداد، أولئك الأجداد الذين تتغني (بندا PENDA) بمجدهم الغابر وتستعيد ذكرياتهم الخالدة التي يتزود بها الأبناء الحاليون، بندا فنانة قبيلة توبولا تغني بصوتها الرخيم وهي تعبر النهر داخل أحد تلك الزوارق الخشبية.. تبدأ في الغناء من الشاطئ إلي الشاطئ، لا تتوقف، ولا يمكنها أن تتوقف عن الغناء أثناء عبور النهر، تواصل حتي تضع قدمها اليمني علي اليابسة، علي الشاطئ الآخر، هكذا اقتضت تقاليد قبيلة توبولا، هي كذلك تغني للبحر (النهر)، جوده، كرمه، سخاءه، رجولته، رجاله، سمكه، تماسيحه، موجه، رغوته، طعمه، عنفوانه، غضبه وفرحه… صبي قبيلة توبولا ذكي جدا، صبي البحر، ذكي جدا، ذكي ذكاء نهريا، سيسألك عندما يلحظ حذرك من الماء علي غير عادة السكان الذين يداعبونه ويغنجون ويتهارشون معه، سيسألك عندما يلاحظ صمتك وخوفك من الماء، سيسألك بجملتين متواليتين بلهجة النهرية قائلا وهو ينظر إليك باسما من خلال عينيه الحمراوين- الصفراوين: -آن ســــــوسا ما ييه، أورمــــا هولتو وني AN SOUSA MAYI, OUREMA HOLTOWENI ؟.سيتطوع أحد الراكبين ويشرح لك بتحمس ونشوة، وستقرأ من خلال ترجمته هو الآخر فضوله ورغبته في أن يكون هو صاحب السؤال، سيقول لك بلهجته المبتورة الأطراف: – الصبي يسألك إن كنت تخاف الماء، وهل أنت من أهل المنطقة؟.تجارة التهريب ملاذنا الوحيد سيكون عليك أن تجيب وتتحلي بصدر رحب، لأن الحديث سيطول وعالمك سيخترق، ليس بالإمكان أن يظل منيعا وأنت هنا علي الضفة حيث يتكلم الناس كثيرا، كثيرا جدا، يتكلمون عن أنفسهم أولا عن تجاربهم ثانيا، عن تجارتهم إلي السنغال، التجارة المهربة والمحرمة، كالسجائر والتبغ، والشاي والسكر، والفحم. يتكلمون بتحسر عن المرات التي صودرت فيها أملاكهم من طرف رجال الجمارك السنغاليين الذين يصفونهم بالصرامة والدقة وعدم التسامح مع المهربين، يتحدثون عن المواطن السنغالي الذي لا أمان له مع المهربين، فهو يبلغ عنهم إلي السلطات مهما كانت صداقته مع الشخص المهرب.- إنه (خداع وغدار) هكذا يقولون، لأنه يتنكر للصداقة والجميل حينما يشي بك إلي الجمارك، لكن عنده الحق يجيب أحدهم نفسه. ثم يردف لأن المواطن السنغالي عندما يبلغ عن البضاعة المهربة يحصل علي نصيب مقابل ذلك، كما أن القانون يخوله حق مصادرة البضائع المهربة يقول آخر، مســــتعرضا وعيه وفهمه للأشياء بطريقة متحضرة. لا مجال لنا الا التهريبعندما تسألهم بدهشة قائلا: ورغم ذلك تواصلون التهريب؟ يجيب أحدهم بشماتة قائلا: ومم نعيش؟، إن السنغال هي ملاذنا الوحيد، والمتاح لنا هو التجارة فقط، تجارة التهريب، لا خيار آخر، يجيب آخر كان ساكتا يتأمل منظر الماء ويجيل بصره ما بين الأفق وبالونة تلعب علي وجه الماء، يجيب: هكذا الحياة، يوم لنا ويوم علينا، أحيانا نربح كثيرا، نحصل علي مبالغ خيالية في فترة وجيزة، خصوصا في فصل الخريف، لأن المنمين من قبائل الفلان السنغاليين يعودون من مالي للانتجاع في أراضيهم، ويقيمون حفلات الأعراس، وأحيانا نصادف رجال الجمارك ويصادرون جُل ما نحمل من بضائع دون رحمة، ثم يضحك جادا أو هازلا، ويواصل: وعندما نفكر في الاعتراض قد نتعرض للسجن مدة لا يكلم عنا فيها أي خبر، ويواصل بعد لحظات ينزل فيها ساقيه إلي الماء ويرفس في كل اتجاه مطايرا رذاذ الماء علي ثياب الركاب، يقول: نادرا، نادرا ما يعيدون لك بعض البضاعة، أقل كثيرا من نصفها، قد يصل إلي خُمس ما فقدت، لكن شيء قليل خير من لا شيء كاي، ثم يجيبه آخر جالس عند طرف الزورق بدأ يهم بالوقوف استعدادا للنزول: إنهم مختلفون تماما عن رجال الجمارك الموريتانيين!. ثم ينفجرون في موجة من الضحك الصاخب وهم يتقافزون علي اليابسة. إنهم يعرفون أنهم من موريتانيا لكنهم يتحدثون عنها كما لو أنها دولة أجنبية، يعلل أحدهم ذلك قائلا بعد أن يتثاءب عن أسنان تتخللها واحدة صفراء -لاشك أنه زرعها أو غلفها في السنغال- يقول بعد تأتأة كهمهمة الفرس: – إن من يسألنا إن كنا موريتانيين يثير حفيظتنا، لأنه يطمع في عقولنا، انظر -ويشير إلي أحد مرافقيه- هذا من قبيلة تجكانت، وهذا من أهل سيدي محمود، وهذا من إدوعيش، ويضرب صدره بعنف مكملا: وأنا من لمتونه، عرفت؟ نحن كلنا موريتانيون إلا أن هذه المنطقة ليس عندها أهل محددون، فكل شخص قادم من جهة من موريتانيا، والبعض قدم أثناء التسفير من السنغال في أحداث 1989 واستقر هنا، المسفرون لا يريدون أن يبتعدوا من السنغال، يحنون إليه دائما ولا يريدون أن يبتعدوا عنه، إنهم يتميزون عن بقية السكان بلغتهم وعاداتهم، ألا تلاحظ ذلك؟ لا يعرفون الاحترام وليس عندهم معرفة في الدين، وكلامهم غير مستقيم، ثم يستطرد راجعا إلي الموضوع: قلت لك نعم نحن من موريتانيا لكن السنغال توفر لنا كل شيء، الأرز، الخضروات، الطب، السمك، ونحن نوفر لها الفحم والحطب وأشياء أخري، يتلقف منه أحد رفاقه هذه الجملة الأخيرة قائلا: السمك الذي نشتري من السنغال قادم أصلا من موريتانيا، فيرد عليه بتعنيف وسخرية قائلا: أنت لا تعرف إلا بيع اللحم المشوي في السنغال، من قال لك إنه مجلوب من موريتانيا؟. ثم يواصل دون أن يسمع الجواب: وحتي خطوط الاتصال فإنها سنغالية، نحن هنا ليس عندنا إلا شبكة الاتصال السنغالية، أتعرفها؟ تسمي (آليزي ALIZE). وقد يحسن بالشخص أن يسألهم باحتراف خوف إثارة غضبهم قائلا: – وهل تعلمون أن الشعب السنغالي يزرع كما نزرع ويحصل علي الخضار من الأرض التي علي شواطئه كما هي علي شواطئنا؟. سيضيع هذا السؤال في أغلب الأحوال أو سيحصل علي جواب ليس طبقا للسؤال، لأن الجواب عليه سيتحول إلي سؤال آخر من قبيل: لكن ما هو دور الحكومة؟ الشعب السنغالي عنده حكومة تعتني به ونحن حكومتنا لا تهتم بنا ويقولون أيضا علي سبيل دفع السؤال إلي جهة أخري دون أن يدركوا أنهم يدينون أنفسهم بطريقة غير مباشرة، يقولون: إن المواطن السنغالي واع جدا، والزراعة بالنسبة له مصدر عيش مقدس، والمواطن في السنغال عندما يزداد سعر كيلوغرام الأرز بفرانك واحد يقيم الدنيا ولا يقعدها، والمواطن في السنغال لا يمكنه أن ينتزع سواكا من شجرة، لأن الشعب هو الذي سيعاقبه قبل أن تعلم بذلك السلطات، ونحن انظر إلي غابتنا، أصبحت سهلا عاريا، لا أشجار فيه، لكن الحكومة متمالئة ومتواطئة، وهي المسؤولة عن ذلك. يعشقون المقارناتإن سكان هذه المنطقة يعشقون المقارنات، بل إن طبيعة موقعهم الجغرافي جعلتهم يفكرون بطريقة مقارنة دائمة ولعل ذلك يدل علي تمسكهم بقدر ولو قليل من الشعور بالذات والانتماء إلي مجتمعهم الأصلي الذي له سمات ومميزات تختلف عن المجتمع المواجه لهم علي الضفة الأخري، رغم ذوبان الكثير من الفوارق والخصائص، فعـــــندما يذكر اسم الــــفنان السنغالي يوسوندور YOUSOU NDOUR تتوالي الترديدات التي تعبر عن الإعجاب، وكذلك الفنان السنغالي بابا مال BABA MAAL والفنانة فيفياندور VIVIANDOUR. أنتم البيضان وسخون وعنصريون، وأنا لا أريد أن أكون ضرة التلفزيون السنغالي والإذاعات المحلية والجهوية التي تبث علي الموجات الترددية هي رفيق الشاي والقهوة والحقل، وأنيس المنازل التي لا زالت طريقة بنائها تشهد علي نمط حياة قديم، بائد وبائس، الأوساخ والغبار والهزال سمات أساسية لأطفال مناطق الضفة رغم وجود النهر وتوفر الصابون ولمعان أجساد سكان الضفة الأخري ولو بالمراهم، ربما لهذا سيفهم السبب وراء مقولة سكان الضفة الأخري من الزنوج: (أنتم البيضان وسخون) فالنماذج الماثلة أمامهم تبرهن لهم علي ما يقولون، فيتوهمون أن هذا هو النموذج الغالب في مجتمع البيضان، وإن تصادفوا مع بيضاني نظـــيف أو متأنق سألوه بالصيغة التالية: – هل تربيت في موريتانيا؟ وعندما يجيبهم بنعم يشدهون، يصمتون للحظة ويدققون النظر قبل أن يردوا: عجيب لم نر بيضانيا هكذا، كأنك سنغالي. عندها سيعاملونك بحذر واحترام وبطريقة مختلفة، وستشكل بالنسبة لهم استثناء من القاعدة، القاعدة البيضانية العامة: الوسخ، وممارسة التجارة، الولع بالنساء السنغاليات المتبرجات، الاستعداد للتضحية بالكثير من النقود مقابل الحصول علي إحداهن…جمارك ومصادرةرجال الشرطة والجمارك الرابضون عند الشاطئ الموريتاني يعطلون العمل بالقانون في هذه الأوقات، فالتفاهم والعلاقات الشخصية (والمصلحة المتبادلة) والسرعة في المعاملة هي المفضلة لديهم في هذا الوقت، أيا كان نوع البضاعة المهربة، فصيغة التفاهم تظل دائما ثابتة مع تغيير في الأرقام فقط، وإذا كان الأمر يتعلق بمواطنين سنغاليين بدون أوراق، فنعم الصيد والمغنم، لأنه سيحلو السمر، ويكون باستطاعة الشرطي أو الجمركي أن يفرض شروطه علي كيفه، لكن في النهاية سيحصل الاتفاق. العبور إلي موريتانيا أمل معظم شباب الضفة الأخري، أما الوصول إلي نواكشوط فهو حلم يداعب كل خيالاتهم، لأن موريتانيا بالنسبة لهم محطة عبور إلي الفردوس الأوروبي، لا يجد أحدهم غضاضة في أن يعرض عليك مبلغا محترما من الفرانك الإفريقي مقابل حصوله علي أوراق موريتانية، يستوي في ذلك عندهم الرجل والمرأة، المرأة تقول لك: – عندما أحصل علي أوراق سأذهب إلي أوروبا لأعمل. – أي شيء تعملين؟، أسألها، فتجيب: – أعمل أي شيء، خادمة، مربية.. أي شيء. أما الرجل فإنه لا يعطيك فرصة للسؤال لأنه يلح عليك قائلا: – إيه EH، كران GRAND هل يمكنك أن تساعدني حقا في الحصول علي أوراق؟، وكله أمل في أن تكون واحدا من أولئك الذين سمع بأنهم يزورون الأوراق، ويسهلون عملية العبور والهجرة. ستعجبك في الرجل السنغالي بنيته الأسطورية وصحة بدنه، ومع ذلك رغبته في أن ينميها في أوروبا، المرأة سيعجبك طموحها وقدرتها علي الجمع بين الاستكانة لسطوة الرجل، والجموح والرغبة في عبور البحار. يطيب لي أن أقارن ما دمت بين ظهراني مجتمع يعشق المقارنات، أقارن بين طموح المرأة علي الضفة الأخري، وطموح المرأة عندنا، فالمرأة عندهم تعمل باعتبارها جزءا من الأسرة، تساهم في مصروفها اليومي، تعمل أي شيء، بائعة مكعبات الثلج، بائعة الفول السوداني المشوي، بائعة المانجو.. منظفة ماهرة لمنزلها، وطاهية جيدة ومساهمة بعقلها ودخلها وتربيتها إذا كانت متعلمة، وطامحة إلي الهجرة، الرجل والد الأسرة عندهم يدفع ثمن الأرز والغاز أو الفحم وعلي المرأة أن تكمل الإيدام، كيف حال المرأة عندنا إذن.. هل هي كذلك؟!!. أنت وسحار، إنه مصّاص و(لكّاك)في منطقة الضفة تتردد مصطلحات كثيرة بشكل يومي مثل هذا سلال وأنت سلال أو هذا حجاب أو هذا عبد… عقليات بائدة وأخري غريبة لا زالت راسبة في نفوس سكان هذه المنطقة. الحجابون ومدعو الرقي مقدسون، مبجلون، مهابون بقدر انتشار ظاهرة السل أو السحر كما يقولون، قصص غريبة ومخيفة يتم نسجها حول أشخاص يرمون بأنهم سلالون أو ( لكاكون ) كما يقال، ويتم شفاؤهم بعد أن يذهبوا إلي ( حجاب ) يجعلهم يتقيأون قلوب أفراد سبق لهم أن أكلوهم وقضوا عليهم بواسطة السل، بعد ذلك يتحول المعالَج إلي معالِج لمن يتعرضون للسل، أو من يصيبونهم، سيطير قلبك فرقا عندما تعلم أن محدثك أو جليسك بل رفيقك وزميلك هو مجرد سلال. لأنك ستشعر بأنك كنت قاب قوسين أو أدني من الموت، لكن من اللافت للنظر أن أيا كان لن ينجح في أن يبرهن لك علي ما يسمي ظاهرة ( السل ) . – هل هو العين؟، أسأل- لا، وليس السحر.. يجيبونك. – ما هو السل إذن؟ أسأل بإلحاح ورغبة – السل هو أن يمتص أحدهم دمك وتموت بعد يوم أو يومين. – لكن كيف يمتص دمي وهو لم يذبحني ولم يصبني بجرح نازف حتي يمتص دمي؟ – أنت تمزح إذن ولا تصدق، وسوف تظل نافيا حتي تقع؟ يقول لي أحدهم: أفزع وأرتجف، أخاف من اللهجة المهددة ومن الغموض الذي يلف حديثهم عن السل، – اسمعوا أنا أريد أن أفهم حقيقة هذه الظاهرة، كثيرا ما سمعت عنها وبودي معرفة بعض تفاصيلها فقط، نعم، أنا أصدقكم بأن السل موجود، لكن من يريني، من يثبت لي ويخبرني عن علامة متعاطيه. – نحن كلنا نسمع مثلك، لكننا لسنا ممارسين له، أما أعراضه فهي أن تعاني من ألم حاد في بطنك تشعر فيها بوخز الإبر، كما تشعر بجسم ثقيل جاثم علي صدرك، يمنعك من التنفس أو الكلام، هذا ما حدث معي، يجيبني أحدهم بثقة. – هل تدلني علي من يعالجه؟.- نعم، بكل رحابة صدر، اسأل عن الحجاب (آبه) يسكن علي الضفة الأخري ويأتي كل يوم في مثل هذا الوقت، وله عدد كبير من المريدين في هذه الأنحاء، سيوافيك بكل التفاصيل. في قرارة نفسي أخاف من (آبه)، لكنه لا يليق بي إظهار خوفي منه، سأتظاهر برباطة الجأش وأنا بحضرته، شكله لا يوحي بالطمأنينة، شيخ رأسه من كتان، فمه أدرد إلا من بقايا جذور أسنان صفراء تفصل بينها فتحات من لثة مبقعة بالسواد، عينان من دم تتحركان في محجرين ناتئين مهدبين بشعر أبيض كثيف، يتحدث بكلمات مجرورة هادئة مسحوبة من بعيد تصحبها تحديقات متواصلة في السماء مع إشارات غامضة بسبابته الغليظة، يستخدم كلمات أســــمع بها لأول مرة مثل: (بعكوكة، الطرجني، كاترة، ناش..) عمره المتقدم وجسده المنهك لا علاقة له بصوته الخليق بشاب قوي: – لقد تمكنت من معالجة فلان، جعلته يتقيأ 60 قلبا وقبضت علي فلانة ابنة عمتي وأبقيت عليها في وضعية حمامة ليلة كاملة حتي توسط فيها فلان، فأطلقت سراحها.كان يتحدث بثقة ثم أضاف وهو ينقر ويضرب بعصاه علي الرمل المغبر مركزا نظره باتجاه واحد كالكفيف: – تكون المرأة (سلالة) إذا كانت تكثر من النوم في الهواء الطلق وهي في حالة حمل، فتمر بها جماعة من المستترين تحمل كمية من الدم، فيمسحون علي فمها، وإذا ولد جنينها يصبح تلقائيا أسدا صغيرا (سلالا) حتي يشب علي ذلك. وأردف بعد أن نفث دخانا كثيفا من عظمة غليظة اسودت من الداخل: ـ عندما يريد (السلال) أن يطير تخرج روحه من جسده لتدخل في جسم نسر أو بازي كبير الحجم أو أي حيوان، ويبقي الجسد علي هيئة النائم نوما عميقا، ولا يحتمل أن يلامسه أي أحد، ويمضي ذلك الطائر وقتا حتي يستكمل مهمته ويعود ليتمرغ في مراغة الحمير حتي تعود روحه إلي جسدها الأصلي.. ظل (آبه) يتهرب ويحوم حول السؤال الجوهري بماهية (السل) دون أن أحصل منه علي ما يبرهن لي علي وجوده سوي ما سرده من بطولاته في معالجة الكثيرين والقبض علي آخرين وفضحهم، فعدت وأنا محمل بزادي وانطباعي عن السحر بما سمعت من سكان المنطقة من قصص يعجز حتي الخيال الجامح عن تصورها. ويسرد محمد الحرسي القديم: – أنا مثلك لم أكن أصدق ما يقال بشأن السل أو ما شابهه، كان يتعذر عليَّ ذلك وأنا المؤمن بالله وبالأسرة المحافظة وحافظ نصف القرآن، لكن أحداثا توالت علي، وتجارب عشتها بددت كل اعتقاداتي السابقة. ثم يستحضر ويتذكر أحداثا قديمة قائلا: كان لي صديق مثل نفسي، بل كنت أحبه وأوثره علي نفسي، عشرة عمر، ومعايشة المر والحلو، في المحظرة والتجارة، عشنا كأخوين تماما مثل هذين (ويشير إلي أصبعيه) ولا زلنا كذلك، يقول، رغم الزمن والبعد، أكرر: كان لي هذا الصديق -الأخ- وقد تزوج فتاة من خارج الحي، مما سبب له الكثير من المشاكل مع الأهل، خصوصا الوالد الذي كان يعترض علي محتدها الذي يعتبره منحطا!، فضلا عن كونها غريبة علي المجتمع، أما ما كان يتردد عنها من كونها تتعاطي السل (السحر) فلم يكن محل نقاش، ومع إصرار الابن علي الزواج منها وإقدامه علي ذلك جعل الأم والأخوات يرضخن لإرادته، بحكم أنه وضعهن أمام الأمر الواقع، خصوصا بعد وفاة الأب بفترة قليلة، وتولي الابن تسيير شؤون الأسرة باعتباره الابن الوحيد والأكبر، من جهتي كنت أعتبر مسألة زواجه منها حقا مشروعا ولا تجب مناقشته مع أي كان.. المبررات التي كان الأهل يتعللون بها، كانت تبدو لي واهية ولا تستند علي أي أساس، فنسب الأولاد يعود إلي والدهم، وقضية تعاطيها للسل (السحر) أمر لا يمكن إثباته بأي حال من الأحوال وبحكم علاقتي بزوجها، كان من الطبيعي أن تتوطد علاقتي بها حتي صارت كما لو أنها أختي، فأسرارها هي أسراري وما يضرها يضرني.. أزورها وقتما أشاء وأنصرف وقتما أشاء، سواء بحضرة زوجها أو في غيابه، وكان من السهل علي أن أشتبك مع أي أحد يتهمها بتعاطي السل، مصرحا أو ملمحا، مهما كانت العلاقة التي تربطني به، وإن كنت تريد أن تتأكد بنفسك، سل عني ابن أختي الذي اضطررت لمقاطعته مدة شهر بسبب اتهامه إياها. أسأله قائلا: وأنا أختلق الدهشة خوفا من إثارته، فهؤلاء الناس لا يحتملون أن تشك في كلامهم في هذا الموضوع بالذات. – أيوجد ابن أختك هذا؟ – نعم، موجود، إنه صاحب الحانوت ذي الأبواب الصفراء المطل علي الضفة. – أنا أصدقك طبعا، فماذا كان من أمرك معه؟ يجيب بنشوة قائلا: – اضطررت لمقاطعته كما قلت لك مدة شهر كامل لا أكلمه ولا أنظر إليه، رغم أننا نسكن في مكان واحد، بل إنني كنت أستعين به في التجارة. – كيف كان اتهامه لها إذن، أريد بعض التفاصيل؟ ….7