ذاكرة الإرهاب ومصير (فلسطين العرب)!

حجم الخط
0

مطاع صفدي

البحث عن نوع المعايير السياسية التي تحرك الدول العربية، يؤدي إلي حقيقة مركزية وهي أن كل نظام حاكم ليس هاجسه أمنه الذاتي فحسب، بل أمسي هذا الهاجس نفسه متعلقاً بمدي الضمانة التي يتكفل بها مدي ولاء النظام للدولة العظمي أمريكا.

وفي عهد الرئاسة البوشية اصطبغت الضمانة هذه بطابع الشخصنة الخالصة أي أن الولاء لأمريكا تجاوز حدود العلاقة ما بين دولة ودولة، لتغدو أشكالاً من الطاعة يمارسها مباشرة الرؤساء الصغار تجاه الرئيس الأكبر. وهؤلاء يدخلون في تنافسات التظهير اليومي لطقوس الطاعة فيما بينهم. إنها تلك الطاعة المحتاجة دائماً إلي تقديم البراهين العملية علي صدقها، في كل مناسبة. وهذه البراهين يجب أن تتبع أمزجة السيد الأعظم وتقلباتها. فتصير الطاعة الاختيارية تجوزاً إلي طواعية مجانية لا ثمن لها علي الإطلاق. حتي الأمن الذاتي للمرؤوس المتمثل في دوام سلطته علي مجتمعه، ينتهي إلي أحوال من عدم اليقين للغد أو ما بعده. فقد آلت الهيمنة الأمريكية علي مجمل الأنظمة العربية الحاكمة إلي هذه المرحلة الراهنة من سيطرة قواعد الامتثال السياسوي علي أعضاء نادي الحكام العرب. وما يعنيه الامتثال أن المرؤوس الطائع لا ينتظر أوامر السيد ليفعل كذا أو كذا، بل قد يتحدد ولاؤه بقدر ما يتمثل في ذاته شخصية السيد. فيصير هو الآمر والمأمور. وهذا ما يفسر عنف التسابق بين الأتباع ليحتل البعض المرتبة الخالصة كلياً في تبعيتها، ويتخلف البعض الآخر إلي المراتب التالية والثانوية، لكن دون انقطاع الأمل بفرصة القفز إلي المقدمة.

نادي الحكام يعج بالحركة هذه الأيام. هنالك مشاريع قومية وقطرية عديدة ينبغي الاهتمام بها والانخراط في إنجازها. فالرئاسة الأمريكية علي عجلة من أمرها. لقد قررت ألا تبارح البيت الأبيض إلا وهي متخففة من أثقل أعبائها العربية والإسلامية. لكن هذه الأعباء ستظل أمريكية وليست محددة بعهد البوشية الآفلة، وإن كان هذا العهد قد ضاعف من أوزانها، ملحقاً بها أفدح الخسائر من كل نوع، تحت عناوين الانتصارات المطلقة. ولكن دون العودة إلي نصوص هذه الخسائر في التاريخ البوشي الموشك علي كتابة صفحاته الأخيرة، فإنه من اللافت حقاً هذا الحراك العربي الرسمي الذي يواكب عصر التصفيات السياسية والعسكرية لحقبة الاحتلال الأمريكي للعقل العربي الحاكم. وهي تصفيات تهدف إلي تخليص المنجزات المحورية من شوائب كثيرة علقت بها. فالمهم بالنسبة لما تريد البوشية أن تسجله من هذه الحقبة، هو هذه القاعدة التي تصير بمثابة مبدأ استراتيجي راسخ في أصول تعامل الأمركة مع طبقة السلطة الجاثمة علي صدر المجتمع العربي، وهي أنه ليس ثمة حكم عربي قادر علي تأمين حاضره ومستقبله إلا بقدر ما يؤسس لذاته مكاناً ما تحت المظلة الأمريكية. فيصحّ هذا المبدأ بالنسبة للحلفاء الراضين به مقدماً، كما أنه يصير هدفاً مطلوباً لمن يتبقّي في خانة الممانعين. فإذا كان الأوائل من زبائن الحزب الجمهوري، فإن الآخرين يجلسون في غرفة انتظارٍ لقدوم الحزب الديمقراطي إلي مقاعد السلطة الأولي. فالسياسة العربية لن تكون امتداداً لسياسة أمريكية خارجية. إنها جزء حقيقي تابع لتركيبة البنية الحاكمة أمريكياً داخلياً.

لم تذهب إدارة بوش بعيداً (بقدر ما هو تقرير واقع) وذلك، عندما أعلنت بصريح العبارة أن لبنان مع حكومته الحالية جزء من الأمن القومي الأمريكي؛ وهو الأمر نفسه طبعاً بالنسبة للعراق والخليج وفلسطين ومصر، وحتي سورية وإيران. فهما الخارجتان مؤقتاً ومرحلياً، ريثما يتم وضع حد لشرودهما خارج القطيع العام، بطريقة أو بأخري. ضدّ هذه النقطة هناك بالطبع من يردّ بالقول أن العالم كله معَّرضٌ للأمركة. فالعولمة التي لم تعد تغزو المجتمعات من خارج، بل تستدعيها الحياة الاقتصادية، وربما الثقافية أيضاً، التي تعيشها هذه المجتمعات نفسها، قد باتت هي التسمية الشمولية الخادعة للمنتوج الحضاري الأمريكي. إنها تشتق لفظها من اسم العالم ليس كفاعل، بل كمفعول به، كموضوع شمولي للفاعل الأحادي الخاص. فالعولمة كاذبة في لفظها، لكنها صادقة في مضمونها، في فعالية تجيير الكلي لصالح الفردي الأقوي.

لكن العولمة عندما تجتاح العالم فإن العالم يغيرها. وهكذا فالأمركة لن تظل هي عينها خارج حدودها الجغرافية والحضارية. وها هي، في تمرينها الأكبر لتدشين مستقبلها الكوني، خلال نزوعها المتمادي لدرجة الجنون، إلي الاستيلاء علي قارة العرب والاسلام، كمقدمة أو مدخل إلي اختطاف مستقبل العالم؛ ها هي (الأمركة) لا تنتهي فحسب إلي الاثبات الواقعي بعقم وسيلتها المفضلة، المتمثلة في اختلاق العدو وتدميره، من أجل استباحة سيادته ووطنه وثرواته، بل قد يتحول التدمير الهمجي المطلق إلي باعث ومفجّر لما يضاده، ويتهدده في عنف جبروته. بعد ستة أعوام من تجارب الانتقام الأمريكي الموجه إلي إنسانية القرن الواحد والعشرين، عبر حروب الإرهاب ضد القارة العربية الإسلامية، رداً علي كارثة الرمز التدميري لناطحات السحاب في نيويورك، لكل من جبروت المال فيها، وجبروت القوة العسكرية في رأسها المفكر، (البنتاغون) في واشنطن، فإن الأمركة لم تنجح في تعميم صيغة (أمنها القومي) علي الخارطة الدولية، واستيعابها ضمن إطارها المفهومي والعملياني معاً. فإن مثقفي أمريكا الواعين يكتبون ويصرحون يومياً بأن مغامرات أمريكا البوشية لم تستطع إجبار أمم الأرض، علي تقديم طقوس الطاعة العمياء لمشروع المحافظين الجدد في إقامة الحكومة العالمية برئاسة البيت الأبيض. فالجغرافية الدولية قاومت محاولات صياغة العالم كهرم ممسوك برأس واحد من أعلاه.

قد تكون صحوةٌ جديدةٌ لما يعنيه مصطلح الذخيرة الإنسانية الأعمق، المغروسة في طبيعة التاريخ الآخر، المجهول والمتجاهَل دائماً من كل غزاة الإمبراطوريات الغابرة، وصولاً اليوم إلي أكبرها وأخطرها مع هذه الأمركة الفاشية المعاصرة. هذا بالرغم من إمكانياتها غير المسبوقة في مختلف ميادين الحضارة المادية بخاصة، ومن كافة استعداداتها الميدانية نظراً وعملاً، إلا أنها كانت هي المخططة والمشرعة والمنفذة لاستعادة همجية التاريخ، تحت طائلة تبريرها بالتحديث، المشروط باتحاد العقلانوية التقنية بالمصلحة المطلقة؛ وبالطبع كما تفهمها وتقدرها تلك النخب ـ النادرة في جنسها المتفوق! ـ التي يري زعماؤها أنه لا مندوحة من إفقار العالم، بالسرقة والنهب والحرب، من أجل الحفاظ علي سوية الرفاه الملتبس في أوطانهم، بل الخاص بطبقتهم مع سيادتهم المستديمة عليها. فما كانت تحاوله الحقبة البوشية، في سيرورة الأمركة المعاصرة، هو ترسيخ عقيدة أيديولوجية، تتضمنها الليبرالية الجديدة، وتنصّ علي أن تحديث الهمجية بالتقنية العالية الكفاءة، بالاستغلال والتدمير الشمولي لمقاومات الشعوب، إنما يرفع عنها كل مسؤولية أخلاقية. فلكل عصر شرُّهُ الذكي أو المتذاكي، معتقداً أنه قادر علي تحييد الفضيلة، وتجريدها من دفاعاتها المشروعة. ويحدث ذلك تحت وطأة اختطاف الانتصارات المادية والعملية، سواء منها الواقعية أو المتوهمة، إذ سرعان ما يعاود الشر المستبطن/المحدَّث، محاولةَ احتكارها لصالحه، تحت تسميات لفظية جديدة خادعة.

لكن كل حرب مهما طغت وتجبرت، فإنها تخسر معركتها الحاسمة ما أن يسبقها سقوط أيديولوجيتها. وفي اللحظة الأمريكية العربية، بل الدولية، فإن (الما يحدث) الاستراتيجي الأكبر هو أن الهمجية المحدثة موشكة علي خسارة معركتها الأيديولوجية، قبل أن تتابع انكسارات حروبها حتي النهاية الكلية المحتومة. وعلي هذا فإن أخشي ما تخشاه الأمركة المستدمية في هذه اللحظة هو أن تذهب، مع اندراس الحقبة البوشية، عقيدة الهمجية التحديثية، ومع آخر تمارينها الهالكة المهلكة ضداً علي مبدأ تعددية الثقافات؛ وقد أثبتت المقاومات العربية الإسلامية إمكانية الدفاع عن هذا المبدأ، كأفضل برهان ليس علي مدي صوابيته المنطقية وحدها، بل علي كونه هو الشرط التاريخي المنتظر ـ فلسفياً علي الأقل ـ لإفلاس استراتيجة واقعية قائمة علي (دوغما) الهمجية التحديثية أو المحدَّثة، وإلي انقلابها إلي مجرد يقظة كاذبة وأخيرة ربما، لأسطورة الشر المحض الذي يعثر في كل عصر علي أدوات له وممثلين ووكلاء، وتكون مهمتهم بناء جاهزيات له من مادة العصر وفكره.

وهكذا، فقد كانت حقبة الإرهاب البوشي محتاجة إلي استنباط أقصي فنون الظلم العصري، كيما تستثير في وجهه أعنف ردود اليأس الإنساني، حيثما لا يعود يُقابَل الموتُ الا بالموت الأعظم منه. فإذا كان ثمة (إرهاب إسلامي) فهو في أصله أمسي آخر اختراع دفاعي في شرعة اليأس، بما يفرضه من أكلاف لا بد أن يدفعه أبرياء من بعض شعوب الطغاة بالنيابة عن طغاتهم، إلي حين تعيد طلائع فكرية أخري مستقلة، النظرَ في حقيقة السؤال عما هو الإرهاب وأسبابه، ومن يتحمل مسؤوليته الأخلاقية، وليس السياسية أو الحقوقية فحسب.

لكن وحدَه النظامُ العربي الحاكم يستثني نفسه من مواقف المراجعة الجدية لأدواره الملتبسة في متعرجات الحقبة البوشية. وهي أدوار عاجزة في مجملها عن تجشم عناء الاستقلال في الرأي علي الأقل. بل تري نفسها موغلة أكثر فأكثر في الانضواء تحت جناح (الأخ الأكبر) في البيت الأبيض. حتي أنها لا تكاد تعترف بلحظة انقضاء الحقبة، وعقم المغامرات القومية والأخلاقية الكبيرة التي يدفعها إلي ارتكابها قبل رحيله. وأخطرها ولا شك هذا الاجتماع الدولي لتصفية القضية من الملف الفلسطيني، والإبقاء فقط علي بعض عناوينها الثانوية.

ما تبقَّي للبوشية الآفلة هديتُها التاريخية الكبري لإسرائيل في الفوز بتواقيع الدول العربية مجتمعة كلها (؟) هذه المرة، علي وثيقة الانتهاء من فلسطين العرب، والانشغال فحسب بفلسطين (فتح) و(حماس) و(أولمرت) وسلالته.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية