السجلّ الميداني للصحافي المصري ـ الأمريكي أيمن محي الدين حافل، ومشرّف؛ من نقل جلسات محاكمة صدّام حسين، إلى وقائع «الربيع العربي»، في مصر تحديداً. وخلال العدوان الإسرائيلي على غزّة، مطلع العام 2009، كان الوحيد الذي راسل محطات عالمية، أمريكية بصفة خاصة، متواجداً على الأرض. وفي أواخر العام 2012 غطى، أيضاً، الغارات الإسرائيلية على القطاع؛ وقبل أيام كان الشاهد البليغ، المؤثر عاطفياً والمحترف مهنياً، على قصف القاذفات الإسرائيلية للأطفال الفلسطينيين الأربعة الذين كانوا يلعبون على رمال الشاطيء.
كيف كافأته محطته، الـNBC الأمريكية،على التقرير الأخير، الانفرادي والاستثنائي؟ كفّ اليد عن العمل، والنقل إلى موقع آخر، ليس خارج القطاع وحده، فحسب؛ بل خارج فلسطين كلها، أو إلى جهة ظلت مجهولة طيلة أيام. زملاؤه، وأوساط صحافية وإعلامية في أمريكا أوّلاً، وعلى نطاق عالمي، تضامنوا معه دون إبطاء، وبصدق، وبنزاهة بدت مدهشة بالقياس إلى حساسية ملفّ غزّة، وسطوة مجموعات الضغط المؤيدة لإسرائيل. لا أحد، إلا رهط المتواطئين الشامتين، اشترى الذريعة التي ساقتها المحطة في تفسير نقل محي الدين، أي الحرص على أمنه الشخصي مع دنوّ احتمالات اجتياح برّي إسرائيلي. ولهذا راجعت إدارة الـNBC قرارها، مضطرة أغلب الظنّ، فأصدرت بياناً تعلن فيه إعادة الرجل إلى غزّة، مع تنويه خاصّ بـ»مساهمته القيّمة والفريدة في حكاية موت الأطفال الفلسطينيين الأربعة».
والحال أنّ الصورة، وهي أيقونة عصور العولمة بامتياز، تظلّ ساحة حرب شرسة لا تختلف في الشدّة والضراوة، وفي الوحشية والبربرية، عن قتال القاذفات والدبابات والمدفعية في ميادين الحروب الحيّة. ولا يجد المرء دليلاً على صحّة هذه المقارنة، واتضاح أبعادها الخافية بصفة خاصة، مثلما يجده حين تشنّ إسرائيل عدواناً، بربري الطابع بالضرورة، ضدّ الشعب الفلسطيني؛ تعرف، مسبقاً، أنها فيه الخاسرة على صعيد الصورة. وهنا تقتضي الحاجة استنفار الإمبراطوريات الإعلامية الكبرى في الولايات المتحدة وأوروبا، سواء تلك التي تتحكّم رساميل يهودية في إدارتها، أو يملك نافذون يهود تأثيراً حاسماً في قراراتها؛ الأمر الذي يبلغ، أحياناً، درجة النطق بالكلمة الفصل فيما يُنشر وما يتوجب أن يغيب حتماً، وأياً كانت المحاذير المهنية الناجمة عن انحياز فاضح كهذا.
ولكي لا تبدو حال محي الدين منفردة، فإنّ المرء يستعيد حكاية أخرى، غزّاوية أيضاً، وقعت قبل سنوات؛ خاضتها المجلة الإلكترونية الأمريكية الشهيرة MSNBC، التي اعتادت تنظيم مسابقة سنوية لأفضل الصور الفوتوغرافية، يشارك في تحكيمها قرّاء المجلة، عن طريق التصويت الإلكتروني المباشر. والخطوة الأولى تنطوي على قيام لجنة تحكيم مختصة بتصفية آلاف الصور في شتى الميادين، واختيار عدد محدود منها لتكون بمثابة اللائحة الخاضعة لتصويت المشاهدين، وهذه هي الخطوة الثانية.
وذات سنة كانت صورة «موت في غزة»، عن استشهاد الطفل الفلسطيني محمد الدرة، قد صعدت إلى المركز السادس، فالرابع، حتى استقرّت أخيراً في المركز الأوّل بأغلبية مليون صوت. وكان واضحاً أنها سوف تفوز دون منافسة تُذكر، خصوصاً بعد أن تحوّلت إلى مادّة لنوع من حرب الرسائل الإلكترونية بين المتعاطفين معها (ومع الانتفاضة والفلسطينيين إجمالاً)، والمناهضين لها (وللانتفاضة والفلسطينيين إجمالاً، واستطراداً). وفي الحصيلة ارتفع عدد الأصوات المؤيدة للصورة إلى ثلاثة ملايين صوت، من مختلف أنحاء العالم، مقابل نحو نصف مليون عند إطلاق المسابقة.
فهل فازت «موت في غزة»؟ كلا، بالطبع، لأنّ الناطق باسم MSNBC أعلن أنّ التحرير قرّر إلغاء المسابقة، نهائياً! «لدينا أدلة مادية على وجود تزوير في التصويت»، قال البيان الرسمي، موضحاً أنّ زوّار الموقع الإلكتروني صوّتوا من أمكنة جغرافية معيّنة، تبدأ من إسرائيل ولا تنتهي عند المملكة العربية السعودية، ممّا يدلّ على «انحراف في نزاهة التصويت». ما الذي يمكن أن تعنيه هذه العبارة؟ وكيف يمكن للتصويت أن ينحرف إذا كانت المجلة الإلكترونية معروضة على شبكة الإنترنيت العالمية، أي العالم بأسره، وليست مقتصرة على منطقة جغرافية بعينها؟ وإذا كان نظام اختيار الصورة الفائزة لا ينطوي على قاعدة أخرى سوى حيازة أغلبية الأصوات، فكيف انحرف التصويت، وكيف وقع التزوير؟
من العبث البحث عن إجابات، خاصة وأنّ التحرير سحب الصورة الأولى، ممّا عقد التنافس لصالح الصورة الثانية، التي تلتقط جرواً كسيحاً! كأنّ المجلة فضّلت التعاطف مع الحيوان، والطعن في نزاهة التصويت للإنسان، وشتّان بين الجرو والطفل الفلسطيني، حين يحتدم وطيس حروب الصورة!
صبحي حديدي