توفيق الحاج
جمعتني السيارة المتجهة الي غزة ذات صباح مع طبيب تخدير تربطني وإياه بالكتابة رابطة.. كنت احترم فيه هدوء الطبع ورقة الحاشية، وبعد التحايا والاشتياقات والذي منه انحرف بنا الحديث تلقائيا الي السياسة قاتلها الله فهي كالملح والفلفل علي مائدة الفقير..!! كلمة مني وكلمة منه.. لترتفع درجة حرارة النقاش الي 100 فهرنهايت، علاوة علي الصهد المبكر ليوم أغسطسي وكنت كلما أوغلنا في الحوار تتملكني الصدمة أكثر فالرجل الرقيق بات يحمل مشرطا حادا ويتبني لغة ناشفة لم تعد تقبل الآخر، والأمر في مجمله عنده حرب معلنة وجهاد مقدس مشروع ومبرر انتصر فيه الذين آمنوا علي الذين كفروا.. نقطة ومن أول السطر!! ومع مزيد من الفضفضة اكتشفت أن محدثي وهو محمر العينين منتفخ الأوداج.. يشتم ويتفتف ويلعن ويخون وعندما تعرف السبب يبطل العجب، فقد أوجعه قطع راتبه من الرئاسة فصب جام غضبه علي رام الله وضواحيها..!! لم يترك عباسيا إلا وشكك في أصله وفصله ونسبه ودينه ولم يدع اتهاما إلا ورشق به الفئة الباغية كما يعتقد وهو مطمئن تمام الاطمئنان الي أنه من المئة الذين يغلبون مئتين..!! عذرته جدا.. فمن يضرب علي جيبه تئن أمعاؤه وأمعاء أطفاله وينفلت لسانه عن المنطق ويتضخم غله حتي يكاد يتحول الي حيوان مفترس..!! وأنا حقا ضد تسييس الراتب تحت أي ظرف رغم ان كل شيء هنا واقع بفضل بركات الفصائل تحت التسييس، ورغم مجاهرة محدثي الغزي الغاضب جدا بعدم شرعية رام الله وأبوتها..!! يعني هات الحسنة وأنا سيدك. كان الغل يسيل كنهر من اللافا في كل اتجاه.. الي درجة أشفقت فيها علي الرجل من أن يرسله غضبه الي غرفة الإنعاش فلا ينفع تكدير ولا تخدير، وأشفقت علي ركاب السيارة الصامتين المنزعجين من الزعيق القبيح، فهدأت اللعب قليلا في مباراة غير متكافئة بين مشرط وكلمة..!! غاب عنها الحكم وسيطر فيها الخوف من العسس بعد ان رفع صديقنا بطاقة صفراء في وجهي بداعي مخالفة أولي الأمر ملوحا لي بإمكانية استضافتي علي فنجان قهوة..!! ولما سألته بهدوء شديد عن رأيه في ما يجري مع زملاء المهنة في مجمع الشفا، أطلق عليهم بلا تردد عدة صليات تخوين وقنابل عمالة فقلت لنفسي: آخذها من قاصرها ولا داعي للسؤال عما جري قبل أيام للصحافيين..!! سادت لحظات من الصمت الفاتر… حاول بعدها الطبيب أن يستتيبني بلطف ويدعو الله أن يهديني الي سواء السبيل وأن يشفيني من حقدي طالبا مني أن أكرر وراءه آية كريمة بهذا المعني..!! كررت.. وابتسمت لهاتف في داخلي يزغزغني.. تري من هو الاحوج منا الي ذلك.. !! وهنا أعلنت فرامل السيارة نهاية الحديث.
وصلت الي مكان عملي.. وصوته يلاحقني.. ازعكا، وأنا أكاد اترنح تحت وقع تساؤلات تتفتق داخلي وتسرح تحت جلدي كالنمل الاحمر.. هل وصلنا الي هذه الدرجة من كراهية الآخر.. ؟!! هل أصبح الغل والحقد طعامنا الاساسي علي موائد وجباتنا الثلاث.. ؟!! هل احتكرنا الحقيقة ورسمناها كما نريد علي مقاس ألسنتنا أو أحذيتنا.. ؟!! هل ارتضينا لانفسنا رغم شهادات الدكتوراة والبورد نمطية أحادية تصنفنا نحن كمؤمنين اتقياء انقياء معصومين من خيار المدينة بينما الآخرون ومن لف لفهم كفرة اشرار مارقون من أحباش قريش.. ؟!! نعم هناك من يعيش في عالمه الخاص بعيدا عن معطيات الواقع، فلقد شاهدت قطبا من أقطاب الحسم في لقاء تلفزيوني يعتبر غزة المدينة والضفة قريش ويؤكد انه لن يقبل بأقل من دوله تمتد من النقب الي الناقورة لأنه سيهزم أمريكا واسرائيل كما هزم النبي (صلي الله عليه وسلم) الروم والفرس.. ، وهو ينسي ان المعجزات انتهت ولا تكون الا لنبي..!! طيب.. إذا كان الحوار بين أخوين فلسطينيين عابرين جمعتهما الصدفة وتعاطي الأدب وسمو الكلمة قد وصل الي هذا المستوي من الاختلاف.. فكيف نلوم امراء الامر الواقع هنا وهناك علي هذه القطيعة المرة والتحجر المريض.. ؟!! من المسؤول عما وصلنا اليه.. ؟!! لننظر حولنا ونتأمل.. كم اذاعة محجبة ومنقبة وسافرة وكم مرئية فصائلية فضائية كانت أم أرضية، محتلة أم محررة.. وكم خطاب تاريخي وتصريح مفوه.. وكم شخصية رسمية أو امنية منفرة..!! كلها تصب مجاري تحريضها واستقطاباتها وامراضها باتجاه الفلسطيني الضائع فتلوث اسماعه وعينيه وانفاسه وهواءه وتضغط عليه بكماشة سياسية بغيضة إما أن يكون مع الفئة الفاسدة أو يكون مع الفئة الحاقدة ولا خيار ثالثا..!! أصرخ.. رغم انفي.. حتي ابناؤنا لم يرحمهم الاستقطاب والتحزب والتحريض من أن يمزقهم بانيابه.. فلمصلحة من أسدنة الذات وفأرنة الخصم في فيلم كرتون موجه للاطفال.. ؟!! ولمصلحة من تدريب النشء في مخيمات صيفية علي لعبة حماس وفتح بدلا عن عرب ويهود أو عسكر وحرامية..!! اننا نري دفيئات حقد جاهزة علي الطريق في كلا الاتجاهين يقوم عليها للمفاجأة بعض من حازوا علي درجات علمية عليا وتحت اسماء براقة تربي غراسا غضة بريئة لتزهر بعد أيام شوكا وانيابا وعداوات بين ابناء البيت الواحد والحارة الواحدة والوطن الواحد..!! في حين أن الدفيئات الزراعية في المحررات التي تركها المستوطنون لا تزال مهجورة منذ سنتين..!! وتتواصل الاسئلة.. ألا يعطي قادتنا وزلمنا أنفسهم بعد كل ماجري رحمة بنا دقيقة أو دقيقتين فرصة أخيرة للخروج من نفق الذات والفصيل الي فضاء الوطن الارحب.. ؟!! ألم يشاهدوا عبدالله غل كيف وصل بذكائه السياسي الي منصب الرئاسة من خلال خطاب متوازن ومعتدل وحكيم متجاوزا فيه استفزاز العسكر والعلمانية.. وأعطي أملا جديدا في مشروع اسلامي متنور؟!! هل كتب علينا أن لا نري لنا قادة الا من طراز عبدالله غل ولكن.. بكسر الغين.. ؟!!.!! إن هناك للاسف الشديد اناسا مؤثرين في توجيه النزاع الداخلي لهم حقد الجمال.. لم ينسوا أو يتناسوا حلق اللحي وزجاجات المؤخرة في تجاربهم القاسية ولم يغادروا بعد جراح الذات ولا زالوا يتعاملون بمنطق الثأر..!! والسؤال.. الم يشاهدوا ما شاهدناه ونشاهده الان وبعد صلاة كل جمعة من صور حية تدمي القلب تنقلها الفضائيات من غزة ويخجل منها كل فلسطيني فما بالك بالعالم.. ؟!! إني اتحدي أن يوجد فلسطيني حقيقي أسعدته صورة قمع ذلك الشاب الفلسطيني الذي وقع فريسة لسبع هراوات فلسطينية عمياء..!! حتي في التظاهرة التي جيشت لها حماس يوم السبت باتجاه معبر رفح ظاهرا ولتأكيد تفوقها التظاهري ردا علي تظاهرة فتح يوم الجمعة قامت التنفيذية بممارسة نفس القمع بعد أن فقدت السيطرة..!! المشكلة المؤلمة أن أبناء التنفيذية هؤلاء هم أبناؤنا ولم يأتوا من تل أبيب أو من كوكب زحل، لذا فإنهم وقادتهم ملزمون بإعادة التفكير فيما يصنعون..!! ، وإلا فسوف تحدث الكارثة لا محالة.
إني وبكل صراحة ووضوح أقف كمثقف بكل كياني ضد أي قمع أو قهر من الفلسطيني للفلسطيني سواء كان ذلك في غزة أو في رام الله..!! وان من يصرح علنا من الصقور أصحاب الرؤوس الحامية بنقل تجربة غزة الي الضفة هو أول من يسيء الي أبناء حماس هناك، فالتصريحات النارية تضر وتمزق وتبعد والكلمات الحكيمة المتزنة تقرب وترطب وتذيب.. وعلي المتناحرين ان يعرفا ذلك جيدا لذا فإني لن أمل من الاستمرار في دعوة حماس مخلصا لله ثم الوطن وكفصيل فلسطيني لا يمكن تجاهل شعبيته وتجذره وتضحياته وأخطائه أن تتبصر جيدا عواقب فكر الهراوة والاعتقال مهما كانت الأسباب، وهي التي يراد لها أن تفقد في شهور ما كسبته في سنوات.. ؟!! إن المحافظة علي الأمن تتطلب حكمة وبعد نظر وحرصا علي كسب المواطن تماما كما حدث في تنظيم الطرق والساحات العامة وأمن الشارع ولا يتطلب نزقا وسرعة انفعال كما حدث مع الأفراح الفتحاوية وصور المدهون ثم عائلات المجايدة ونعيم والفار و… و… وأخيرا صلاة الجمعة..!! وإذا كانت لدي زعماء حماس مشكلة ما في تقبل النقد القاسي بسبب ضيق الصدر أو ضغط ما تمر به من حصار لأن الحكم ولو في غزة عادة أصعب من المعارضة فاني اعتذر واسحب كلامي وعلي استعداد للتغزل في عيونهم ومحاسنهم صفحات وصفحات ولكني لا أستطيع مطلقا أن أتغزل فيما تفعل التنفيذية مثلا والتي فاقت سمعتها الطيبة في شهور سمعة أجهزة شهيرة انغرس اسمها عميقا في الجانب المظلم من ذاكرة المواطن..!! مما يسبب ضررا آنيا خطيرا قد يؤثر سلبا علي مستقبل الحركة.
فلا يكفي التيمن والتكني باسماء الصحابة والتابعين والفاتحين وتوزيعها علي الاحبة والموالين بل يجب التيمن بسيرهم والتمسك بسلوكياتهم سواء كانوا في الحكم أو في المعارضة..!! إن الكفر بالوطن واحد.. ولا فرق.. فكما يري بعض العميان في فتح الاشياء بعيون امريكية فان العميان في حماس يرونها بعيون ايرانية..!! وأدعو الله العلي القدير.. القادر علي كل شيء ان يري العديقان اللدودان الامور عما قريب بعيون فلسطينية..!!8