المذبحة بين الذاكرة المستنسخة والتاريخ المعاصر

حجم الخط
0

لينا أبو بكر

أي ناقوس يقرع في ساعة الرمل هسهسة الذاكرة؟

وأي ذاكرة تلك التي تمشي علي أطراف أصابعها خشية أن توقظ الموتي من غطيط الأضرحة؟

بل أي حفار هذا الذي ينكأ الموت ليطمر التراب؟

إنك بحاجة إلي زهايمر سياسي، كي تتذكر تاريخك، وبحاجة إلي ذاكرة طازجة كي تستطيع نسيان ما علق من عفونة علي زند المسدس الذي يصوب الجرح إلي دمك العاري.. وأنت في كل الأحوال لست سوي الألم الذي يتطلب الرعاية والصون والعفاف، لذا لا بد أن يتم حفظه في درجات حرارة مناسبة تكلؤه بطول الأمد وبذاكرة منعشه تنفض عنه غبار الزمن، وتسلمه للحقب المتوالية بكامل أناقته ونبله وعراقته.. لكن ماذا لو كنت معرضا للانقراض تبعا لانقطاع السلالة، واختلاطها بمحيطات بديلة حد التماهي، وتعرضها لفخاخ القنص الديموقراطي، من سيقوم حينها بتوفير محميات طبيعية تقيها من صنوف الانتهاك المكرورة؟

وإن كان إرثك الحياتي من أزمنة مضت هو الحروب التي أقيمت علي شرفك فهل إرثك شرفك، أم حروبهم؟

حروبهم التي تقوم في الأصل علي مبدأ الحرب مقابل السلام!! ولكن أما من سبيل لمهادنة تلك الميول العسكرية؟ أو لإقناعها باستخدام حروف عطف في لغة العنف التي يجترها التاريخ ذاته ولكن ضمن استعارات أكثر حداثة وأبهة من ذي قبل!

تري هل هي الفضيلة السياسية التي يتذرعون بها؟ أم أنها فزاعة الخلود وقد تحول جلجامش من مزارع- يعيد العشب التائه إلي أبيه الحقل – إلي سمسار إمبريالي يغرس فزاعته في حقل السماء؟

الفضيلة السياسية مركب لغوي لاعلاقة له تطبيقيا بالواقع ولا يمت إليه بصلة، فالخوض في غمار السياسة ينفي بالضرورة تحقق العنصر الاخلاقي فيها، وإذا كانت الأخلاق تعاليم سماوية تحض عليها الأديان فهل هذا بند وارد في اتباع الديانات السياسية! بل كيف يلتقي قطبا النقيض؟! والأحري من هذا كله هو عندما سيعتبر كل ما يشبه الفضيلة بمنتهي التفاهة، تماما كما رأي بودلير يوما!

إن التكنيك العام لأي رؤية استيراتيجية قائمة علي نمط إيديولوجي أو دستور عقائدي جاهز للاستهلاك جغرافيا يثير الحذر من حضارة تصنع كيانا متطرفا بل عرقيا بحتا يقوم علي أنقاض أعراق أخري وهو يبذر اللبنات الأساسية لبنية ذلك الكيان!

إذن أصبحت الحضارة توجها عقائديا يستند إلي أحكام ربانية تبند الأسس الشرعية لتحققها كواجب أو فريضة دينية تعطي الأفضلية لشعب دون سواه بحيث لا تخضع النسيج الإنساني لعامل المشاركة الطبيعية، بالحياة مجملا وبشجرة ابن خلدون الموسمية علي وجه الخصوص!

هنا يكمن السؤال: هل تكون الحضارة بحال كهذه عبادة أو ربما استخلافا سماويا علي الأرض؟ وإن كانت كذلك فأية طقوس تلك التي تتم بها مزاولتها كمنتج شعائري؟ وهل هذا الاستخلاف يتطلب تدميرا شاملا يأخذ في طريقه من يأخذ في سبيل تعمير لا أخلاقي مجرد من مراعاة المقومات الإنسانية والبيئية والتاريخية.. ؟ بل سل أي كتاب سماوي ذاك الذي يتحول بطبائع استبدادية إلي خارطة استعمارية يهتدي بها من يقيمون صلواتهم علي سجادة المبكي أو من وراء جدار فاصل بين جدارين متوازيين؟ أي محصلة تلك التي تمخضت عن هذه الحضارة.. بل قل أي عقيدة تلك التي انبثقت منها حضارة كهذه أصلا؟

هل أصاب الحذر إذن في التعاطي مع هذا الكيان المختلف منشئيا؟

وإن كانت سمته الأساسية في اختلافه الذي يسوقه الانعزال والشعور الدائم بضرورة البقاء ضمن ممارسة الفناء فكيف ندمج مشروعه في السياق الكوني القائم علي شرط وجود الآخر للتأثير والتأثر كصيرورة واستمرارية فيما بعد؟

الحقيقة أن أرض الميعاد تغدو في العقيدة اليهودية فردوسا إثنيا يلغي فكرة الفردوس المنطقية أو المتعارف عليها منطقيا والتي تقوم علي إثابة المحسنين الأبرار بالجنة وغيرهم بالجحيم اليوم الآخر، فكرة الفردوس هنا لا تحمل معني الوطن كأحقية تاريخية وجذرية بقدر كونها أرضا موعودة في مستقبل مجهول المعابر، أو أرضا عقائدية تحتكر جنسا دون سواه…. بل منفي عنصريا محظورا علي غير المنتمين إليه دينيا!

من هذا المنطلق تصبح فلسطين حيزا بلفوريا ربما، أو حلما يتحول بما يتم السعي إليه لتحقيقه إلي كابوس يومي ومعايشة مضطربة لمنام مزعوم ورؤيا ادعائية!! أما أنت يا ابن الذاكرة، فإن حيزك من المكان أصبح ذاكرتك التي تتجلي بمعاناة لا تنتهي تواريخ صلاحياتها بل تتجدد تلقائيا وكأنك لا تملك من الأرض سوي الرحيل والهجرة وبرحاء الحنين إلي بلاد ورثتَ ملكها حتي لو أنك ما وطئت ثراها يوما! إلام تحن: إلي الذاكرة؟ الذاكرة خارطة الشوق والأمل والموت، خارطة الحقيقة كدليل علي ثبوت وقائع الجريمة.

متي ستُنزل روحك عن ظهرك وقد تغدو حملا يثقل كاهلك لتحملها علي راحتك وتلقي بها في مهاوي الحياة؟ إن بيتك خيمة من حجارة تشبه بيوت أمين معلوف في البدايات، ولكن أرضك سماء تائهة لا يسهل عليك التفيؤ في ظلها لأن أصل السماء شجرة تضرب جذورها في تربة جارفة!

وإن وجدت ضالتك وعدت يوما إلي شجرتك المنفلتة من عقال الثبات مع مرور الجراح وتواتر الوجع فهل تغدو عودتك رحيلا آخر كما تنبأ الاعمي؟ لأن ما تحمله في طيات ما تتذكره هو مقدار ما تتألمه، وما بقي علي أرض الواقع ذاكرة مستنسخة نعم، جينية نعم، لكنها مغدورة وربما مهجورة وعليك أن تعود إلي رحيلك كي تُبقي علي ذاكرتك وقد نهب تاريخك!

سيأتي يوم علي فلسطين تغدو به خرافة لأن الخرافة مستودع الحقائق الوحيد ورباه كم جميل أن توافق بودلير علي هذا! وهو نفس اليوم الذي لن تعود به حران ملكا لأحد لأنها مدينة مالحة جدا كريق الرمل القائظ!

ليس بينك والصهيوني صراع دم فلستم أخوة غرماء، وليس بينك وبينه عشرة زيت وزعتر، ولا التين والزيتون وذاك البلد الأمين، ما بينك وبينه عشرة ذبح وشهادة، عشرة القاتل والضحية، عشرة السطو والنزوح، عشرة الليل والنهار، الحطب والنار، القبر والحفار، وعشرة المذبحة مع ميليشيات الموت وعصابات الهياكل الجرثومية والجمراث الخبيثة وغازات الأعصاب… عشرة الذاكرة مع العقاب بما أن ذاكرتنا بالمنظور الماغوطي أكبر عقاب لنا، ولكنه العقاب الذي نثاب عليه جزاء طيبا وجنائن نعيم لا نزال نتقصي مذاقها علي أطراف الأرياق المُرّة!

لن تعود إلي المواقف المناهضة لكل من تانيا رينهارت أو نعوم تشومسكي كي تثبت لعرقك أن هنالك من يقاومون فلسفة الإبادة العرقية العشوائية منها والمنظمة في حق شعب اعتبرته كاتبة الانفعالات الحداثية ساروت خطيئة هذه الأرض! الأرض التي لا تقبل بهويات جزئية ولا أنصاف يهود ولا عرب حتي لو كانوا أصفارا يسارية.. الارض التي لا تنزع قفازاتها الاستخبارية لأنها تخشي أن ينفرط عقد البصمات البرجوازية في حفلات الزنازين السرية ما وراء الشمس!

أرض ليست كروية بل أرض برؤوس مستديرة، وما عداها هندسات مدببة أو مربعة لا تليق بمقامها الهندسي الرفيع، فقف لمهندس الكونفيدرالية، وفه التبجيلا!

تصور كم يسهر علي راحتك حلفاء الهاسبارا! فبعد انتهاء كل إجازة حربية يعود الابن الأبيض وبقبضته هدية العيد: الدومينو المسحور ولأن الهدية لا ترد ولا تستبدل فإنها أحد الفروض التي وجب عليك اتباعها ليرضي عنك حلف الذئاب ذات الأنياب اللبنية التي لا يتحرش لعابها بالذبيحة لأن المائدة مجهزة باللحم الحيّ والجماجم المعصورة!

يا صاحب الذاكرة!

ليس للذكريات رفات فلم تخلق ذاكرتك من ورق حتي يسهل حرقها بصوان نيء أو ينقل جثمانها إلي الحبر الناشف أو الحبر السري، ولأنها ليست ذاكرة عُجول محرمة أُحِلّ شواؤها ملفوفة بالقصدير المقوي في أفران نازية فإن ذاكرتك لا يسهل هضمها أو ابتلاعها، لا تموت ولا تفني ولا يصيبها العطب، ذاكرتك عشبة الخلود ورقياك التي تخبئها في حزام الشريان التاجي، ذاكرتك بردك الإبراهيمي وجمرتك، فضاؤك الملغوم بالموساد الفلكي نعم، ولكنها موطنك. ذاكرتك رميمك المبعوث من ألم، وفاتورة الحساب الأخير التي يسددها إليك الزمن.. فاقرع صلصال الجريمة بناقوس الذاكرة التي لم تزل بعد في عنفوان الميلاد فالبقية آتية بتناسل الآلام… يا صاحب الذاكرة: تخثر الوجع من شوق مطعون في الصميم، ونكث القارب موعده المغناطيسي مع إيثاكا، فلا تعرج إلي غفرانك إلا برسالة آثمة فهذا أدعي لسدانة الطواف وأنت تبذر أرواح أحبتك في الأعالي!

شاعرة فلسطينية تقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية