صدّق أو لا تصدّق، بعد كل ما مررنا به في حرب لبنان، أصبحت اغلبية الجمهور تعتقد بأن اسرائيل هي دولة يطيب العيش فيها. الاستطلاع الذي أجرته مينا تسيمح ونشر في نهاية الاسبوع الماضي في يديعوت احرونوت أظهر أن الاغلبية الساحقة من الجمهور راضية عن الدولة بدرجة كافية. كيف تُقدر حالتك المزاجية؟86 في المئة يقولون انها جيدة. وكيف تُقدر وضعك الاقتصادي؟ 67 في المئة قالوا انه جيد. وهل أنت واثق من أن اسرائيل ستبقي قائمة في المستقبل البعيد؟ 74 في المئة يقولون نعم. هل فكرت بالهجرة من البلاد في هذه السنة؟ 76 في المئة قالوا لا. وهل تفتخر لكونك اسرائيليا؟ 84 في المئة قالوا نعم.
بين هذه المعطيات التي تتسم بالنزعة القومية المخلصة، يبرز ايهود اولمرت بعلامة منخفضة كقائد للدولة. مقولته الشهيرة: أنا لا أتمتع بالشعبية تنعكس من خلال الاستطلاع كمؤشر ثابت لا يتغير. اولمرت أضاف حينئذ في اطار خطابه المذكور ولكن هذا عملي ومهمتي. معني ذلك ان شعبيته ما زالت متدنية رغم الامور الصحيحة التي قام بها منذ فشل الحرب، بدءا من المصادقة علي الميزانية وانتهاء بالحفاظ علي استقرار الائتلاف.
عضو كنيست منذ سن السابعة والعشرين يكون اولمرت منغمسا في السياسة منذ 35 عاما. لديه تجربة هائلة في كل المناورات والخدع، خيرا أم شرا. هو ذكي وفطن وأكثر حذرا مما يعتقدون. رغم التوتر مع سورية إلا أنه يصرح في مؤتمر كديما عدة مرات ا ن ـ ا ـ مطمئن وكأنه يخشي من أن يزل لسانه فيتطرق لادعاءات الرئيس الأسد حول الطلعة الجوية في الأجواء السورية. هو تعلم عبرة الصمت هذه بعد حرب لبنان، فالحياة والموت، كما يتبين، هما بيد اللسان.
من حركة بيتار الشبابية كابن لأحد قادة هذه الحركة، وأحد أنصار ارض اسرائيل الكاملة، ومن ثم من معارضي اتفاقية السلام مع مصر، تحول اولمرت الي المبشر الاول لعملية فك الارتباط خلال مراسم إحياء ذكري دافيد بن غوريون. منذ فشل حرب لبنان، يحاول اولمرت القيام بالامور الصحيحة كرئيس للوزراء، إلا أن اغلبية الجمهور لا تتمكن من الخلاص من صدمة قراره بالخروج للحرب من دون أن يكون جيشه جاهزا لها.
اولمرت يُذكرنا بليفي اشكول، كلاهما دخلا الي حذاء أكبر منهما غير جاهزين. اشكول دخل في حذاء بن غوريون، رئيس الوزراء ووزير الدفاع، واولمرت دخل في حذاء ارييل شارون الذي دخل في غيبوبة في ذروة نضجه كزعيم وطني وفي غمرة الانقلاب في السياسة الاسرائيلية.
اشكول دخل في حالة ضاغطة عندما كان وزيرا للدفاع إبان دخول مصر الي سيناء واغلاقها لمضائق تيران كتحدٍ حربي واضح لاسرائيل. الحقيقة هي ان الجيش كان في أحسن احواله مع خطط حربية نموذجية. الا ان اشكول تردد وأرهق الاحتياط بأسابيع طويلة من الانتظار. حظه الجيد تمثل في إجباره بضغط من الجهاز السياسي وقادة الجيش علي اخلاء موقعه لموشيه ديان. خلال خمسة ايام انطلقت حرب حزيران (يونيو) في طريقها وسجل ديان نصرا ساحقا لانه بث روح العزيمة في الجيش الذي كان مستعدا وجاهزا.
اولمرت خرج للحرب مع رئيس هيئة اركان هذياني اعتقد أن من الممكن القضاء علي حزب الله بضربة جوية، ومع وزير دفاع لا يوجد لديه فهم في الشؤون الأمنية ولا يدرك مدي الحالة المتردية التي وصل اليها الجيش الذي يفتقر للتدريب والخطط الملائمة لاحراز النصر. هذه القيادة الثلاثية ألحقت بشعب اسرائيل 157 قتيلا وتسببت في سقوط 3970 صاروخا علي الجبهة الداخلية. هذا الأمر لم يكن ليحدث عند شارون لانه كان يعرف محدودية قوة الجيش الذي خلفه موفاز ويعلون من ورائهما. تعيين حلوتس كان في الواقع محصورا بمهمة واحدة ووحيدة: اخلاء غوش قطيف.
اولمرت يسير في المرحلة الثانية المقدرة علي درب شارون من اجل التوصل الي التسوية مع الفلسطينيين. هو لم يحصل علي علامة 10 علي التسوية التي لم تولد بعد، الا ان علامة 7 ليست سيئة. اذا أخذنا هبوط مستوي العداء له في الصحافة بعين الاعتبار والائتلاف القوي الذي شكله مع باراك والقائم علي خوف اغلبية اعضاء الكنيست من الانتخابات المبكرة، واذا اخذنا حقيقة ان لجنة فينوغراد قد فقدت لحظتها السانحة ـ سيُعتبر اولمرت شخصية هذه السنة، أو علي الأدق: الشخصية التي حافظت علي بقائها من هذه السنة. ولكن عليه وصمة لا تزول مع الغسيل.
يوئيل ماركوسمعلق دائم في الصحيفة(هآرتس) 11/9/2007