المبشرون الديمقراطيون

حجم الخط
0

لم يدخر رسول الحرية والديمقراطية (بوش) أي جهد لتصدير تجارب الديمقراطية المتعددة إلي أنظمة الشرق المتآكلة والمنهكة من تقادم الزمن علي حكامها الخالدين، ومن دواعي وحوافز هذا التبشير المستفز هو شعور بوش بالإمتنان لدول الشرق المصدرة للطاقة والمادة الخام والقوي العاملة الرخيصة، ومؤازرة لوصل الود والعرفان يسعي بوش لتصدير ثوب أيدولوجيات تحررية جاهزة ومنهجيات تيك أوي بخدمة توصيل مجانية عابرة للقارات، متجاهلاً بديهية، أن الثوب قد لا يناسب مقاس دولنا المراهقة، نظراً لعدم إكتمال نموها السياسي والإجتماعي بعد، لترتدي ثوب التعددية والحرية الزاهي المتجدد.. في منعطف هذا التبشير التعسفي جاءت رياح التغيير لتهز المبشرين أنفسهم وسياساتهم الداخلية وينقلب السحر علي الساحر وتتسارع خطي التجديد والثوران والتمرد الشعبي في عقر السياسة الأمريكية والبريطانية وتعجل إندلاع نيران النزعات الطائفية و العرقية في العراق وأفغانستان، أول البلاد التي يطأها المبشرون بجنودهم ورياحهم التجديدية، التي لامست رماد الفتن المتراكمة لتتنامي نار حرب كانت ساكنة بيد أمن قامعة ونظام حديدي.

في هذا الصدد يحتدم الجدل الداخلي حول إمكانية إستيراد تجارب الدول الأخري كما هي، أم أننا بحاجة لتصنيع وتفعيل المسار الديمقراطي بأنفسنا حتي وإن أتت نسخة مقلدة لا تتيح إمكانية واسعة في التصرف والتعامل.

شاكلة تصدير الحريات أكثر منها معقدة وأمثلة التبشير التعسفي لم تستطع أن تقدم النموذج الناجح لدعم المهرولين الليبراليين في إتجاه الحرم الأمريكي لجلب البركات والمعجزات الثورية، لتتمرغ بلادنا بين ليلة وضحاها في آفاق الحريات الديمقراطيات و يحوم حول ميداننا الخضراء حمام سمين ولا أحد من مواطنينيا المثقلين بالتخمة يحاول إصطياده.. وببركات العام بوش سيستيقظ الإنسان العربي ليجد نفسه بوعي حر جديد ولسان فصيح وصوت عالي وأقدام قوية للسير في مظاهرات، تطالب بعزل رئيس حكومته أو تندد بقانون إجتماعي جديد.

ولربما يأتينا التبشير البوشي في صورة إعصار كاترينا أو ربما إعصار فاطمة (إتساقاً مع ثقافتنا وقيمنا وتناغماُ مع منظور تجسير الحوار بين الحضارات)، ووسنتظاهر مطالبين بزواج المثليين وإلغاء عقوبة الإعدام وعودة جنود الأسر الأمريكية من حرب العراق.

من جوف تاريخ التعاطي مع تصدير الحريات التعسفي وإنبعاثات رياح التبشير القسرية في عالمنا العربي، يتضح أننا ليس لدينا جهاز مناعي يستقوي علي تلك الإنبعاثات المفاجئة الفاجعة، وأننا نريد أن نتشمم نسمات رحيق الديمقراطية قطرة قطرة حتي لانصاب بإنسداد فكري أو جلطة ديمقراطية!

مي المهديمصرية ـ برلين6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية