ليس من الغريب في ظل الأوضاع التي يعيشها عالمنا العربي من خنق للحريات والغاء الرأي الآخر وارهاب كل من تسول له نفسه انتقاد الذات الحاكمة، أو التعرض للانجازات الديمقراطية التي وصلت لها البلاد، وتفيء في ظلها العباد، أن يتطلع المواطن العربي الي انجازات الغرب في كل المجالات، متحسرا علي ما هو عليه من ظلم واضطهاد، وعلي ما قاساه من كبت وحرمان وعذاب.
كان من نصيبي كواحد من الآلاف الذين تركوا بلادهم أن تحط بي الرحال في احدي بلاد الغرب، والتي يضرب بها المثل في حرية الرأي، والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية التي لا غبار عليها انها السويد. نعم فيها من حرية الرأي، والعدالة الاجتماعية والديمقراطية التي لا غبار عليها الشيء الكثير، ولكن عزيزي القارئ أود أن أطلعك هنا علي حقائق هي بالفعل غائبة عنك، أو هي بالأحري مغيبة.
لقد أردت شخصيا أن أنهل من نبع الحرية والعدالة في هذه البلاد، بعد أن عملت في مجال الصحافة في بلادنا العربية، وعانيت من وراء ذلك، لأن الصحافي في بلادنا تنطبق عليه مقولة الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش عندما بدأ حربه علي ما يسمي بالارهاب موجها تحذيره الي الكل: اما أن تكونوا معنا، والا فأنتم مع الارهاب.
انه لمن الصعب علي الصحافي العربي أن يكون مع الحقيقة، خادما لها، لا لغيرها، يوصلها الي القارئ كما هي ويترك له الحكم.
لا أريد أن أطيل في دور الصحافي في بلادنا العربية. فقد أخرج عن الموضوع، أو أجتر ما كتب عنه من معلقات، أطول من معلقات شعراء الجاهلية.
علي كل حال، أود هنا أن أشرح بعضا من حرية التعبير، وعن تجارب عانيت منها الأمرين في هذه البلاد التي ينظر الي عدالتها وديمقراطيتها بعين الحسد وآهات الاعجاب.
لقد أردت أن أكون واحدا من بين الصحافيين في هذا البلد، وأن أنقل صورا من المعاناة التي يعيشها المواطن العربي الي القارئ السويدي. أريد أن أساهم ولو بجزء يسير في تغيير صورة قد رسخت في ذهن المواطن السويدي عن منطقتنا العربية، وما يطمح اليه المواطن العربي، وماهية حقيقة وجه الصراع القائم في المنطقه، وخاصة النظرة الي القضية الفلسطينية وشعبها وما مر عليه من ويلات، وما يرزح تحته من ظلم وجور للغرب فيه باع طويل.
نعم من واجبي أن أكون مراسلا للمواطن العربي في بلاد يسيطر علي عقول مواطنيها رأي واحد منحاز لحقيقة مقلوبة، وصورة لا تري في المواطن العربي سوي العنف، وقهر النساء ومعاداة الديمقراطيه.
فعلا لقد نجحت في بعض الأحيان في ايصال رأيي الي المواطن السويدي، ولكني فشلت في أحيان كثيرة، ليس لأن المواطن السويدي لا يريد أن يطلع أو يقرأ آراء أخري، ولكن لأن الصحافة في السويد ان لم يكن كلها فجلها لا تحبذ فتح الباب أمام آراء أخري الا ما ندر، أو انها لا تريد أن تشوش علي المواطن السويدي بوجهات نظر لم يعتد علي قراءتها، أو انها وهذا هو الأكثر واقعية لا تريد أن تزود قراءها بصورة أخري غير الصورة التي تريده أن يحتفظ بها عن المواطن العربي، وعن المشاكل السياسية التي تعاني منها منطقة الشرق الأوسط.
قد يقول قائل بأن هذا كلام غير منطقي، أو هو تجن في غير محله، ونكران للجميل علي ما في هذه البلاد من نعمة ونعيم. لكني سألتمس لمن يقول هذا عذرا، لأن الصورة الراسخة في عقل المواطن العربي ليس من السهل أن يهزها مقال، أو تمحوها تجربة من أقصي الشمال، فهذا لعمري من المحال.
عزيزي القارئ، أجزم لك بأن ما أقول ليس بتجن، ولا هو نكران للجميل، بل حقائق لا يعرفها الا من يسعفه الحظ أو يتعسه ليكون واحدا ممن ابتلوا بشقاء هذه المهنة، فجعلت منه رسولا للحقيقة، (طبعا اذا أراد أن يكون ذلك) يريد أن يوصلها لأكبر عدد من القراء، ويقدم لهم منابع أخري كي ينهلوا منها، ثم يحكموا علي أيها أكثر قربا للعقل وانصافا. نعم هناك حرية للرأي والتعبير عبر وسائل الاعلام، ولكنها مقصورة علي أناس لا يجب أن ينازعهم الرأي دخيل، وأعني بدخيل هنا من لا يدور في فلك الصحيفة بأن ينتقد ما يرونه نهجا صالحا يقدم للقراء. نعم هناك حرية للتعبير ولكنها حكر علي فريق معين من الساسة وأصحاب النفوذ.
محمد كمال غانمصحافي فلسطيني6